انهيار منظومة الإنسانية في مواجهة الحصار الإسرائيلي
بتوقيت بيروت — انهيار منظومة الإنسانية في مواجهة الحصار الإسرائيلي
يأتي فصل الشتاء ليكشف ــ بطريقةٍ أكثر فجاجة مما تفعله الحروب ذاتها ــ حقيقة النظام الدولي كما هو، من دون أقنعته الخطابية. فالمطر الذي يفترض أن يكون رمزًا للخصب والطمأنينة، يتحوّل في غزة إلى سلاح إضافي، لا بفعل الطبيعة، بل بفعل بنية سياسية واقتصادية وأمنية صُنعت خصيصًا لضمان موت الفلسطيني ببطء. وحين يعجز العالم عمّا هو أبسط من حفظ الحياة: حماية طفل يرتجف من البرد، فإن السؤال لا يعود أخلاقيًا فحسب، بل بنيويًا: ما معنى الإنسانية داخل نظام دولي مصمم جوهريًا لإنتاج اللامبالاة؟
الشتاء هنا ليس فصلًا طبيعيًا؛ إنه مناسبة كاشفة. مناسبة تظهر فيها البنية الاستعمارية بأصفى أشكالها: حصار طويل، تدمير شامل للبنى التحتية، تجويع جماعي، ثم انتظار سقوط أمطار الشتاء ليقوم ما تبقى من العالم بدور المراقب الصامت.
أولًا: الحصار كمنظومة مُحكمة وليست سياسة طارئة
ما يحدث في غزة ليس نتيجة ظروف مناخية ولا حالة طارئة ناجمة عن حرب فقط، بل نتيجة منطقٍ استعماري متواصل، صُمّم على مدى سنوات لإنتاج ما يسميه بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين “قابلية المجتمع الغزّي للانهيار”.
تدمير شبكات الصرف الصحي، اقتلاع البنى التحتية، تدمير الطرق، قطع الكهرباء، منع الوقود، منع دخول الخيام والكرافانات، تدمير الدفاع المدني، ثم منع إعادة البناء… كل ذلك ليس عشوائيًا، بل جزء من نموذجٍ قديم في الفكر العسكري الغربي: إنتاج بيئة غير قابلة للحياة، ثم اتهام السكان بالعجز عن العيش.
وحين يسقط المطر، تغرق الخيام، لا لأن المطر قوي، بل لأن الاحتلال أراد بيئة بلا قنوات صرف، وبلا شبكات مياه، وبلا طرق، وبلا قدرة للدفاع المدني على التدخل، بعد أن قُتل معظم عناصره ودُمّر معداته ومراكزه. بمعنى آخر: المطر ليس هو السبب. السبب هو الحصار.
ثانيًا: الأمطار كسلاح غير مباشر في حرب مُعلنة
يجب الإشارة هنا إلى مفهوم “العنف البنيوي” الذي تمارسه القوى الكبرى عبر سياساتها الاقتصادية والعسكرية، حيث يموت الناس ليس برصاصة مباشرة، بل من خلال خلق بيئة الموت. في غزة، يصبح المطر جزءًا من أدوات الحرب، ليس لأنه قاتل، بل لأن الكيان القائم بالاحتلال تعمد خلق ظروف تجعل من المطر قاتلًا.
فحين تُغرق الأمطار آلاف الخيام، ويسقط الأطفال في الماء المختلط بالصرف الصحي، وحين تُغسل الأغطية الوحيدة التي يملكها الناس بالوحل، فإن العالم يواجه صورة لا تتعلق بالطبيعة، بل بالبنية السياسية التي جعلت الطبيعة نفسها جزءًا من آلة الإبادة.
وهذا ليس جديدًا. فالاحتلال ــ كما تؤكد وثائق متعددة ــ اعتمد طويلًا على نظرية “الضغط المتدرّج”، أي جعل الحياة اليومية للفلسطينيين غير محتملة بحيث يصبح البقاء خيارًا استثنائيًا لا طبيعيًا.
ثالثًا: انهيار الدفاع المدني… واستكمال هندسة الانهيار
عندما أعلن الدفاع المدني في غزة أنه غير قادر على التعامل مع حالات الغرق، لم يكن ذلك اعترافًا بالعجز، بل شهادة على حجم الجريمة. لقد قُتل معظم عناصره، دُمّرت معداته، هُدمت مراكزه، وأُبيدت القدرة التشغيلية التي تُمكّنه من أداء وظيفة أساسية: إنقاذ الأرواح.
ترك الناس يواجهون الأمطار بلا أجهزة، بلا مضخات، بلا سيارات، وبلا طرق صالحة… كل ذلك ليس حادثًا. إنه استكمال لمشهد اغتيال الحياة.
في منطق الاحتلال، الموت البطيء اقتصادٌ سياسي مُربح؛ فهو لا يثير غضب العالم كما تفعل العمليات العسكرية المباشرة، ويُقدَّم في الإعلام الغربي كـ”كارثة طبيعية” أو “مأساة إنسانية” لا كجريمة سياسية.
رابعًا: تواطؤ المنظومة الإنسانية… حين يصبح الصمت جزءًا من الجريمة
يُظهر المشهد الحالي انهيارًا واضحًا لما يسمى “المنظومة الإنسانية الدولية”. فالمؤسسات الدولية التي تمتلك القدرة على الضغط، والتوثيق، وإدارة الأزمات، تقف صامتة أمام: “منع إدخال الخيام – منع إدخال الوقود – منع إدخال الكرافانات – منع إدخال الملابس – خرق اتفاقَي يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2025 – استمرار التجويع الجماعي – تحوّل مخيمات النزوح إلى مستنقعات موت)
المنظمات الإنسانية الكبرى تكتفي بالتحذيرات، تمامًا كما تفعل في كل مرة منذ 1948، لأنها تعمل ضمن منظومة “إنسانية” خاضعة سياسيًا للدول الممولة، أي للدول نفسها التي تدعم الاحتلال. تبدو الإنسانية هنا أسطورة كاذبة، ليس لأنها غير فعالة، بل لأنها محكومة سياسيًا. إنها إنسانية مُسَيَّسة، تحدد تدخلاتها وفقًا لمصالح القوى الكبرى، لا وفقًا لاحتياجات البشر.
خامسًا: السردية الغربية… بين الادعاء الليبرالي والواقع الاستعماري
يقول ديفيد هرست إن الغرب يعيش انفصامًا بين خطابه الليبرالي وممارسته الاستعمارية. وما يحدث في غزة هو التجسيد الأكثر وضوحًا لهذا الانفصام.
فالدول التي تتغنى بحقوق الإنسان، والتي لا تتوانى عن فرض عقوبات اقتصادية على دول أخرى لأسباب “إنسانية”، تقف عاجزة ــ بل راضية ــ أمام مشهد طفل فلسطيني يرتجف في خيمة تغمرها المياه.
السؤال هنا ليس أخلاقيًا، بل بنيويًا: كيف يمكن لنظام دولي بُني على القوة لا العدالة، أن ينتج إنسانية تُطبَّق على الجميع؟ الجواب واضح: لا يمكن.
ولهذا، يصبح مشهد غزة ليس مجرد أزمة إنسانية، بل كشفًا حقيقيًا لطبيعة النظام الدولي نفسه: نظام يجعل من الإنسان قيمة ثانوية، ومن القوة قيمة مركزية، ومن الفلسطيني نموذجًا للإنسان الذي لا يستحق الحماية.
إن السؤال الذي بدأنا به لا يزال قائمًا: إذا لم يكن العالم قادرًا على حماية طفل يرتجف من البرد، فما معنى الإنسانية؟
هذا السؤال ليس اتهامًا أخلاقيًا، بل تفكيك لأكذوبة كبرى. فالإنسانية التي تُستخدم كشعار سياسي لا يمكن أن تكون معيارًا حقيقيًا. ما يحدث الآن في غزة ليس كارثة طبيعية، بل فضيحة أخلاقية دولية، وانهيار كامل لفكرة أن للعالم ضميرًا جمعيًا يمكن أن يتحرك.
وإذا كان فصل الشتاء يعرّي شيئًا، فهو يعرّي الحقيقة التالية: أن النظام الدولي الذي يسمح بسقوط الأطفال في الماء البارد، بينما يمنع إدخال خيمة، ليس نظامًا فاشلًا، بل نظام يعمل كما صُمم: ليحمي القوة… لا الإنسان. وهكذا، يصبح الشتاء ليس موسمًا، بل شهادة: شهادة على عالمٍ لا يفشل فقط، بل يتعمّد الفشل.
وعلى شعبٍ لا يموت فقط، بل يفضح بمقاومته موت الضمير العالمي.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






