الهندسة الحقيقية خلف صفقة ال ١،٤ مليار دولار – Banking Files

8

ما هي الصفقة الحقيقية في عملية إيداع الـ 1.4 مليار دولار؟
لو كنت مهندس الصفقة، لقمت بطلب “أولوية” على جميع الودائع الأخرى، والقدرة على الخروج من الصفقة بإرادتي، قبل استحقاق الدين خلال خمس سنوات.

تم الإعلان عن “إيداع” بقيمة 1.4 مليار دولار من قبل جهة غير لبنانية، الأسبوع الماضي. كان هناك الكثير من التغطية الإعلامية، والشائعات، والغموض الذي يدور حول هذا الوديعة الضخمة التي تم الإعلان عنها في اليوم الأخير من شهر أغسطس؛ لذا، قامت “النهار” في نسختها (الإنجليزية) بتعيين أفضل فريق للتحقيق في تلك القضية.
إليك المعلومات التي نعرفها كحقيقة.
كانت المفاوضات مستمرة حول هذا الموضوع لعدة أسابيع، وتم الانتهاء منها بشكل تام في 23 أغسطس. لم يكن هذا التاريخ من قبيل الصدفة، لقد تم منح تعليمات من أعلى المستويات الحكومية لتسريع الانتهاء من الصفقة، في الوقت المناسب؛ لتسليم هذه الأخبار إلى وكالة فيتش للتصنيف، على أمل إيقاف قرارهم بتخفيض التصنيف الائتماني. كانت استجابة فيتش نسخة مهذبة من هذا الرد “هذا الإيداع هو بالتحديد سبب خفضنا لتصنيفكم الائتماني. لقد قمتم برفع التزاماتكم المالية بشكل مؤثر، مما جعل احتياطياتكم الصافية بالعملات الأجنبية تتجه لمعدلات سلبية أكثر مما هي عليه الآن؛ وذلك لأن التزاماتكم قد زادت الآن عن طريق الإيداع النقدي المباشر، بالإضافة إلى وجود الفائدة التراكمية على مدار تلك المدة”.
تم وضع الوديعة من قبل صندوق إدارة الاستثمار، ومقره في أوروبا، والمملوك إلى حد كبير من قبل مستثمر واحد، مع بعض الأموال من الخارج، فيما يشبه “مكتب العائلة” تقريبًا، ومكتب العائلة عبارة عن صندوق لإدارة الاستثمارات، ويقوم بإدارة ثروة فرد ذي قيمة عالية بالإضافة لعائلته، للحفاظ على الثروة وتعظيمها لأجيال متلاحقة. ومكتب العائلة يقوم بتوظيف أشخاص مثلي، وكذلك مصرفيين سابقين، ومديري محافظ مالية، ومحللين، ومدير للعمليات، ومدير مالي، وغيرهم لإدارة عملياتهم واستثمار أموالهم بطرق تزيد من عوائدهم وتقلل من المخاطر إلى الحد الأدنى.
لن أعلن عن المالك المستفيد للصندوق؛ لأسباب تتعلق بالخصوصية، لكن ما يمكن أن أقوله عنه أنه ليس لبنانيًا، على الرغم من أن لديه بعض الموظفين اللبنانيين.
تم إيداع الوديعة لمدة 5 سنوات بسعر فائدة 11.5٪.
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا يقبلون معدل 11.5 ٪ ، أي أقل بكثير من أي معاملات مالية سابقة خلال الفترة الأخيرة والتي تراوحت ما بين (14-18 ٪) ، وخاصة مع زيادة معدلات ومخاطر السوق منذ آخر تباطؤ اقتصادي؟
إذا كنت المُفاوض على هذا الصندوق، كيف كنت سأقوم بتنظيم الصفقة؟
كنت بدأت في طلب الأقدمية – الاولوية على جميع الودائع الأخرى والقدرة على الخروج من الصفقة بإرادتي، قبل انتهاء الصلاحية في غضون 5 سنوات، وقد أطلب أيضًا وضع رهن على احتياطي الذهب أو حتى على حساب الاحتياطي النقدي لدى البنوك الأجنبية. وفي مقابل هذا التخفيض بالمخاطر، أقبل عائد أقل.
ومع ذلك، فإن الإيداع لم يحصل على أي من هذه التنازلات، على الأقل ليس بالشكل الذي كنت سأفعله، المقترح أعلاه.
لقد وصفت هذا الإيداع بالوديعة، لأغراض التبسيط، في حين أنها ليست كذلك. لقد تم هيكلة هذه الشهادة كشهادة إيداع مدرجة في Euroclear، وهي شركة مقرها بلجيكا ومتخصصة في تسوية معاملات الأوراق المالية، فضلاً عن حفظ هذه الأوراق المالية وصيانتها.
في اعتقادي أن الصندوق يعتقد أن إدراجها في Euroclear يوفر لهم بعض الحماية الإضافية بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، بدلاً من القانون اللبناني المحلي، وربما يمنحهم مزيدًا من السيولة (من خلال قابلية التحويل، أي القدرة على بيع مراكزهم المالية إلى مستثمرين مؤهلين آخرين).
تضمنت الشروط أيضًا “التغيير المادي العكسي” (MAC)، وهو ما يسمح لهم بالخروج قبل 5 سنوات (ربما سنتين أو ثلاثة)، في حالة حدوث تدهور كبير في النسب أو المراكز المالية.
لم يكن هناك دفع مقدم، حسب كل شائعات في السوق، لأن هؤلاء الرجال لا يعتقدون بأن وسيلة التحايل يمكن أن تكون نسبة 10٪ كمُقدم، مثل الصفقات السابقة، والتي تعتمد أساسًا على السداد لشخص ما من أموالهم الخاص.
القائمون على الصفقة وهم بنك الاستثمار الأمريكي العريق، جولدمان ساكس ، و SGBL (الذي يطمح إلى أن يكون جولدمان لبنان)، حيث يعتبر بنك جولدمان ساكس أكبر بنك استثماري بلا منازع في العالم. في الواقع، قبل أكثر من عقد من الزمان، عندما كنت مسؤولاً عن 1000 شخص، وحققت إيرادات تبلغ حوالي 1.5 مليار دولار في بنك آخر بمعدل (1.5 مليون دولار لكل موظف)، حقق بنك جولدمان في ذلك العام 750 مليون دولار مع 75 موظفًا (10 ملايين دولار لكل موظف)، وهي نسبة إيراد لموظف لا يمكن لأغلبنا في السوق إلا أن يبدى دهشته منها.
الكثير من الناس في لبنان لم يسمعوا حتى عن ممثل جولدمان؛ لأنه من نواح كثيرة، مثل وكالة المخابرات المركزية. رئيس وكالة CIA في لبنان أحد أهم الأشخاص في البلد الذين لم تسمع بهم قط. وبالمثل، فإن الرجل الذي يدير جولدمان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو شخص، إذا مشى في الشارع، فلن تعرفه. إذا بحثت عنه في google ، فربما لن تجده بعد الصفحة الأولى أو الثانية، وبالتأكيد لن تراه في أي وسيلة إعلامية أو مقابلة على YouTube. من المرجح أن تجد صورة لرئيس محطة CIA على صور Google أكثر من الرجل الذي يدير Goldman في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يتطلب الأمر الكثير من الانضباط لتحقيق هذا النوع من النجاح وعدم الدخول في دائرة الإعلام أبدًا أو القيام بإجراء مقابلات صحفية اعتمادًا على عملك.
ليس سراً أنني كنت أنتقد نموذج العمل غير المستدام في لبنان المتمثل في دفع أرباح المودعين القدامى من أموال المودعين الجدد. سيؤدي هذا بلا جدال إلى كارثة في نهاية المطاف، كلما طال أمدها. ومع ذلك، إذا كنت مخطئًا، وكنت سعيدًا بهذا النموذج، فلا شك أن أنطون صحناوي (وفريقه في بنك سوسيته جنرال في لبنان) قد منحوا لبنان شريان حياة هام في وقت حرج للغاية، وفي وقت كنا فيه، بموقف غير مستقر، وقد فعل ذلك بتكلفة أقل بكثير من الصفقات السابقة.
أولاً ، لقد وفر لنا المال من خلال نسبة 11.5٪ وهي أقل من أي صفقة مالية أخرى أو عائد على سندات اليورو (في أي تاريخ استحقاق).
ثانياً، أحضر الصفقة دفعة واحدة، بدلاً من بيعها لمئات المستثمرين بأسهم بقيمة 10 ملايين دولار.
ثالثًا، قام بالاستغناء عن السمسار الوسيط، أي البنوك ، التي عادة ما تراكم الفوائد بنسب ما بين 2-5٪ علاوة على العائد الذي دفعه بنك لبنان في المعاملات السابقة.
أخيرًا، لقد حقق ذلك في وقت انخفض فيه تصنيفنا للتو، وعندما أُغلق أحد بنوكنا، كانت فترة حساسة للغاية وخطيرة في تاريخنا.
قام مصرف لبنان أيضًا بمجهود جيد في عدم الاستجابة للمطالب التي كنت سأصر عليها لو عملت في هذا الصندوق.
مبروك لبنان وشكرا سيد صحناوي
ومع ذلك، فقد حان الوقت لإيجاد بعض الحلول الهيكلية طويلة الأجل لمشاكلنا وعدم الاكتفاء بالاستمرار في تأجيل المشكلة.

تعريف:
دان قزي كاتب وباحث زميل في مبادرة “القيادة المتقدمة” في جامعة هارفارد، وهو برنامج لكبار المديرين التنفيذيين للاستفادة من خبرتهم وتطبيقها على المشكلات ذات التأثير الاجتماعي. يركز قزي في أبحاثه بجامعة هارفارد على الإصلاح الاقتصادي والسياسي في بلد صغير افتراضي مليء بالفساد والإهمال، وهو رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق لبنك ستاندرد تشارترد لبنان.

المقال نشر عبر خدمة النشر التلقائي من المصدر و ادارة الموقع لاتتبنى المحتوى او الرأي المنشور

لقراءة المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.