النزاع الذي يهدد بتفكيك الناتو وتغيير النظام العالمي
بتوقيت بيروت — النزاع الذي يهدد بتفكيك الناتو وتغيير النظام العالمي
لم تعد غرينلاند، مع مطلع عام ألفين وستة وعشرين، مجرد مساحة بيضاء شاسعة في أقصى الشمال أو محطة بعيدة لعلماء المناخ، بل تحولت إلى مركز ثقل جديد في الجغرافيا السياسية العالمية، وإلى بؤرة توتر تهدد بتغيير قواعد اللعبة داخل التحالف الغربي نفسه. فالجزيرة القطبية التي كانت تُصنَّف تقليدياً ضمن “الهوامش الآمنة” للنظام الأطلسي، أصبحت اليوم ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه طموحات الهيمنة الأميركية، ورهانات الأمن القومي الأوروبي، وحقوق السكان الأصليين في تقرير المصير، إضافة إلى حسابات الموارد والطاقة التي بدأت تتحكم بمنطق الدول أكثر من الشعارات والقيم.
لفهم هذا التحول الكبير، لا بد من النظر إلى مفارقة جرينلاند: فهي أكبر جزيرة غير قارية في العالم بمساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، لكن عدد سكانها لا يتجاوز عشرات الآلاف، ما يجعلها واحدة من أقل المناطق كثافة سكانية على وجه الأرض. معظم هؤلاء السكان يتمركزون على السواحل الجنوبية والغربية، بينما تحتفظ المساحات الداخلية بوجهها الجليدي القاسي الذي يغطي معظم الأرض. غير أن هذه القسوة الطبيعية ليست عائقاً أمام القوى الكبرى، بل صارت سبباً إضافياً في تحويل الجزيرة إلى خزنة استراتيجية نادرة، لأن ذوبان الجليد التدريجي يفتح ممرات بحرية جديدة، ويكشف ثروات كانت حتى وقت قريب مدفونة تحت طبقات سميكة من الجليد.
القيمة الاستراتيجية لغرينلاند تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: الموقع، الموارد، والبعد العسكري. في الموقع، تتربع الجزيرة بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، وتمثل نقطة ارتكاز مثالية للسيطرة على التحولات المقبلة في خطوط الملاحة البحرية العالمية. كما أنها جزء جغرافي من الصفيحة القارية لأميركا الشمالية، وتقترب كثيراً من كندا، لكن سياسياً وتاريخياً بقيت تدور في الفلك الأوروبي عبر الدنمارك. هذه المفارقة وحدها كافية لتفجير خلافات داخل البيت الأطلسي، لأن غرينلاند تبدو للأميركيين امتداداً طبيعياً لأمنهم القومي، بينما يراها الأوروبيون جزءاً من منظومة سيادتهم السياسية التي لا يجوز المساس بها.
أما الموارد، فهي نقطة الجذب الأخطر. إذ تشير تقديرات متداولة إلى أن الجزيرة قد تحتوي نسبة مهمة من الاحتياطي العالمي للعناصر الأرضية النادرة، وهي المواد التي تُعد اليوم العمود الفقري للصناعة الحديثة، من الهواتف الذكية إلى الصناعات العسكرية المتقدمة. السيطرة على هذه الموارد باتت تعني امتلاك مفاتيح التكنولوجيا والاقتصاد معاً، خصوصاً في ظل سعي واشنطن لكسر الاحتكار الصيني لسلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن النادرة. وإلى جانب ذلك، تمتلك الجزيرة إمكانات ضخمة في مجالات اليورانيوم والنفط والغاز وغيرها من الموارد، ما يجعلها مساحة مرشحة للتحول إلى “كنز جيوسياسي” في زمن تنافس القوى الكبرى.
في البعد العسكري، تحتضن غرينلاند قاعدة “بيتوفيك” الأميركية، المعروفة سابقاً باسم “ثول”، وهي واحدة من أهم القواعد في شبكة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، وتمثل نقطة متقدمة في منظومة السيطرة الجوية والفضائية الأميركية. وجود هذه القاعدة وحده يوضح لماذا لا تستطيع واشنطن النظر إلى الجزيرة كأرض بعيدة تخص الدنمارك وحسب، بل كعنصر عضوي في منظومة أمنها الاستراتيجي، خصوصاً في ظل التنافس المتزايد مع روسيا والصين على النفوذ في القطب الشمالي.
لكن الأزمة لا تتعلق فقط بمطامع القوى الكبرى، بل أيضاً بجذور سياسية وقانونية داخل الجزيرة نفسها. فغرينلاند انتقلت عبر مسار تاريخي متعرج من الاستعمار الدنماركي إلى الحكم الذاتي المتقدم. بقيت مستعمرة مغلقة حتى منتصف القرن العشرين، ثم تغير وضعها الدستوري لاحقاً إلى كيان مرتبط بالدنمارك بشكل مختلف، قبل أن تحصل على حكم ذاتي أوسع في أواخر القرن العشرين. وفي عام ألفين وتسعة، دخلت مرحلة أكثر حساسية مع توسيع صلاحيات الحكومة المحلية والاعتراف بالهوية اللغوية والثقافية، والأهم تثبيت حق السكان الأصليين، وهم من الإنويت، في تقرير المصير والاستقلال عبر استفتاء شعبي. غير أن هذا الحق بقي عملياً محكوماً بمعادلة الاقتصاد، إذ إن كوبنهاغن ما زالت تدير ملفات السياسة الخارجية والدفاع والعملة، وتقدم منحاً مالية سنوية تغطي جزءاً كبيراً من ميزانية الجزيرة، بما يشبه “القيد الذهبي” الذي يؤخر لحظة الانفصال النهائي.
داخلياً، يشترك معظم الغرينلانديين في حلم الاستقلال، لكن الخلاف يتمحور حول الطريق: هل يُمكن إعلان استقلال سياسي كامل دون قاعدة اقتصادية مستقلة؟ هنا يظهر انقسام سياسي واضح بين تيارين. تيار يدعو إلى استقلال تدريجي قائم على بناء اقتصاد قادر على الاستغناء عن الدعم الدنماركي، ويعتبر أن الاستعجال قد يحول الاستقلال إلى قفزة في المجهول. وفي المقابل، تيار يدفع نحو استقلال سريع وفوري، ويرى أن الاهتمام الأميركي الواسع يفتح باباً تاريخياً لاستبدال الاعتماد على الدنمارك بشراكة غنية مع واشنطن، بما يسرّع الانفصال ويمنح الجزيرة فرصة استثمار مواردها تحت حماية سياسية واقتصادية جديدة. هذا الانقسام الداخلي تحول تلقائياً إلى ثغرة تتسلل منها القوى الخارجية، إذ باتت الولايات المتحدة تقدم نفسها كـ”البديل الجاهز” اقتصادياً، مقابل نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
ومع دخول عام ألفين وستة وعشرين، صعدت واشنطن موقفها بصورة غير مسبوقة، خصوصاً في ظل إدارة تتبنى منطقاً متشدداً في حماية المجال الحيوي الأميركي. لم تعد السياسة الأميركية تكتفي بإشارات الإغراء أو العودة إلى فكرة “شراء الجزيرة” التي طُرحت سابقاً، بل بدأت تتعامل مع غرينلاند باعتبارها ملفاً أمنياً سيادياً لا يقبل الشراكة الأوروبية. التبريرات الأميركية تدور حول منع تمدد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، وضمان السيطرة على المعادن النادرة، وإعادة تعريف مفهوم الدفاع الأطلسي بطريقة تجعل أوروبا في موقع تابع أكثر من كونها شريكاً متساوياً. ومع توسع هذا المنطق، ظهرت تكتيكات ضغط قاسية، من التهديدات السياسية إلى استخدام أدوات اقتصادية مثل الرسوم والعقوبات، وصولاً إلى تجاوز الدنمارك والتعامل المباشر مع الحكومة المحلية في غرينلاند، بما يضع سيادة كوبنهاغن أمام اختبار قاسٍ.
هذه التطورات جعلت الأزمة تتجاوز حدود الدنمارك وغرينلاند لتصل إلى قلب حلف شمال الأطلسي. فالاختبار هنا ليس عادياً، لأن الخطر الذي يهدد سيادة دولة عضو لا يأتي من موسكو أو بكين، بل من واشنطن نفسها، قائدة التحالف. وهذا يضع المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك أمام مفارقة خطيرة: كيف يعمل التحالف إذا كان طرف داخله يضغط على طرف آخر ويهدده؟ من هنا يمكن فهم حالة الارتباك الأوروبي، إذ إن استمرار الأزمة يفتح الباب لانقسام داخل القارة بين دول قد تميل إلى مقاومة الابتزاز الأميركي والدفاع عن السيادة الأوروبية، ودول أخرى قد تفضّل المهادنة خشية العقوبات والخسائر الاقتصادية. وفي حال تحول الانقسام إلى مسار سياسي طويل، فإن الناتو نفسه قد يدخل مرحلة شلل، لأن الإجماع يصبح شبه مستحيل عندما ينفجر الخلاف بين رأس الحلف وأعضائه.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل الصراع. الأول هو صفقة ثلاثية تحفظ ماء الوجه للجميع، تقوم على منح واشنطن امتيازات واسعة في الموارد والتوسع العسكري مقابل بقاء السيادة الدنماركية “اسمية”. الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، أن تدعم واشنطن القوى الداخلية التي تدعو إلى استقلال سريع، فتخرج غرينلاند من العباءة الدنماركية وتتحول إلى دولة مستقلة شكلياً لكنها تدور عملياً في الفلك الأميركي عبر اتفاقيات دفاعية واقتصادية تجعلها أشبه بـ”محمية حديثة”. أما الثالث، وهو الأخطر، أن يؤدي الإصرار الأميركي على الإكراه إلى دفع أوروبا نحو خيار “الاستقلال الاستراتيجي” الحقيقي، بما يعني تراجع الاعتماد على واشنطن وتفكك التماسك الأطلسي تدريجياً وصولاً إلى انهيار النموذج الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في الخلاصة، تكشف أزمة غرينلاند أن العالم يدخل مرحلة تُحكم فيها السياسة بمنطق “الجغرافيا السياسية للموارد” أكثر مما تُحكم بالشعارات التقليدية. شعب الجزيرة يجد نفسه عالقاً بين إرث الاستعمار القديم وسندان الهيمنة الجديدة، وبين حلم الاستقلال وواقع الحاجة الاقتصادية. وفي كل الأحوال، يبدو أن حركة التاريخ تميل نحو إعادة تموضع غرينلاند بعيداً عن أوروبا، واقترابها أكثر من المجال الحيوي لأميركا الشمالية، بما يعني انحساراً في النفوذ الأوروبي بالقطب الشمالي، وتصدعاً قد لا يكون من السهل ترميمه داخل التحالف الغربي.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






