الموقف الإقليمي من أحداث إيران
بتوقيت بيروت — الموقف الإقليمي من أحداث إيران
تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف على حافة اختبار جديد، مع تصاعد الأعمال الإرهابية والاضطرابات داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما رافقها من حملات إعلامية وتحريض سياسي حاولت دفع الأحداث نحو سيناريوهات أكبر من حدود الداخل الإيراني. لكن اللافت في المشهد ليس فقط ما يجري داخل إيران، بل الطريقة التي قرأت بها دول الخليج وغرب آسيا هذه التطورات، وكيف سارعت إلى ضبط خطابها السياسي بين الخشية من الفوضى والرغبة في حماية مصالحها الاستراتيجية.
ففي دول الخليج، ظهر الموقف الرسمي مائلاً بوضوح نحو الحذر الشديد، مع التأكيد على عدم السماح باستخدام الأجواء أو القواعد العسكرية لشن أي هجوم على إيران، واعتبار الاحتجاجات “شأناً داخلياً”. هذا الخطاب لم يأتِ من فراغ، بل يعكس إدراكاً خليجياً بأن أي انفجار كبير داخل إيران سيحمل ارتدادات مباشرة على الاقتصاد الخليجي، وخاصة عبر تهديد حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز. ولذلك، فضّلت العواصم الخليجية تثبيت أولوية “الاستقرار الإقليمي” بدلاً من الانخراط في سجال سياسي حول شرعية الاحتجاجات أو مآلاتها، بل إن الصمت الرسمي تجاه هذه النقطة كان رسالة بحد ذاته: المطلوب منع الانهيار، لا الاحتفاء به.
في المقابل، حملت المواقف غير الرسمية في الخليج نبرة أكثر جرأة، لكنها بقيت محكومة بالهاجس ذاته. فبعض المحللين رأوا في الاحتجاجات لحظة مفصلية قد تقود إلى تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، فيما حذر آخرون من أن أي انفجار داخلي واسع قد يمتدّ أثره إلى الجوار. وبين التفاؤل بإضعاف طهران والخشية من تداعيات “اليوم التالي”، برزت معادلة واضحة: حتى الخصوم الإقليميون لإيران لا يريدون رؤية الدولة الإيرانية وهي تنزلق نحو التفكك الشامل.
أما تركيا، فكان موقفها أكثر وضوحاً في ربط التطورات بمفهوم “الدولة” لا “النظام”. أنقرة، بحسب الاتصالات الدبلوماسية المعلنة، لا تتوقع سقوط النظام الإيراني قريباً، لكنها في الوقت نفسه تعمل على منع أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى انهيار الدولة من الأساس. السبب في ذلك عميق ومباشر: تفكك إيران سيخلق فراغاً أمنياً كبيراً، وقد يحولها إلى ساحة حرب أهلية طويلة، ما يفتح الباب أمام موجات نزوح، وانفلات حدودي، وعودة الهواجس الكردية والانفصالية بقوة على الحدود التركية. هنا لا تبدو تركيا في موقع “الداعم” لطهران، بل في موقع الدولة التي تتعامل مع إيران كحائط جغرافي وسياسي يمنع تسرب الفوضى نحوها.
الموقف المصري، بدوره، جاء من زاوية دبلوماسية تقليدية تقوم على خفض التصعيد ومنع توسع الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة. القاهرة ركزت على دعم الاستقرار داخل مؤسسات الدولة في المنطقة، ورأت أن الحوار هو المدخل الأقل كلفة لمعالجة الأزمات. وفي هذا السياق، سعت مصر للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة عبر استضافة لقاءات فنية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشير إلى رغبة مصرية في منع أي شرارة إضافية قد تخلط الأوراق في البحر الأحمر وشرق المتوسط، حيث تمتلك القاهرة مصالح اقتصادية وأمنية حساسة.
وفي باكستان، بدا الصمت الرسمي أقرب إلى “سياسة الوقاية”. فإسلام آباد أكدت في بيانات عامة احترام سيادة الدول ورفض التدخل الخارجي، لكنها تجنبت الدخول في تفاصيل ما يجري داخل إيران. هذا التحفظ نابع من حسابات داخلية دقيقة: باكستان تخشى أن تتحول الاضطرابات إلى فرصة لتنامي نشاط الجماعات البلوشية عبر الحدود، بما يهدد أمن إقليم بلوشستان الباكستاني ويعقد معركة الدولة مع الحركات المسلحة.
خلاصة المشهد الإقليمي أن المواقف، رغم اختلافها في اللغة والدرجة، تلتقي عند نقطة مركزية: القلق الوجودي من الفوضى. فحتى الدول التي لديها خصومة سياسية مع إيران تفضّل رؤيتها ضعيفة ومحاصرة، لكنها لا تريدها منهارة أو مقسمة. لأن انهيار إيران، في الحسابات الإقليمية، ليس مجرد تغيير نظام، بل احتمال إعادة رسم خرائط، وانفجار صراعات عرقية ومذهبية، وتحوّل المنطقة إلى مسرح مفتوح لتدخلات أكبر. وهكذا، يصبح الحياد الحذر موقفاً عملياً لا أخلاقياً، تفرضه المصالح قبل المبادئ، وتدعمه خشية الجميع من أن يمتد الحريق إلى ما وراء الحدود.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






