بين التاريخ والجغرافيا وإشكالية القراءة المبتورة
بتوقيت بيروت — بين التاريخ والجغرافيا وإشكالية القراءة المبتورة
يشهد العمل الإسلامي في باكستان مرحلةً تتّسم بقدرٍ من الضعف والتشتّت، حيث تتعدّد العناوين والمبادرات، فيما تتراجع القدرة على إنتاج مسارٍ جامع ذي هوية واضحة وشرعية مستقرة. ولا يمكن مقاربة هذا الواقع بمعزل عن خصوصية الساحة الباكستانية، التي تشكّلت تاريخيًا ضمن توازنات دقيقة، اجتماعية وسياسية ودستورية، كان لها أثر مباشر في طبيعة العمل الإسلامي وحدود حركته.
إنّ التيار المقاوم، بما يحمله من وعيٍ بالقضايا الكبرى وهمٍّ أممي مشروع، يواجه في باكستان تحدّيًا مختلفًا يتمثّل في تحويل هذا الوعي إلى فاعلية مستدامة داخل مجتمع مركّب ومتنوّع، له ذاكرته ومساراته التنظيمية الخاصة. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءةٍ تأخذ بعين الاعتبار عنصري التاريخ والجغرافيا، لا بوصفهما قيودًا، بل بوصفهما إطار الفهم الضروري لأي عملٍ واقعي.
وبسبب ضيق المقام، سنقتصر في هذه المعالجة على البعد التاريخي، على أن تبقى القراءة الجغرافية والسياسية والاجتماعية حاضرة ضمنًا في خلفية التحليل.
1.الجذور التاريخية للعمل الإسلامي المنظّم
تاريخيًا، لم ينشأ العمل الإسلامي الشيعي في باكستان بوصفه حالة عاطفية أو موسمية، بل اتّجه مبكرًا نحو التنظيم والعمل الجماعي، خصوصًا في الفترات التي شهدت تحوّلات سياسية كبرى. وقد مثّل انقلاب أيوب خان عام 1958 محطة مفصلية، حيث برزت الحاجة إلى أطر جامعة تعبّر عن الهواجس والحقوق، وتؤمّن تمثيلًا منظّمًا داخل الدولة.
في هذا السياق، تأسّست لجنة المطالبات برئاسة السيد دهلوي، كخطوة أولى نحو توحيد الموقف وصياغة خطاب جامع. ولم يلبث هذا المسار أن تطوّر، ليصبح دهلوي أوّل قائد معترف به للطائفة الشيعية، فاتحًا الباب أمام تقليد قيادي منظّم استمرّ بأشكال مختلفة.
وتتابع هذا الخط عبر مراحل لاحقة، مع شخصيات مثل العلامة مفتي جعفر حسين، ثم السيد الشهيد عارف حسين الحسيني (اغتيل 1988/8/5)، وصولًا إلى السيد ساجد نقوي في المرحلة المعاصرة. وعلى اختلاف السياقات والتحدّيات، بقي هذا المسار هو الإطار الأوسع الذي تجمّعت حوله الكتلة الأساسية من المجتمع الشيعي، بما وفّره من حضورٍ وشرعية متراكمة.
2.واقع الضعف والشرذمة في المرحلة الراهنة
غير أنّ المشهد الحالي يُظهر بوضوح تراجع القدرة على إنتاج عمل إسلامي جامع، مقابل تصاعد مبادرات متعدّدة لم تنجح في التحوّل إلى أطر مؤسسية راسخة. وقد أدّى ذلك إلى حالة من التشتّت، حيث مرّت على بعض هذه المشاريع عشرون عامًا، من دون أن تتمكّن من بناء هوية واضحة أو شرعية اجتماعية مستقرة.
واللافت أنّ عددًا من هذه التجارب تحوّل تدريجيًا من أطرٍ جماعية، إلى حالات تتمحور حول شخصٍ رمزي، بحيث بات المشروع مرتبطًا بالحضور الفردي أكثر من ارتباطه ببنية مؤسسية قادرة على الاستمرار والتجديد. وهذا التحوّل لا يعكس بالضرورة خللًا في النيّات، بقدر ما يكشف عن صعوبة بناء الشرعية في مجتمع لا يستجيب سريعًا للعناوين الطارئة أو غير المتجذّرة تاريخيا.
3.البحث عن شرعية بديلة
في سياق هذا التعثّر، برزت ظاهرة يمكن رصدها بهدوء، تتمثّل في أنّ عدم قدرة بعض المبادرات على ترسيخ شرعية اجتماعية، إلى جانب غياب القبول داخل الوسط العلمائي، بل ومحاصرتها في بعض الحالات ضمن بيئتها الطبيعية، قد دفعها إلى البحث عن مصادر بديلة للتثبيت والاعتراف.
فبدل أن تتشكّل الشرعية من القاعدة الدينية والاجتماعية، اتّجهت هذه الجهات إلى الاحتماء بعناوين أقوى، سواء عبر الاقتراب من الجيش الباكستاني، أو من خلال الالتصاق(تحت مسمى تحالف) بجماعات سياسية أكبر حجمًا وتأثيرًا، أملاً في تعويض نقص القبول الداخلي بشرعية مستعارة. وغالبًا ما جاء هذا التوجّه بوصفه استجابة لفراغٍ بنيوي، لا خيارًا فكريًا مقصودًا.
غير أنّ التجربة تُظهر أنّ هذا النوع من الشرعية يبقى هشًّا بطبيعته، إذ يتأثّر بتغيّر الظروف، ولا ينتج ثقة طويلة الأمد، ولا يؤسّس لهوية مستقلة قادرة على الصمود، بل ما نجده في بعض الحالات ذوبان تام للهوية.
4.التيار المقاوم بين الوعي والبناء
ضمن هذا الواقع، يتّضح أنّ التحدّي الحقيقي أمام التيار المقاوم في باكستان لا يكمن في ضعف الالتزام بالقضايا العادلة، بل في غياب القدرة على تحويل الخطاب إلى مسارٍ تراكمي مستقر يستند إلى قاعدة اجتماعية معروفة المعالم. فالوعي، مهما بلغ من العمق، يبقى محدود الأثر ما لم يرتكز على أطر قادرة على الاستمرار، وعلى استيعاب التنوّع الداخلي، وعلى إنتاج ثقة عامة تتراكم بمرور الزمن.
وتُظهر التجربة الباكستانية بوضوح أنّ المسارات الأكثر قابلية للحياة هي تلك التي أحسنت الإفادة من الرصيد التاريخي القائم، وعملت على تطويره من الداخل، بدل القطيعة معه أو القفز فوقه. فهناك خطّ ممتدّ في العمل الإسلامي الشيعي، تشكّل عبر عقود، وانتقل من مرحلة إلى أخرى، محافظًا على حضوره وهويته العامة، رغم ما اعتراه من ضعف أو قصور في بعض المراحل. وهذا الرصيد، بما يمثّله من ذاكرة جماعية وشرعية متراكمة، لا يمكن تجاوزه دون كلفة عالية.
وفي المقابل، فإنّ أحد أبرز أوجه الإخفاق التي يمكن رصدها في تجارب أخرى هو عجزها عن بناء هوية واضحة، أو خطّ مستمر، أو اتجاه جامع. فمرور خمسة عشر أو عشرين عامًا على بعض هذه المبادرات لم يُفضِ إلى ترسيخ مسار يُعرَف به، بقدر ما أدّى إلى تآكلها أو تحوّلها إلى حالات مرتبطة بالأشخاص، لا بالاتجاهات، وبالحضور الرمزي، لا بالبنية المؤسسية.
ومع ذلك، فإنّ هذا الواقع، على ما فيه من ضعف وتشتّت، لا يُغلق باب الأمل، ولا ينفي إمكان الإصلاح. فوجود رصيد تاريخي متراكم، وخطٍّ ممتدّ تشكّل عبر عقود، يعني أنّ الأرضية لم تُهدم، وأنّ إمكان الترميم والبناء ما زال قائمًا. والإصلاح في مثل هذا السياق لا يبدأ من الصفر، بل من إعادة تفعيل وتوجيه ما هو موجود، وتصحيحه، وتطويره بما يستجيب لتحدّيات المرحلة.
إنّ التجربة الباكستانية تشير إلى أنّ التغيير الأكثر رسوخًا هو ذاك الذي ينطلق من داخل البنية القائمة، ويعمل على تحويلها من إطارٍ محافظ إلى مسارٍ حيّ ومتجدّد، دون التفريط بهويته أو رصيده الاجتماعي. فحين يُعاد الاعتبار للعمل الجماعي، وتُستعاد الروح المؤسسية، ويُضبط الانتقال من الشخص إلى الخطّ، يصبح الإصلاح ممكنًا، والتأثير قابلًا للتراكم.
ومن هنا، فإنّ مستقبل العمل الإسلامي في باكستان، والكلام عن التيار المقاوم، لا يتوقّف على ابتكار عناوين جديدة بقدر ما يتوقّف على حسن إدارة الإرث القائم، والقدرة على تحويله إلى مشروعٍ أكثر نضجًا واتساعًا. وفي هذا المسار، يبقى الأمل واقعيًا، لا لأنّ الطريق سهل، بل لأنّ الأساس موجود، وما يحتاجه هو إرادة إصلاحية واعية، وصبر طويل، ورؤية تتقدّم إلى الأمام دون أن تقطع مع جذورها.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






