الثورة اللبنانية تعيد السينما إلى ساحات طرابلس

39

بتوقيت بيروت اخبار لبنان و العالم

إلى ساحة الانتفاضة في طرابلس، ضيفٌ جديد تسلل بين الناس. إنها السينما البديلة التي تُحاكي الواقع المُعاش وتعلن انتصار القوة الناعمة. ففي الأيام القليلة الماضية، بدأت مجموعة من المتطوعين تنظيم عروض تفاعلية لعدد من الأفلام الوثائقية والتأريخية في الفضاء المفتوح. وأسهمت هذه المبادرة في إعادة الحياة إلى المساحات الخضراء في الشوارع، وجعلها تتفاعل مع محيطها وناسها، وفتحت الباب أمام مزيد من التجارب منخفضة الكلفة ذات العائد المرتفع على صعيد الصورة العامة للانتفاضة.
الثورة
بسرعة، بدأت مجموعة من الناشطين تجهيز إحدى المساحات الخضراء المحاذية لساحة النور لتحويلها إلى “سينما الثورة التي تعرض أفلاماً من وحي المناسبة”. وتحوّلت هذه المساحة إلى فرصة لبعض المواهب لتحويل مشاريع تخرجهم من النطاق النظري إلى أرض الواقع، بالتعاون مع زملاء لهم من أصحاب الخبرة. وأعادت هذه الفعاليات إحياء الزمن الجميل للسينما في طرابلس، ففي عاصمة الشمال كان هناك قرابة 45 صالة سينما عاملة، دخل أكثرها مرحلة التقاعد المبكر.
يلفت المهندس زكريا حامد إلى أن السينما تعني الوضوح في الرؤية، وكان من الضروري استحضار سينما الفضاء المفتوح إلى الساحة، كونها من المفاهيم المستجدة في لبنان، وصُمّمت لتلائم جو الانتفاضة، وقد أوصلت إليها الكهرباء للإنارة، وحُدّدت المسارات بواسطة الشمع، وحوِّل بعض ألواح الخشب إلى مقاعد للحاضرين بعدما غُطِّيت بقطع الإسفنج التي أحضرها الشبان والشابات من بيوتهم. وخلال الليل، يشعل الشبان النار في دلو حديدي، ويعزفون ويغنّون، ما يُعطي الحاضرين شعوراً بأنهم في رحلة برية، ويجعلهم يتفاعلون مع الأفلام المعروضة التي بدأت مع “Winter onfire”.
يؤكد الشبان أن كلاً منهم أسهم على قدر خبراته الفنية وإمكاناته العملية. ويلفت الناشط بركات أبو ضاهر إلى “أن كل شخص قدّم بحجم قدراته ولم يبخل أحد لإنجاح الفكرة. هناك رفاق قدّموا خبراتهم الفنية التي راكموها خلال مشاركاتهم في مهرجانات الأفلام الدولية. وهناك آخرون وضعوا في عهدة المبادرة ما يملكون من تجهيزات تقنية، خصوصاً (البروجكتر) وشاشة العرض والتجهيزات الصوتية”. ويكشف أبو ضاهر أن هناك اقتراحاً يناقشه الناشطون لجمع التبرعات من أجل غايات إنسانية، موضحاً أن الشباب المتعاونين في حالة تشاور مستمر لتشارك الأفكار وتطويرها.
وفتحت انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) فرصة أمام الأفلام الوثائقية لتحريك وعي المواطنين اللبنانيين. ويجزم الناشطون أن الوقت حان لكسر الحدود بين الناس والأفلام. ولا يتأخر الناشط رامي بريش بالتأكيد أن “الناس تنجذب إلى كل ما يشبع حاجاتها الآنية والمعنوية، والسينما فتحت الباب أمام المشاركين لاقتراح الأفلام الوثائقية التي يودون متابعتها عبر الكتابة على اللوح”.
وأسهمت السوشيال ميديا في الترويج لهذه السينما الثورية وتسهيل بعض خطواتها. ويلفت زكريا حامد إلى أن أحد الناشطين المصريين ساعدهم في الحصول على فيلم “الميدان” لعرضه في “سينما الثورة”، وهو فيلم توقف عرضه على المنصات العالمية.
“عصفوري” في قلب العروض التفاعلية
لم تحُل برودة الطقس دون بقاء الناس في الشارع، لأنه لا يمكن لأحد من الشباب مقاومة تأثير الشاشة الماسية. مساء الأحد، حضر إلى زاوية “ساحة ومساحة” عدد كبير من الناس لحضور فيلم “عصفوري”، وهو ما كرّس التعاون بين مكونات ساحة الانتفاضة.

اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشاهدون الذين احتشدوا في الساحة تفاعلوا مع أحداث الفيلم الذي يؤرخ للحرب الأهلية اللبنانية.
ينطلق مخرج الفيلم من مبنى تراثي قديم عايش مرحلة الحرب وما بعدها من عملية إعادة الإعمار والسلام وتغيير السكان. وهو يعالج نموذج التعايش داخل المجتمع التعددي، وصولاً إلى حالة الجدل البيزنطي في البلد المنقسم على ذاته.
ويعتبر المخرج فؤاد عليوان أن فيلمه صورة مصغرة عن البلد، وهو ينتمي إلى مدرسة “السينما اللبنانية المستقلة”، وانطلق من جهد شخصي ليعالج قضية وطن. ويؤكد عليوان أن هذه النوعية من الأفلام لا يمر عليها الزمن، فهو أنتج وصوّر هذا الفيلم في عام 2013، وبعد 7 سنوات ما زال يُحاكي الواقع القائم، ويبقى صالحاً بعد 20 سنة لأنه يوثق مرحلة من حياة وطن.
يعتبر فيلم “عصفوري” نموذجاً من الأفلام التي تؤرخ للاجتماع اللبناني، فهو يتطرق إلى ثلاثة أجيال عايشت الصراعات اللبنانية. ووفق المخرج عليوان، كان الفيلم طريقاً لتعريف فئة من الشبان الذين لم يُعايشوا الحرب الأهلية على تاريخ أهلهم.
يكتسب عرض “عصفوري” في طرابلس بُعداً جديداً في هذه المرحلة، ويعبّر عليوان عن فخره بهذه المشاركة في “عروس الثورات”، طرابلس. وهو لم يتردد في قبول عرض فيلمه في الهواء الطرابلسي الطلق، لأنها مدينة تحملت كثيراً من الأعباء بسبب الحرب والوجود السوري وتقصير الدولة.
وفي ظل تحريض البعض ضد المنتفضين وتحميلهم مسؤولية الفوضى، يرفض عليوان هذا الطرح لأن حروبا عدة وقعت في لبنان بسبب عدم خروج الناس إلى الشارع، لافتاً إلى أنه “لا يمكن لأحد الانتصار على الشعب، والنزول إلى الشارع كان ضرورة لأننا وصلنا إلى (مرحلة الكوما)”.


اقرأ الخبر كاملاً من المصدر
المقال نشر عبر خدمة تلقائية و ادارة الموقع لا تتبنى المحتوى

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

التعليقات مغلقة.