صحافة

السيادة في مواجهة منطق القوة الأميركية

بتوقيت بيروت — السيادة في مواجهة منطق القوة الأميركية

في فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، نفّذت الولايات المتحدة الأميركية عمليةً عسكرية غير مسبوقة انتهكت خلالها سيادة فنزويلا، وأسفرت عن اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من مقر إقامتهما في العاصمة كاراكاس، قبل نقلهما قسرًا إلى مدينة نيويورك وعرضهما أمام محكمة فدرالية أميركية. وقد وُجِّهت إلى مادورو وزوجته تهم تتعلق بتهريب المخدرات ومزاعم أخرى، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات الدولية والمحلية، بسبب افتقارها إلى أي أساس قانوني، وكونها تمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة.

جاءت هذه العملية في سياق تصعيد أميركي طويل الأمد ضد فنزويلا، رافقته تهديدات متكررة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتنفيذ عمليات مشابهة ضد دول أخرى، ما عزز المخاوف من تحوّل هذا السلوك إلى نهج دائم في السياسة الخارجية الأميركية. وتتهم واشنطن مادورو بإدارة “حكومة فاسدة وغير شرعية” تشرف، بحسب ادعائها، على شبكات “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” وتصدير الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وهي اتهامات دأب الرئيس الفنزويلي على نفيها، معتبرًا أنها مجرد ذريعة تستخدمها واشنطن للإطاحة بنظامه والسيطرة على ثروات بلاده النفطية.

ومنذ أيلول/سبتمبر 2025، شددت الولايات المتحدة ضغوطها على فنزويلا عبر فرض حصار بحري وجوي شامل، وتنفيذ عشرات الغارات الجوية في منطقة البحر الكاريبي بزعم استهداف قوارب تُستخدم في تهريب المخدرات، وهو ما أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص. كما صادرت واشنطن ناقلات نفط تحمل شحنات فنزويلية، في إطار سياسة خنق اقتصادي هدفت إلى شلّ قطاع الطاقة، العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي. وفي موازاة ذلك، كرر ترامب مطالبه العلنية لمادورو بـ”الاستسلام” والتنحي عن السلطة وتسليم إدارة قطاع النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، في خطاب يعكس منطق الهيمنة لا منطق القانون الدولي.

تستند الذرائع الأميركية، في ظاهرها، إلى اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات والفساد، وهي اتهامات سبق لوزارة العدل الأميركية أن روّجت لها خلال الولاية الأولى لترامب، حين زعمت أن مادورو حوّل الدولة إلى “منظمة إجرامية”. غير أن هذه الذرائع تبدو واهية عند مقارنتها بالوقائع، إذ إن الجزء الأكبر من المخدرات التي تدخل الولايات المتحدة يأتي عبر المكسيك، لا عبر فنزويلا، ما يجعل “الحرب على المخدرات” غطاءً سياسيًا لسياسات أعمق.

في العمق، يرتبط التدخل الأميركي برغبة واضحة في السيطرة على الثروات النفطية الفنزويلية، وهي الأكبر عالميًا، إذ يقدَّر احتياطي البلاد بنحو 300 مليار برميل. ولم يُخفِ ترامب يومًا اعتقاده بأن هذا النفط “سُرق” من الولايات المتحدة، في إشارة إلى قرار فنزويلا تأميم قطاع النفط في سبعينيات القرن الماضي وإنهاء سيطرة الشركات الأميركية عليه. وبينما ترى واشنطن في هذا القرار “مصادرة غير شرعية”، تعتبره فنزويلا استعادةً لسيادتها الاقتصادية ووقفًا لنهب مواردها الوطنية، أسوةً بدول نفطية أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ورغم ضخامة الاحتياطي، لا يتجاوز إنتاج فنزويلا اليوم نحو 900 ألف برميل يوميًا، نتيجة العقوبات الأميركية التي عطلت البنية التحتية ومنعت الاستثمارات والتكنولوجيا اللازمة للتطوير. كما أن طبيعة النفط الفنزويلي الثقيلة تجعل تكريره مكلفًا، ما يضاعف التحديات. ومع ذلك، تسعى واشنطن إلى إعادة إدخال شركاتها الكبرى، وفي مقدمتها “شيفرون”، للهيمنة على هذا القطاع، في ممارسة تعيد إلى الأذهان أنماطًا استعمارية اعتُقد أنها طُويت مع الزمن.

إلى جانب البعد الاقتصادي، تحضر الحسابات الجيوسياسية بقوة في السلوك الأميركي. ففي استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، أعلنت إدارة ترامب عزمها إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، في استعادة صريحة لروح مبدأ مونرو الذي يعتبر أميركا اللاتينية “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة. وقد أطلق ترامب على هذا النهج تسمية “مبدأ دونرو”، جامعًا بين اسمه واسم الرئيس الأسبق مونرو، في تعبير واضح عن نزعة توسعية جديدة.

وفي هذا السياق، تُعدّ علاقة فنزويلا الوثيقة مع الصين أحد أهم دوافع التدخل الأميركي، ولا سيما بعد توقيع البلدين اتفاق “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” وتعاظم الاستثمارات الصينية في قطاع النفط الفنزويلي. وقد شكّل اختطاف مادورو، بعد ساعات من استقباله مبعوثًا صينيًا رفيع المستوى، ضربة سياسية لبكين، التي اكتفت بالتنديد بالعملية ورفض تصرف الولايات المتحدة بوصفها “شرطي العالم”.

أما في مرحلة “ما بعد مادورو”، فلا يبدو أن لدى واشنطن تصورًا متكاملًا لإدارة الوضع في فنزويلا، ما يضعها أمام معضلة تاريخية لطالما رافقت تدخلاتها العسكرية، والمتمثلة في الفشل بتحويل النجاحات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستقرة. ورغم إعلان ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة انتقالية” للبلاد، فإن هذه التصريحات أعادت إلى الأذهان تجارب فاشلة في فيتنام والعراق وأفغانستان. وتحاول الإدارة الأميركية، في المقابل، الإبقاء على بنية النظام الفنزويلي الأساسية مع ممارسة ضغوط قصوى لإخضاعه، بدلًا من تفكيكه بالكامل.

في المحصّلة، لا تكمن خطورة قرار إدارة ترامب باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته في كونه انتهاكًا صارخًا لسيادة دولة مستقلّة جرى تنفيذه خارج أي تفويض من مجلس الأمن، ولا في ادّعاء الولايات المتحدة حقّ مصادرة تلك السيادة لمصلحتها فحسب، بل في ما يحمله هذا السلوك من دلالة أخطر تتمثّل في تكريس سابقة سياسية وأمنية قد تفتح الباب أمام اعتداءات أميركية لاحقة تطال دولًا ذات سيادة في أميركا اللاتينية أو خارجها. فهذه المقاربة، القائمة على منطق القوّة العارية والمتجاهلة للقواعد والمواثيق الدولية، لا تهدّد دولة بعينها، بل تضرب في العمق الأسس التي قام عليها النظام الدولي المعاصر، وهي أسس لم تتشكّل إلا بعد قرون طويلة من الحروب والصراعات والمآسي الإنسانية.

وإلى جانب ذلك، تكشف سياسات ترامب عن نزعة توسّعية لا تفرّق بين خصم وحليف، ولا تقيم وزنًا للتحالفات التقليدية أو الالتزامات الدولية. ففي سياق واحد، هدّد إيران بـ”ضربة قوية جدًا” بذريعة أحداث داخلية، ثم انتقل إلى طرح فكرة انتزاع السيطرة على جزيرة غرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، الدولة العضو المؤسس في حلف شمال الأطلسي. هذا السلوك يعكس ذهنية سياسية ترى العالم ساحة مفتوحة للمصالح الأميركية، وتتعامل مع السيادة الوطنية بوصفها عائقًا يمكن تجاوزه متى اقتضت الحاجة.

ومن هنا يمكن فهم، على الرغم من الصمت الدولي الواسع ونفاق المواقف الأوروبية الرسمية، أسباب اعتراض بعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وإسبانيا، على العدوان الأميركي ضد فنزويلا. فهذه الدول لا تتحرّك بدافع مبدئي خالص، بقدر ما تتحرّك انطلاقًا من خشيتها من أن تؤدي سياسات إدارة ترامب إلى إضفاء شرعية عملية على سلوك مماثل من جانب قوى دولية أخرى، كروسيا أو الصين، في ملفات حساسة مثل أوكرانيا أو تايوان. ومع تعميم منطق القوة هذا، قد تجد دول أخرى نفسها مدفوعة إلى انتهاج الأسلوب ذاته، ما ينذر بانزلاق النظام الدولي نحو حالة من الفوضى الشاملة، إذا لم تتكاتف الدول لوضع حدّ لهذه السياسات وكبح منطق الهيمنة القائم على فرض الأمر الواقع بالقوة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى