صحافة

اليمن أمام فصل جديد من التصعيد؟

بتوقيت بيروت — اليمن أمام فصل جديد من التصعيد؟

تبدو التحوّلات المتسارعة في جنوب اليمن امتداداً لمسار استراتيجي منسّق تتقاطع حوله تقديرات غربية وإقليمية، يقوم جوهره على إعادة رسم موازين القوى عبر تطويق الشمال وإعادة توزيع السيطرة على الممرات البحرية والبرية الحيوية. ويأتي التقدّم الحاسم الذي حقّقه “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم من الإمارات في محافظات الشرق والجنوب كأبرز محطات هذا المسار، بما يجعله نقطة ارتكاز في أي مقاربة مقبلة للصراع اليمني، خصوصاً مع تراجع الدور السعودي وانكفاءه الميداني في عدن وسواها.

تشير هذه التحوّلات إلى أنّ السيطرة على حضرموت والمهرة لا تُقرأ كتحركات منفصلة، بل كجزء من منظومة ضغط متدرّج يراد منها عزل صنعاء جغرافيّاً واقتصاديّاً. فحضرموت، التي تُعدّ صلة الوصل البرّية الأهم بين الشمال وعمقه الشرقي، تمثّل وفق تقييمات أميركية وغربية مركزيةٌ لقطع خطوط الإمداد البرّي وتجفيف الموارد وتضييق الخناق على مناطق سيطرة صنعاء. وبهذا المعنى، تتحوّل السيطرة على الشرق من مجرد مكسب ميداني إلى عنصر بنيوي في أي مرحلة تتجه فيها القوى الإقليمية إلى فرض وقائع جديدة على خطوط التماس.

ولا تنفصل التحركات البرّية عن المشهد البحري الأوسع، حيث يتواصل الانتشار الأميركي بالتنسيق مع كيان الاحتلال  في البحر الأحمر وبحر العرب تحت عناوين معلنة تتعلّق بمكافحة التهريب وحماية الملاحة، فيما يُستخدم عملياً للسيطرة على الممرات البحرية المؤثرة في قدرة صنعاء على الصمود والتزود بالسلاح والمعدات.

هذا الربط بين البرّ والبحر يفسّر تزايد الطروحات في الإعلام الغربي والإقليمي حول إمكانية الانتقال إلى مرحلة الحسم البرّي، بعدما فشلت الحملات الجوية في تغيير موازين القوى. وفي السياق ذاته، تكتسب تصريحات قيادات جنوبية مثل عمر علي سالم البيض وطارق صالح دلالة خاصة، إذ تتعامل بوضوح مع السيطرة على حضرموت والمهرة باعتبارها خطوة تمهيدية لعملية أوسع تستهدف الشمال، وتهيئة لما يُسمّى “مسرح العمليات” قبل أي تحرك مباشر.

كما يطرح سيناريو مقايضة محتملة يقوم على الاعتراف الغربي بانفصال الجنوب مقابل مشاركة فصائل “الانتقالي” في هجوم برّي ضد صنعاء. هذا الطرح، وإن لم يُعلن رسمياً، يجد صداه في الخطاب المتصاعد حول ضرورة “تجفيف” قدرات صنعاء اقتصادياً وعسكرياً كشرط مسبق لفرض وقائع جديدة على الأرض.

في حين، هناك من يرى ما يجري من زاوية أخرى ترتكز على فكرة أن التوسع السريع للانتقالي جزءاً من جهود أوسع لتمكين الإمارات وحلفائها من فرض نفوذ شامل على السواحل الممتدة من المهرة إلى لحج، وصولاً إلى جزر باب المندب. ويُربط ذلك بتجربة سابقة حدثت في سوريا، حيث جرى دمج فصائل متباينة ضمن غرف قيادة موحدة استعداداً لعمليات أكبر. وفق هذا المنطق، يصبح جمع الفصائل الجنوبية تحت سلطة واحدة خطوة تمهّد لهجوم واسع على صنعاء، بغطاء جوي واستخباراتي إقليمي.

اللافت في هذا المشهد أن المطالبات الدولية بنزع السلاح لا تشمل الفصائل الموالية للإمارات أو السعودية، اذ أنها تعد من السلاح المتفلت وخارج الدولة، في ظل قناعة متزايدة بأن أدوارها تتقاطع مع الأولويات الأميركية، سواء في مكافحة التهريب أو في ضبط الممرات البحرية الحساسة. هذا الواقع يعكس نفسه في توازنات الجنوب، حيث بات نفوذ أبو ظبي هو العامل الأكثر حضوراً بعد الانسحاب السعودي من عدن، ما يشير إلى إعادة تموضع إقليمية عميقة تعيد توزيع الأدوار بين الحلفاء.

تبدو التطورات في الجنوب اليمني جزءاً من خطة متعددة المسارات، قوامها تطويق صنعاء، وإعادة تشكيل القوى المحلية، والتحكم بالممرات البرية والبحرية، استعداداً لمرحلة حسم قد تأخذ شكل انفصال أو مواجهة برّية واسعة. وفي كلتا الحالتين، لا تنفصل الوقائع الميدانية عن حسابات إقليمية ودولية ترى في الشرق والجنوب بوابة لإعادة بناء معادلة القوة في اليمن، على نحو يعيد رسم خطوط الصراع ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة. لكن السؤال يبقى حول مدى رضا الرياض عن هذه التطورات ومدى استعدادها للتخلي عن مناظق نفوذها التاريخية على الحدود، وتقديمها مجاناً لأبو ظبي خاصة تلك التي تحتوي على منشآت نفطية، كما نظرتها الواقعية للانخراط من جديد في دوامة التصعيد، هي اليوم تحاول أن تخمده لأجل مصالحها أولاً.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى