المحادثات مع سوريا لن تُفضي إلى نتيجة ملموسة

بتوقيت بيروت — المحادثات مع سوريا لن تُفضي إلى نتيجة ملموسة
يستنتج رون بن يشاي في هذا المقال، الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، بأنه لا يوجد ما يُلزم الكيان المؤقت الآن بالإسراع لتوقيع حتى اتفاق أمني، أو أي اتفاق مع أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” لأنه لم يتضح بعد ما إذا الأخير بات مختلفًا حقًا عن الجولاني الذي قاد تنظيم “جبهة النصرة” الإرهابي حتى وقت غير بعيد. ولأن الجولاني لا يسيطر فعليًا على كامل الأراضي السورية، وحكمه غير مستقر. فهو لا يسيطر على أكثر من 60% من مساحة سوريا، ويواجه صعوبة حتى في فرض سلطته على مجموعات مليشياوية تندرج ضمن “هيئة تحرير الشام”. لذلك يرى بن يشاي أن من مصلحة إسرائيل إبقاء جيشها على “انتشاره الحالي” في منطقة جنوبي سوريا. ويستدل على عدم رغبة نتنياهو بحصول أي اتفاق، من خلال ارساله وفود منخفضة المستوى بدون صلاحيات تقريرية (جاهزة للأخذ من الجولاني دون إعطائه أي شيء).
النص المترجم:
ظاهريًا، لا يوجد ما يُلزم إسرائيل الآن بالإسراع إلى اتفاق أمني، أو إلى أي اتفاق أساسًا، مع سوريا بقيادة أحمد الشرع (المعروف لدينا بلقبه الجهادي “أبو محمد الجولاني”). أولًا، لأنه لم يتضح بعد ما إذا كان الشرع – الرجل الذي يرتدي بدلة والذي نال رشّة عطر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب – مختلفًا حقًا عن الجولاني الذي قاد تنظيم “جبهة النصرة” الإرهابي حتى وقت غير بعيد.
ثانيًا، لأنه لا يسيطر فعليًا على كامل الأراضي السورية، وحكمه غير مستقر. فهو لا يسيطر على أكثر من 60% من مساحة سوريا، ويواجه صعوبة حتى في فرض سلطته على مجموعات مليشياوية جهادية متطرفة تندرج ضمن “هيئة تحرير الشام”، التنظيم الجامع الذي يترأسه. هذه المليشيات غير راضية عن “الإسلام المعتدل” الذي يحاول الشرع فرضه في سوريا، ولا عن السياسة الموالية للغرب التي ينتهجها.
لذلك، وفي الوضع الراهن، لدى إسرائيل مصلحة واضحة في إبقاء الجيش الإسرائيلي على انتشاره الحالي في منطقة العازل، والذي يقوم أساسًا على 9 مواقع متقدمة داخل أراضٍ سورية ذات سيادة (ليس في عمق كبير، بضعة كيلومترات فقط). تتمركز هذه المواقع أساسًا في شمال القطاع عند جبل الشيخ، وفي جنوبه في منطقة مثلث الحدود بين إسرائيل وسوريا والأردن.
إلى جانب ذلك، يُقام حزام إضافي من المواقع داخل أراضينا، بحيث تمنح هذه الجاهزية إسرائيل قدرة مثالية على السيطرة بالنظر والنار، وعلى المتابعة الاستخبارية والتكنولوجية، ليس فقط لما يجري في حوض دمشق وشماله، بل أيضًا في الزاوية الشمالية الشرقية من لبنان المتاخمة للحدود مع سوريا، حيث ينشط حزب الله وتنظيمات فلسطينية. كما تُقيم إسرائيل حاليًا عائقًا عميقًا ضد المركبات وضد الأفراد، يمكنه أن يعرقل بشكل كبير أي هجوم مباغت من الجولان، على غرار ما تعرضت له مستوطنات غلاف غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر.
كل ذلك يردع ويوفر قدرًا من الحماية لمستوطنات الجولان، ولا يقل أهمية عن ذلك أنه يشكّل ورقة تفاوض في أي مفاوضات مع النظام في سوريا، الذي يرغب بشدة في إزالة هذه المواقع من أراضيه ذات السيادة.
هذا الوضع، كما ذُكر، مريح لإسرائيل، لكن الرئيس ترامب معني بالدفع نحو مفاوضات وتسوية دائمة، أو على الأقل تسوية أمنية، بين إسرائيل وسوريا. السبب الأول هو أن ذلك يخدم خطته للاستقرار والتهدئة والسلام في الشرق الأوسط، وهو ملف مهم جدًا بالنسبة له، جزئيًا بسبب رغبته في اعتراف دولي ونيل جائزة نوبل للسلام.
السبب الثاني هو أن لدى ترامب مصلحة في تلبية مطالب السعودية وقطر والإمارات، وبصورة خاصة تركيا. فهذه الدول معنية بإعادة إعمار سوريا لدوافع اقتصادية ودينية (سنّية). كما يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوريا مجال نفوذ خاصًا به، يحق له أن يفرض فيه سياساته، وأن تجني فيه الشركات التركية العاملة في إعادة الإعمار المدني، وكذلك جيشه الذي سيسهم في إعادة بناء الجيش السوري، مليارات الدولارات من التمويل القادم من السعودية وقطر والإمارات.
من هنا، فإن لهذه الدول الثلاث، ولا سيما تركيا، مصلحة في أن تعترف الولايات المتحدة بحكم الشرع وأن تساعده على ترسيخ سلطته على كامل سوريا، بما يخدم مصالحها. ففي تركيا مثلًا، يرتبط الأمر أيضًا بإمكانية أن يفرض الشرع سلطته على الأكراد السوريين، الذين تراهم أنقرة تهديدًا.
في الوضع الراهن، وبعد لقاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع الرئيس ترامب في مارالاغو، وبعد العملية الأميركية في فنزويلا، لا مصلحة لإسرائيل في الدخول في مواجهة مع ترامب، بل في الذهاب نحوه، حتى وإن لم يكن لديها مصلحة فورية أو ملحّة في تسوية مع سوريا، ولا سيما في ضوء المطالب السورية التي تسعى إلى تقييد حرية حركة إسرائيل في الجولان.
ممثلون إسرائيليون من مستوى منخفض
أرسل نتنياهو إلى المفاوضات في باريس ممثلين من مستوى منخفض نسبيًا، مقارنة بالممثلين الذين أرسلهم حاكم سوريا – وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات – وبالمقارنة مع الممثلين الأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك، ومبعوثا ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. الممثلون الإسرائيليون غير مخوّلين باتخاذ قرارات جوهرية، بل يقتصر دورهم على الاستماع إلى المواقف الأميركية والسورية ونقلها إلى نتنياهو.
هذا الفارق ينعكس أيضًا في التقارير حول لقاء باريس: فمصادر أميركية تحدثت إلى الصحافيين عن آلية تنسيق لإعادة الإعمار في الأردن، وأن 90% من القضايا قد جرى الاتفاق عليها. في المقابل، يقتصر بيان رئيس الحكومة الإسرائيلية على الحديث عن ضرورة مفاوضات لتثبيت الوضع في سوريا، وتلبية المتطلبات الأمنية لإسرائيل، والالتزام بمطالب الرئيس ترامب. ولا تتضمن رسالة مكتب رئيس الحكومة أي خطوات عملية.
لفهم ما يجري فعليًا في المفاوضات وما المتوقع أن يحدث بين إسرائيل وسوريا، بل وبين إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، لا بد من فحص خريطة المصالح. ويمكن تلخيص المصلحة الإسرائيلية الحيوية بجملة واحدة: تريد إسرائيل الحفاظ على إنجازاتها في حرب “السيوف الحديدية” على الساحة السورية، وتحسين وضع أمنها القومي مقارنة بما كان عليه قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر.
المصلحة الإسرائيلية الأولى والأساسية هي منع إمكانية شن هجوم مباغت من الأراضي السورية باتجاه المستوطنات والمعسكرات والمنشآت العسكرية والبنى التحتية في الجولان. ففي سوريا تنشط جهات جهادية قريبة من “داعش”، وجهات شيعية مقرّبة من إيران تمتلك مركبات، ويمكنها، مع تعزيز من مليشيات شيعية عراقية ومن الحوثيين، تنفيذ هجوم مباغت كهذا خلال ساعات.
المطلب الثاني هو منع تمركز جهات معادية مسلحة ضمن مدى نيران مباشرة – قذائف هاون، صواريخ مضادة للدروع، صواريخ قصيرة المدى، مسيّرات وطائرات دون طيار – وإبعادها عن مستوطنات الجولان ومحاور الحركة. ففي جنوب الجولان توجد قواعد لـ”داعش” سبق أن أطلقت النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وإذا تُركت لتتطور دون عرقلة فقد تشكل خطرًا على المستوطنات.
المصلحة الثالثة هي منع نقل السلاح والذخائر ومواد الخام ووسائل تصنيع الأسلحة إلى حزب الله في لبنان. فرغم جهود النظام السوري ونشاط الجيش اللبناني، لا تزال عمليات تهريب من إيران عبر العراق إلى البادية السورية ومنها إلى حزب الله قائمة، وإن بحجم أقل. وتعاظم قوة حزب الله يشكل تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا.
مصلحة استراتيجية إضافية تتمثل في منع وجود عسكري تركي في جنوب سوريا، قد يقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا والأردن وما بعدهما. وقد أُحبطت بالفعل محاولة تركية لنشر وسائل كشف وبطاريات دفاع جوي في قاعدة T4 السورية قبل تنفيذها، بعدما رسمت إسرائيل “خطًا أحمر” لأنقرة.
إلى جانب ذلك، هناك التزام إسرائيلي بحماية السكان الدروز، ولا سيما في منطقة السويداء (جبل الدروز)، في حال وجود تهديد حقيقي لأرواحهم وكرامتهم. كما أن من الواضح أنه على المدى البعيد لإسرائيل مصلحة أمنية في تجنب صدام طويل مع النظام السوري، قد يتطور إلى احتكاك مع الولايات المتحدة.
ومن هذه المصالح تنبثق المطالب الإسرائيلية التالية: نزع سلاح جنوب سوريا بين دمشق والحدود الأردنية، أي منع دخول مجموعات مسلحة وسلاح ثقيل ومركبات رباعية الدفع إلى المنطقة القريبة من الحدود الإسرائيلية، حتى مسافة عشرات الكيلومترات شرق “الخط البنفسجي” في الجولان؛ تقييد قوات الأمن السورية بالسلاح الخفيف فقط؛ ومنح إسرائيل حق العمل لإحباط التهديدات والانتهاكات.
أما المواقع المتقدمة داخل الأراضي السورية – اثنان منها في جبل الشيخ وواحد على الأقل في منطقة مثلث الحدود جنوب الجولان – فهي حيوية للسيطرة الاستخبارية والإنذار المبكر والاستجابة السريعة، في مواجهة حزب الله، والتنظيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا، وتنظيم “داعش”.
لا مطلب بالانسحاب من الجولان
في المقابل، يطالب الشرع إسرائيل بالانسحاب من المنطقة العازلة والعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، ليتمكن من الادعاء بأنه ليس متعاونًا مع “الاحتلال الإسرائيلي”، وأنه أعاد إلى السيادة السورية أراضي كانت تحت السيطرة الإسرائيلية. ومن المهم الإشارة إلى أن الشرع لا يطالب – حتى الآن – بانسحاب إسرائيلي من الجولان نفسه، ولا بأن “يبلل قدميه في بحيرة طبريا”، كما كان يطالب حكام عائلة الأسد.
لكن إسرائيل ترفض أيضًا مطلب العودة إلى خطوط فصل القوات من القرن الماضي، بحجة أنها لا توفر جوابًا على تهديدات الهجمات المباغتة التي ظهرت في الساحة، ولا على وسائل القتال الجديدة لدى جيوش الإرهاب والمليشيات، التي تطورت وأصبحت أكثر فتكًا ودقة منذ توقيع اتفاق فصل القوات في نهاية حرب تشرين 1974. كما يعلم الشرع أن دول الخليج لن تستثمر سنتًا واحدًا في إعادة إعمار سوريا ما لم يفرض سيطرته على كامل أراضيها، وما دامت البلاد تفتقر إلى استقرار حكومي فعلي.
وبالطبع هناك المصلحة الأميركية، التي يمكن تلخيصها بجملة قصيرة: ترامب معني بإرضاء السعودية وقطر وتركيا، ولا يهمه كثيرًا أن يتم ذلك على حساب هوامش الأمان الواسعة التي تطالب بها إسرائيل في الجولان.
في باريس، اقترح الأميركيون (عبر سفيرهم لدى تركيا براك) إقامة لجنة تنسيق لمنع الاحتكاك (التفكك على غرار الآلية التي عملت مع روسيا) مقرها الأردن، وتضم ممثلين عن إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة) ومن خلالها، على سبيل المثال، تنقل إسرائيل إنذارًا استخباريًا، ويتولى النظام السوري إحباط التهديد. كما يفترض باللجنة أن تتيح حوارًا مدنيًا حول قضايا إعادة الإعمار والبنى التحتية والتجارة، على أن يتوسع هذا الحوار إلى قضايا سياسية وغيرها عندما تحين ساعة الحديث عن السلام. وفي الوقت الراهن، يتفق الطرفان على بحث اتفاق أمني فقط.
غير أنه، من وجهة نظر إسرائيل، لا يمكن حتى بحث تفاصيل تطبيق الاتفاق الأمني ما لم تُلبَّ المطالب الأساسية للقدس: نزع سلاح جنوبي سوريا، حق العمل الإسرائيلي داخل الأراضي السورية لإحباط التهديدات، ومنع وجود تركي يقيّد حرية عمل سلاح الجو ويشكّل تهديدًا للجولان الإسرائيلي. وطالما لم تُحسم هذه المبادئ (إلا إذا وافقت إسرائيل على التنازل)، فلن تُفضي المحادثات إلى نتيجة حقيقية. أما إذا جرى الاتفاق عليها، فيمكن تنفيذ الاتفاق بسرعة، وستكون إسرائيل قادرة على سحب جزء من المواقع المتقدمة في وسط الجولان.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






