صحافة

المقاومة مصلحة وطنية والتفريط بها خيانة

بتوقيت بيروت — المقاومة مصلحة وطنية والتفريط بها خيانة

لم يكن العماد جوزاف عون يوماً، خيار ومرشح المقاومة في لبنان لرئاسة الجمهورية، بل كان انتخابه شرطاً أمريكياً وسعودياً لوقف الحرب الإسرائيلية على البلاد، طرحه المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين مع اتفاق وقف إطلاق النار، ولم يتم القبول به إلا بعد تقديم ضمانات منه للثنائي قبل الانتخاب، فضلاً عن رغبة مرشح المقاومة الأساسي في ذلك، أي الوزير السابق سليمان فرنجية.

وعليه، وبعد مواقف الرئيس عون الأخيرة في خطاب له أمام السلك الدبلوماسي وممثّلي المنظمات الدولية في القصر الجمهوري، أم في المقابلة التلفزيونية التي أجراها بعد حلول سنة على انتخابه، كل ذلك يثبت بما لا يدعو للشكّ، أن الأسباب التي لم تجعله مرشحاً طبيعياً للرئاسة لدى المقاومة من قبل، كانت محقة ومحقة جداً.

فالمقاومة – كانت ولا تزال – تريد رئيساً وطنياً، لا يطعن ظهرها وتكون سياساته نابعة من المصالح اللبنانية فضلاً عن المنطق والتجارب الواقعية، لا من الأجندات الشخصية له والتي تتقاطع مع الأجندات الخارجية.

السيادة والأمن لا يتجزأن

من خلال استعراض نص الخطاب، يمكن ملاحظة العديد من النقاط والأمور التي تتعارض مع موقعية الرئاسة، التي يفترض ان تكون في موقع الحكم لا طرفا داخليا في القضايا التي يختلف عليها اللبنانيون. لكن أكثر ما يلفت ويهم، هو الخطاب الذي يتعلق بأمن وسيادة لبنان المفقودين بأسباب خارجية لا داخلية إطلاقاً، وهو ما لم بتعرض له خطاب الرئيس عون.

فوفقاً له في عنوان “السيادة والأمن”، استطاع عهده إنجاز الكثير “فليس تفصيلاً ما قررته حكومتنا بين 5 آب و5 أيلول الماضيين، من خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية”، وأن ما تم “في هذا المجال، حققنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً”. فهل بسط الدولة يا فخامة الرئيس خلال السنة الأولى من عهدكم، كان بتدمير أسلحة ومخازن المقاومة من قبل الجيش اللبناني؟

ليست مشكلة المقاومة في تطبيق القرار الدولي 1701، وفي تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار 27/11/2024، من استلام الجيش (المتواجد والمنتشر في كل مناطق الجنوب منذ العام 2000) لمخازن وأسلحة المقاومة. بل المشكلة هي في الرضوخ للقرار الأمريكي بمنع استفادة الجيش من هذه القدرات. وكل التبريرات التي يقولها البعض لعدم استفادة الجيش من هذه الأسلحة هي اعتبارات واهية. وللمفارقة، يكفي أن العدو أي الكيان المؤقت، يعمد الى الاحتفاظ بالأسلحة التي يجدها للمقاومة ويستخدمها لاحقاً بطرق عديدة، ولا يعمد الى اتلافها أو تدميرها!

ولا بدّ من التأكيد أن مقاربة القضايا السيادية والأمنية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الرصاصات التي أُطلقت، ولا تُختزل بمؤشرات الضبط الميداني، بل تُقاس بقدرة الدولة على حماية شعبها وردع الاعتداءات وصون السيادة ومنع فرض الوقائع بالقوة.

إن التفاخر بأن “رصاصة واحدة لم تُطلق من لبنان” لا يمكن فصله عن حقيقة موازية لا يجوز القفز فوقها، وهي أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف يوماً، لا جواً ولا براً ولا بحراً، ولا عبر الاغتيالات ولا عبر الخروقات اليومية للسيادة. ومن هنا، كان من الأجدى – بل من الضروري – أن يتضمّن الخطاب توضيحاً عملياً لكيفية مواجهة هذه الاعتداءات المستمرة:

هل بالاحتجاج الدبلوماسي وحده؟

أم بالرهان على تعهدات دولية ثبت عجزها؟

أم بخطة دفاعية واضحة تحمي لبنان من منطق الاستباحة المفتوحة؟

كذلك، فإن الحديث عن “اتفاق 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2024” واحترامه، يطرح سؤالاً مشروعاً حول إدارة ملف الأسرى اللبنانيين وتحرير الأراضي المحتلة، وهما قضيتان سياديتان لا تقلان أهمية عن ضبط السلاح. فالصمت حيال آليات استعادة الأسرى، أو السبل الواقعية لتحرير ما تبقّى من أرض محتلة، يترك فراغاً سياسياً وأخلاقياً لا يملؤه أي خطاب إنشائي.

أما فيما يتصل بالسيادة، فإنها لا تُنتهك فقط من قبل إسرائيل، بل أيضاً عبر الاعتداءات والضغوط الأمريكية المباشرة وغير المباشرة على القرار الوطني اللبناني، سواء عبر العقوبات، أو فرض الشروط السياسية والأمنية، أو إدارة التوازنات الداخلية بما يخدم مصالح خارجية. وكان من حق اللبنانيين أن يسمعوا كيف ستتصدى الرئاسة لهذه الانتهاكات، لا أن تمرّ وكأنها قدر لا يُواجه.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن شرعية المقاومة ليست منحة من أحد، ولا تخضع لمعادلات الخطاب السياسي الموسمي. فهي لا تنقص ولا تزيد، بل هي ثابتة بثبات وجود شعب يرفض الاحتلال والهيمنة. وهي شرعية مستمدة من الدستور اللبناني نفسه، الذي يكرّس حق الدفاع عن الأرض، ومن المواثيق الدولية التي تعترف صراحة بحق الشعوب المحتلة في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة.

إن بناء الدولة القوية والعادلة لا يكون بنفي عناصر القوة التي حمت لبنان، بل بالتكامل بين الدولة والمجتمع وكل أدوات الردع، وبمقاربة واقعية لا تفصل بين السيادة على الورق والسيادة في الميدان. أما تحويل “ضبط النفس” إلى استراتيجية دائمة، من دون أفق حماية أو ردع أو تحرير، فذلك لا يصنع دولة قوية بل دولة فاشلة.

فخامة الرئيس! المقاومة باقية ببقاء شعبها وإرادته وصموده، أما لبنان فيحتاج اليوم الى مواقف وطنية شجاعة مهما غلت التضحيات، وليس تقديم الخدمات المجانية للعدو، أو الرهان على تغير المعادلات الإقليمية، وترك اللبنانيين فريسة العدو الإسرائيلي يٌقتلون وتدمر بيوتهم في كل ساعة. هكذا تُبنى الأوطان ،وهكذا يعيش لبنان حراً سيداً مستقلاً فعلاً لا قولا.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى