التهديدات الأمريكية لإيران بين منطق الردع واحتمالات الحماقة الاستراتيجية
بتوقيت بيروت — التهديدات الأمريكية لإيران بين منطق الردع واحتمالات الحماقة الاستراتيجية
فالمؤشرات العامة توحي بأننا أمام سنة أليمة، تُختبر فيها التوازنات، وتُعاد خلالها صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي، ومع ذلك، فإن القراءة الواقعية للمعطيات الميدانية والاستراتيجية لا ترجّح، حتى اللحظة، إقدام الولايات المتحدة على شن عملية عسكرية شاملة ضد إيران. لكن الواقعية وحدها لا تكفي في تحليل قرار تحكمه شخصية مغرورة نزقة، إذ يبقى هامش الحماقة قائما، خاصة في ظل غرور دونالد ترامب وغطرسته، ما قد يدفعه نحو عملية عسكرية محدودة أو هجوم سيبراني، أو كلاهما معا، ليس بدافع الضرورة الاستراتيجية، بل لإرضاء نزعة ذاتية وتوفير مظلة حماية للكيان الصهيوني من أي رد إيراني واسع ومؤلم.
فالولايات المتحدة تدرك جيدا أن أي مغامرة عسكرية مباشرة ستفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية واسعة قد تطال مصالحها وقواعدها المنتشرة في المنطقة، وهو ما يجعل كلفة الحرب مرتفعة وغير مضمونة النتائج، هذا الإدراك شكل خلال السنوات الماضية عامل كبح حقيقي للاندفاع الأمريكي، ودفع واشنطن إلى تفضيل أدوات الضغط غير المباشر، من عقوبات وحروب نفسية وعمليات استخباراتية.
غير أن الخطورة تكمن في أن هذا المنطق قد لا يصمد طويلا أمام مجموعة من العوامل الضاغطة التي قد تدفع صانع القرار الأمريكي، وخصوصا في عهد إدارة تتسم بالاندفاع الشخصي والمقامرة السياسية والغطرسة والبلطجة، إلى ارتكاب حماقة استراتيجية، فالبعد العقائدي المرتبط بالكيان الصهيوني والذي يتجاوز الحسابات التقليدية للمصلحة يظل حاضرا بقوة في العقل السياسي الأمريكي، ويشكل عنصر ضغط دائم باتجاه التصعيد ضد إيران.
إلى جانب ذلك، تواجه الولايات المتحدة سباقا متسارعا مع الزمن على أكثر من مستوى أبرزها تراجع الدور الاقتصادي للدولار، وتنامي القوة الصينية، وتآكل الهيمنة الأمريكية التقليدية على النظام الدولي.
هذه التحولات قد تدفع واشنطن إلى البحث عن استعراض قوة يعيد فرض الهيبة ويبعث برسائل ردع إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، حتى وإن كان ذلك عبر مغامرة عسكرية.
المفارقة هنا أن كثيرا من العوامل التي تستخدم عادة لاستبعاد خيار الحرب قد تنقلب إلى دوافع لها، فإفشال إيران لعمليات إرهابية وضربها لشبكات التخريب الداخلية، بدل أن يكون عامل ردع، قد يفسر أمريكيا كإهانة تستوجب التعويض.كما أن الإخفاق الأمريكي في ملفات خارجية أخرى، مثل فنزويلا، قد يدفع الإدارة الأمريكية للبحث عن إنجاز سريع يعوّض حالة التراجع ويخفف الضغط الداخلي، خاصة في ظل الانقسامات السياسية الحادة داخل الولايات المتحدة حول قضايا الهجرة، والكيان الصهيوني، والسياسة الخارجية.
كذلك فإن تنامي التحدي الدولي للهيمنة الأمريكية، سواء عبر الخروج التدريجي من التعامل بالدولار أو عبر بناء توازنات اقتصادية وأمنية بديلة، قد يتحول من عامل كبح إلى دافع لعمل عسكري “رادع” في نظر صانع القرار الأمريكي، يهدف إلى كسر هذا المسار وإعادة ضبط التوازن الدولي بالقوة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن عدم تجاوب بعض دول المنطقة مع مشاريع التصعيد ضد إيران قد يفسر في واشنطن كفشل يستوجب تصحيح المسار بالقوة، وفرض الانخراط الإقليمي في المشروع الأمريكي.
حتى العقوبات الاقتصادية، التي شكّلت طويلا بديلا عن الحرب، قد تتحول إلى مجرد تمهيد لعمل عسكري يستغل فيه ما يعتبر “لحظة سياسية مناسبة”.وتزداد المفارقة وضوحا حين ننظر إلى الجاهزية الإيرانية العالية واستنفارها الشامل، فهذه الجاهزية، التي يفترض أن تردع أي هجوم، قد تغري واشنطن بتنفيذ ضربة محدودة أو رمزية، خصوصا إن توفرت اختراقات استخباراتية لأهداف نوعية، بهدف استعادة “التوازن المعنوي” دون الانجرار إلى حرب شاملة.
حتى الدعم الشعبي الإيراني الواسع للنظام، والذي يمنحه قدرة أكبر على الصمود، قد ينظر إليه أمريكيا كعقبة يجب كسرها عبر استهداف معنوي أو عسكري يهدف إلى إضعاف التلاحم الداخلي وتغيير المزاج النفسي العام.
وفي السياق نفسه، فإن حالة الغليان المعنوي والضغط الاقتصادي داخل إيران قد تستغل كفرصة للتأثير، بدل أن تكون سببا للتريث. ولا يمكن إغفال أن عمليات الترميم والتطوير التي تشهدها القدرات العسكرية الإيرانية بعد المواجهات السابقة، قد تدفع واشنطن للتفكير بضربة استباقية قبل أن تتحول هذه القدرات إلى معادلة ردع أكثر صلابة. كما أن تعطيل أدوات الاتصال والتقنيات خلال العمليات التخريبية الأخيرة، وما كشفه ذلك من تطور إيراني، قد يدفع إلى محاولة تعويض الفشل بعمل أكثر مباشرة.
وفي حال وقعت الحرب أو أقدمت الولايات المتحدة على عدوان عسكري ضد إيران، فإن معادلة المواجهة لن تكون بالضرورة في صالح واشنطن، بل إن خوض الجمهورية الإسلامية حربا مباشرة مع الولايات المتحدة قد يكون، من حيث الحسابات الميدانية، أقل تعقيدا عليها من مواجهة منفردة مع الكيان الصهيوني فقط، إذ تمتلك إيران في هذه الحالة هامش مناورة أوسع وخيارات رد متعددة. فإيران لن تكتفي بالرد على الكيان الصهيوني فقط، بل ستستهدف في الوقت نفسه القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وهو ما يشكّل عبئا ثقيلا لا تظهر التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة قادرة على تحمله طويلا. فبينما يتعامل الكيان الصهيوني مع الضربات من منطلق تهديد وجودي قد يدفعه ربما إلى الصمود مهما بلغت الكلفة، فإن الولايات المتحدة لا تخوض حروبها بهذه الذهنية، ولا تحتمل نزيفا مفتوحا في مناطق بعيدة عن أراضيها.
كما أن القرب الجغرافي للمصالح والقواعد الأمريكية من إيران يجعل مستوى التأثير والتهديد الإيراني أعلى بكثير، ويمنح طهران قدرة فورية على إلحاق أضرار مباشرة ومؤلمة، بما يخلّ بالتوازن العسكري ويقيّد حرية الحركة الأمريكية. وإلى جانب ذلك، فإن أي ضربة واسعة لإيران ستعيد المشهد تلقائيا إلى اشتباك شامل تشارك فيه ساحات المقاومة كافة، ما يحول المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، ستكون نتائجها وبالا على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معا. ويضاف إلى ذلك البعد المعنوي والعقائدي، حيث تمتلك إيران تأثيرا روحيا وفكريا واسعا في المنطقة وخارجها وهو تأثير من شأنه تعقيد المشهد إلى مستويات تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، وتفتح ساحات ضغط لم تكن في حسبان صانع القرار الأمريكي، لا من حيث الامتداد ولا من حيث طبيعة التفاعل الشعبي والعقائدي مع أي عدوان.
في المحصلة، المنطقة تقف على حافة تحولات خطيرة، حيث قد تتحول عوامل الردع نفسها إلى محفزات للتصعيد. وبين العقلانية الاستراتيجية واحتمالات الحماقة السياسية، يبقى المشهد مفتوحا على كل السيناريوهات، في سنة لن تكون عادية بأي حال من الأحوال. ورغم كل هذه التعقيدات والاحتمالات المفتوحة، يبقى النصر في النهاية حليف المؤمنين، وما النصر إلا من عند الله.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






