أليستر كروك يفكّ شيفرة “تفكير ترامب الداخلي المعلن إلى الخارج” بشأن إيران
يحاول أليستر كروك في هذا المقال، الذي نشره فرصة”مؤسسة الثقافة الاستراتيجية“ وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، شرح خلفيات ما يجري في إيران حالياً، من خلال العودة إلى ما نقله في تموز/يوليو الماضي عن المعلّق الأميركي وكاتب سيرة دونالد ترامب، مايكل وولف، حول طريقة تفكير ترامب في سياق الهجمات المرتقبة على منشآت التخصيب الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. ويعتقد كروك – بناءً على ما نقله وولف – أن ترامب يعتمد بشكل رئيسي في كل القضايا الدولية، على سيناريو “الدخول/الانفجار/الخروج”.
فماذا يمكن لترامب أن يفعل؟
النص المترجم:
لفهم خلفيات ما يجري في إيران اليوم، لا بدّ من العودة إلى ما نقلته في تموز/يوليو الماضي عن المعلّق الأميركي وكاتب سيرة دونالد ترامب، مايكل وولف، حول طريقة تفكير ترامب في سياق الهجمات المرتقبة على منشآت التخصيب الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان:
“أجريتُ الكثير من الاتصالات — وأعتقد أن لديّ إحساسًا بمسار الأفكار التي أوصلت ترامب إلى ما نحن عليه الآن (فيما يتصل بالضربات على إيران). الاتصالات هي إحدى الطرق الرئيسية التي أتابع بها ما يفكّر فيه (وأستخدم كلمة “تفكير” على نحو فضفاض).
أتحدث إلى أشخاص كان ترامب يتواصل معهم هاتفيًا. أعني أن كل تفكير ترامب الداخلي مُعلَن خارجيًا؛ ويتم عبر سلسلة من مكالماته الدائمة. ومن السهل جدًا تتبّعه — لأنه يقول الشيء نفسه للجميع. إنها دائرة تكرار مستمرة…
في الأساس، عندما هاجم الإسرائيليون إيران (في 12 حزيران / يونيو)، تحمّس جدًا لذلك — وكانت مكالماته كلها تكرارًا لموضوع واحد: هل سيفوزون؟ هل هذا فوز؟ هل انتهت اللعبة؟ إنهم (الإسرائيليون) بارعون جدًا! هذا حقًا عرض يوقف الأنفاس”.
الاضطرابات التي جرى تنظيمها خارجيًا في إيران خلال الأسابيع الماضية اختفت تقريبًا بالكامل، بعدما أقدمت إيران على حجب المكالمات الدولية وقطع الإنترنت الدولي، والأهمّ من ذلك فصل اتصالات أقمار “ستارلينك”. لم تُسجَّل أي اضطرابات أو أعمال شغب أو احتجاجات في أي مدينة إيرانية خلال السبعين ساعة الماضية تقريبًا. لا تقارير جديدة؛ بل على العكس، خرجت تظاهرات حاشدة مؤيدة للدولة. أما مقاطع الفيديو المتداولة حاليًا فهي في معظمها قديمة، ويُقال إنها تُضخّ من مركزين رئيسيين خارج إيران.
كان أثر قطع صلة المحتجّين بمشغّليهم الخارجيين فوريًا — ما يؤكد أن أعمال الشغب لم تكن يومًا عفوية، بل مُخطَّطًا لها منذ زمن. وقد أدّى قمع العنف المفرط الذي مارسته مجموعات مدرَّبة جيدًا من المشاغبين، إلى جانب اعتقال قادتهم، إلى إزالة الركيزة الأساسية لهذه الجولة من استراتيجية “تغيير النظام” الأميركية–الإسرائيلية.
قامت استراتيجية “سي آي إيه–موساد” على سلسلة من المفاجآت المُعدّة مسبقًا، بهدف صدم إيران وإرباكها. وقد نجحت المفاجأة في البداية خلال هجوم 13 حزيران الأميركي–الإسرائيلي المباغت على إيران. استند عنصر “الصدمة” إلى شبكة من العملاء السريين الذين زرعهم الموساد داخل إيران على مدى زمني طويل. وتمكّنت هذه الفرق الصغيرة من إلحاق أضرار كبيرة بالدفاعات الجوية الإيرانية قصيرة المدى، باستخدام طائرات مسيّرة صغيرة مُهرَّبة وصواريخ “سبايك” المضادة للدروع.
كان المقصود من هذا التخريب الداخلي أن يكون تمهيدًا لتحدٍّ إسرائيلي شامل لـ”مظلّة” الدفاع الجوي الإيرانية. وبالنسبة إلى الحرس الثوري الإيراني، بدا الهجوم كأنه أتى من العدم، فخلق صدمةً وأجبر الدفاعات الجوية على التحوّل إلى وضعية وقائية إلى أن تتضح مصادر الهجوم. لذلك، أُمرت أنظمة الرادار المتنقلة بالانسحاب إلى شبكة الأنفاق الواسعة في إيران حفاظًا على سلامتها.
ولم يكن بالإمكان تفعيل المظلّة الدفاعية الثالثة الشاملة بأمان، قبل إزالة التهديد الذي يستهدف هذه الأصول الرادارية المتنقلة.
أتاح هذا التخريب الأولي لإسرائيل الاشتباك مع منظومة الدفاع الجوي الإيرانية المتكاملة، التي كانت — وهي في وضعية وقائية — تعمل بطاقة أقل. عندها دخلت إسرائيل الصراع باستخدام صواريخ بالستية–هوائية أُطلقت من منصات بعيدة خارج الأجواء الإيرانية.
وكحلٍّ عاجل، جرى تعطيل اتصال الإنترنت الخاص بشبكة الهواتف المحمولة في إيران، لقطع الصلة بالمشغّلين الخفيين الذين كانوا يزوّدون منصات إطلاق المسيّرات المحلية ببيانات الاستهداف عبر شبكة الهاتف الإيرانية.
هجوم 13 حزيران — الذي بُني على فرضية إسقاط “بيت من ورق” للدولة الإيرانية — فشل، لكنه قاد لاحقًا إلى “حرب الأيام الاثني عشر”، التي فشلت هي الأخرى. واضطرت إسرائيل إلى مطالبة ترامب بالتفاوض على وقف لإطلاق النار بعد أربعة أيام من الضربات الصاروخية الإيرانية المتعددة.
المرحلة التالية من مشروع “تغيير النظام” الأميركي–الإسرائيلي اتخذت مخططًا مختلفًا تمامًا — متجذّرًا في “دليل لعب” قديم يهدف إلى حشد الجموع وتأجيج العنف المفرط. بدأت هذه المرحلة في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، وتزامنت مع لقاء نتنياهو بترامب في «مار-أ-لاغو». وأدّت عملية بيع على المكشوف للعملة الإيرانية (يرجّح أنها نُسِّقت من دبي) إلى انهيار قيمة الريال بنسبة 30–40%.
هدّد هذا الانخفاض أعمال التجّار (البازار)، فاحتجّوا — وهو أمر مفهوم، خصوصًا أن الاقتصاد الإيراني لم يُدار جيدًا منذ سنوات، ما زاد من غضبهم. كذلك شعر الشباب الإيراني بأن سوء الإدارة الاقتصادية دفعهم من الطبقة الوسطى إلى فقر نسبي. وكان لانخفاض قيمة الريال أثر واسع النطاق.
احتجّ “البازاريون” على الانقلاب المفاجئ في الوضع الاقتصادي القائم، لكنهم شكّلوا أيضًا مرتكزًا استخدمته الولايات المتحدة وإسرائيل لتضخيم مظالم أوسع.
أما “المفاجأة” في هذا الفصل من دليل «تغيير النظام» فتمثّلت في إدخال مشاغبين محترفين إلى مواقع يحدّدها مشغّلوهم الخارجيون.
كانت الآلية تقوم على تجمّع مسلحين في منطقة حضرية يرتادها الناس، غالبًا في مدينة صغيرة؛ اختيار عابر سبيل عشوائي؛ ثم ينهال رجال المجموعة عليه ضربًا مبرحًا، بينما تقوم النساء بالتصوير والصراخ في الجموع مطالبات زملاءهن “اقتلْه؛ أحرِقْه”.
الجمهور، غير المُدرِك لما يجري، يحتدّ وينخرط في العنف. تصل الشرطة، فتُطلَق عادةً طلقات نارية من موقع مرتفع فوق الحشد باتجاه الشرطة أو قوى الأمن. تردّ هذه الأخيرة بإطلاق النار، ومن دون معرفة مصدر الطلقات، تسقط قتلى من “محتجّين” مسلحين ومن المدنيين. وهكذا تتشكّل أعمال شغب عنيفة.
هذه التقنيات فعّالة واحترافية، وقد استُخدمت مرارًا في بلدان أخرى.
كان الردّ الإيراني مزدوجًا: أولًا، وبفضل دعم استخباري تركي، قُتل أو اعتُقل كثير من المقاتلين الأكراد المسلحين (المدرَّبين والمجهَّزين من الولايات المتحدة وإسرائيل) أثناء عبورهم الحدود إلى المناطق ذات الغالبية الكردية في إيران، قادمين من سوريا وأربيل.
لكن التحوّل الحاسم كان في قطع اتصالات “ستارلينك” عن نحو 40 ألف محطة أقمار صناعية جرى تهريبها إلى إيران (على الأرجح عبر منظمات غير حكومية غربية).
كانت أجهزة الاستخبارات الغربية تعتقد أن “ستارلينك” غير قابل للتشويش — ومن هنا موقعه المحوري في “صندوق أدوات” تغيير النظام.
قطع “ستارلينك” قلب المعادلة: اختفت أعمال الشغب، وتعافت الدولة. لم تقع أي انشقاقات في الجيش أو الحرس الثوري أو قوات التعبئة. الدولة ما زالت متماسكة ودفاعاتها تعزّزت.
فما التالي؟ ماذا بوسع ترامب أن يفعل؟ كان التدخّل المروَّج له يقوم على سردية أن “النظام يذبح الشعب” وسط “أنهار من الدم”. هذا لم يحدث. بل خرجت تظاهرات حاشدة دعماً للجمهورية.
يقول وولف إنه عاد للتواصل مع مصادره في البيت الأبيض “لإعادة النظر في الأمر”. وينقل أن فكرة جولة جديدة من الضربات على إيران بدأت تترسّخ لدى محاوريه في أواخر الصيف وبداية الخريف. نقطة الانطلاق أن ترامب ما زال “مسرورًا” بكيفية انتهاء ضربة حزيران على منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية: “لقد نجحت؛ نجحت حقًا”، يكرر ترامب.
لكن مع حلول الخريف، بدأ ترامب يقرّ بأنه يواجه معركة صعبة في انتخابات التجديد النصفي. صار يقول: “إذا خسرنا (مجلس النواب) فقد نكون انتهينا؛ انتهينا؛ انتهينا”. ويضيف — مع قدر من الوعي الذاتي — بحسب وولف، تعداد مشكلات “هم” يواجهونها: “الوظائف، هراء إبستين، ومقاطع فيديو الهجرة والجمارك التي يبكي الجميع بسببها”. ويُلمّح ترامب في هذه المحادثات إلى أن الجمهوريين قد يخسرون مجلس الشيوخ أيضًا، وحينها “أعود إلى المحكمة، ولن يكون ذلك جميلًا”.
في اليوم السابق لهجوم حزيران/يونيو 2025 على منشآت التخصيب، كان ترامب — في لمحة عن نمط تفكيره عبر مكالماته مع مقرّبيه — يكرر باستمرار: “إذا فعلنا هذا، يجب أن يكون مثاليًا. يجب أن يكون فوزًا. يجب أن يبدو مثاليًا. لا أحد يموت”.
كان يقول لمحدّثيه: “ندخل — انفجار — نخرج: يوم كبير. نريد يومًا كبيرًا. نريد (انتظرها، يقول وولف) حربًا مثالية”. ثم، على نحو مفاجئ، أعلن ترامب وقف إطلاق النار بعد هجوم حزيران، وهو ما يراه وولف “خاتمة ترامب لحربه المثالية”.
إن العنف المفرط الذي استخدمه المشاغبون ضد الشرطة وقوى الأمن الإيرانية (حتى الذروة في 9 كانون الثاني/يناير 2026)، وإحراق البنوك والحافلات والمكتبات ونهب المساجد، صُمّم على الأرجح من قِبل أجهزة استخبارات غربية لإظهار دولة متداعية، متحللة، تقتل شعبها في احتضارها.
وربما — بالتنسيق مع إسرائيل — جرى تقديم ذلك لترامب بوصفه المدخل “المثالي” لسيناريو على طريقة فنزويلا: “نذهب إلى قطع الرأس — دخول/انفجار/خروج”.
يقول وولف إن ترامب أخبر مستشاريه هذا الأسبوع (للمرة الثانية) بأنه يريد “شيئًا لافتًا؛ صفقة كبيرة كاملة — كل العناوين. يجب أن ينجح إعلاميًا”. وعلى الرغم من تبديد أعمال الشغب، ما زال يصرّ على ضمان “النصر” من فريقه في أي خطوة تُتخذ.
لكن أين يمكن العثور على سيناريو “الدخول/الانفجار/الخروج”؟ لقد توقفت الاضطرابات. وبعد ضربة 12 حزيران/يونيو 2025 ومحاولة اختطاف مادورو، باتت طهران على دراية تامة بهوس واشنطن بقطع الرؤوس.
فماذا يمكن لترامب أن يفعل؟ هل يقصف مباني مؤسسات إيرانية مثل مقرّ الحرس الثوري؟ من شبه المؤكد أن إيران ستردّ. وقد هدّدت بالردّ عبر ضرب قواعد أميركية في أنحاء المنطقة. في مثل هذا الوضع، قد لا يبدو هجوم يأذن به ترامب “فوزًا كبيرًا” على الإطلاق.
ربما يكتفي ترامب بـ”فوز” أصغر: “لدينا عصا كبيرة”، يواصل القول. “لا أحد يعرف إن كنت سأستخدمها. نحن نُخيف الجميع!”.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





