تراجع زخم الاحتجاجات وحدود التصعيد الأميركي
بتوقيت بيروت — تراجع زخم الاحتجاجات وحدود التصعيد الأميركي
المعطى الأبرز في اليوم الرابع عشر (الأحد) يتمثّل في التراجع الواضح في زخم الاحتجاجات، سواء من حيث العدد أو الانتشار الجغرافي. فبعد أن كانت التحركات قد شملت 21 محافظة، انحصرت فعليًا في أكثر المحافظات، وفي تجمعات محدودة العدد داخل خمسة شوارع فقط في طهران هي سعادت آباد، باسداران، هروي، ستاري، ونظام آباد. هذا الانكماش الجغرافي ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر استراتيجي على فشل الانتقال من الاحتجاج الموضعي إلى العصيان الشامل، في هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي بأن الوضع في البلاد الآن تحت السيطرة الكاملة، وقوات الأمن تسيطر على كل البلاد وهناك سيطرة استخبارية دقيقة أيضاً.
في المقابل، شهدت المدن الإيرانية نزولًا كثيفًا لحشود موالية للنظام، ما أعاد تثبيت معادلة الشارع، وأكّد أن ميزان التعبئة الشعبية لا يزال يميل بوضوح لصالح الدولة والنظام الإسلامي، لا سيما مع الدعوات إلى تظاهرات مليونية واسعة اليوم الاثنين، التي انطلقت في مختلف المحافظات دعمًا للجمهورية الإسلامية والقيادة، وتنديدًا بأعمال الشغب، وردا على التدخل الأميركي والإسرائيلي في الشؤون الداخلية الإيرانية.
إن ما يجري داخل إيران الآن وفق القناعة التي ترسّخت لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، لم تعد تحركات مطلبية ولا مظاهرات سلمية، بل باتت تُقرأ باعتبارها امتدادًا مباشرًا للعدوان الأميركي–الإسرائيلي الذي بدأ خلال حرب الأيام الاثني عشر في حزيران الماضي. هذه القناعة لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على معطيات ميدانية صلبة:
– اعتقال المئات من قادة التحركات، وظهور اعترافات بتلقي توجيهات وتعليمات من الخارج أمريكا والكيان الصهيوني.
– استخدام أساليب العنف المنهجي على طريقة داعش والجماعات التكفيرية في سوريا والعراق، شملت إحراق أشخاص، قطع رؤوس، إحراق مساجد، مقامات دينية، حوزات علمية، حافلات نقل، ومحال تجارية وأسواق ومنازل المواطنين.
– يسقط 109 شهداء من القوى الأمنية مقابل 192 قتيلًا من المسلحين ومثيري الشغب خلال اشتباكات مباشرة مع الشرطة.
ما يجري، وفق توصيف رسمي واضح، هو عمليات أمنية منظّمة من مجموعات مدربة تستهدف القوى الأمنية، مؤسسات الدولة، الجيش، حرس الثورة، البسيج، والأملاك العامة، وليس احتجاجًا مطلبيا ومعيشيا بالمعنى التقليدي.
أحد أهم أسباب فشل مسار التصعيد يتمثّل في غياب أي اختراق داخل بنية الدولة الصلبة. فوفق تقييم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نفسها، لا توجد:
– انشقاقات داخل القوات الأمنية أو العسكرية.
– خلافات سياسية علنية بين مراكز القرار.
– تصدّعات في منظومة القيادة والسيطرة.
على العكس، تشير الوقائع إلى أن القيادة والسيطرة في أفضل حالاتها، وأن القرار السياسي والأمني متماسك، وهو ما يُسقط عمليًا السيناريو الكلاسيكي لإسقاط الأنظمة من الداخل. من جهة ثانية، الرهان على الفضاء السيبراني تعرّض لضربة قاسية. فإضافة إلى انقطاع الإنترنت لليوم الرابع على التوالي داخل إيران لمنع تواصل قادة اعمال الشغب مع مشغليهم في الخارج، أعلنت قيادة الفضاء السيبراني أنها نجحت في قطع 90% من الوصول إلى شبكة ستارلينك عبر الحرب الإلكترونية، ما أدّى إلى:
– تعطيل التواصل بين قادة الشغب ومشغّليهم في الخارج.
– شحّ غير مسبوق في الفيديوهات الميدانية المرسلة إلى المنصات الغربية.
– انهيار قدرة التضخيم الإعلامي الخارجي.
هذا التطور يُعدّ أحد أكثر الإنجازات التكتيكية تأثيرًا في مسار المواجهة الحالية.
التهديدات الأميركي جدّية وإيران جاهزة
أمريكا عبر مؤسساتها الإعلامية الكبرى، نقلت عن مسؤولين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يناقش مع مستشاريه وشركائه خيارات عسكرية محدودة ضد إيران، وفي هذا السياق، قال الصحفي عمحي شتاين إن الوضع الميداني للقوات الأميركية لا يسمح حالياً بعمليات واسعة، موضحاً أن الإدارة الأميركية تستطيع في الوقت الراهن تنفيذ هجوم باستخدام صواريخ توماهوك وقاذفات ثقيلة، في ظل غياب حاملات الطائرات عن المنطقة، لافتاً إلى أن وصولها إلى منطقة الخليج الفارسي سيستغرق وقتاً طويلاً.
البيت الأبيض نشر رسالة ذات دلالة نفسية واضحة:
“بارك الله بأميركا، بارك الله بجنودنا، ونحن فقط في بداية الطريق”. لكن عند تفكيك الخطاب الأميركي، تظهر مفارقة أساسية حيث التهديد مرتفع، لكن القرار غير محسوم. فالتصريحات المتتالية للرئيس الأميركي انتقلت من الحديث عن ضربات قاسية، إلى التفكير بهجوم سيبراني، والتنسيق مع إيلون ماسك لإعادة الإنترنت، والبحث عن عقوبات جديدة أو استهدافات غير عسكرية. وفي هذا السياق، قال ترامب إن إيران دعت أمس إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي، مرجحًا إمكانية عقد لقاءات معها. هذا التراجع النسبي لا يعني انتهاء الضغط الأميركي على الجمهورية الإسلامية، لكنه يعكس حسابات كلفة عالية لأي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
في المقابل، لم تتعامل إيران مع التهديدات الأميركية بوصفها ضجيجًا إعلاميًا. بل أعلنت بوضوح عن جهوزية كاملة للقوات المسلحة للرد الفوري والسريع، وقامت بإجراءات وقائية في الملاحة والطيران، وتحذيرات صريحة من أن أي هجوم أميركي سيجعل الأراضي المحتلة، القواعد العسكرية، والسفن الأميركية أهدافًا مشروعة وفق رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف حيث أشار صراحة إلى أن الهجوم الاستباقي يبقى خيارًا قائمًا للجمهورية الإسلامية إذا شعرت إيران بتهديد ملموس.
وفي سياق متصل، ثمة تسريبات في وال ستريت جورنال عن احتمال استهداف الإمام السيد علي الخامنئي، قوبلت بتحذير بالغ الخطورة من عضو مجلس خبراء القيادة محسن الآراكي، الذي أكّد أن استهداف القائد الخامنئي سيدفع إلى إطلاق فتوى الجهاد المقدس. هذا التحذير لا يحمل بعدًا دينيًا فقط، بل يعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي إلى مواجهة وجودية شاملة، وهو ما تدركه واشنطن وتل أبيب جيدًا.
إقليميًا، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحي سريع دعم اليمن للجمهورية الإسلامية، فيما تشهد الساحة العربية موجة تضامن متنامية من ناشطين ومؤثرين الذين يعتقدون ان سقوط إيران يعني سقوط المنطقة برمتها بيد الجلاد الإسرائيلي. في المقابل، تعيش حكومة تل أبيب حالة استنفار غير مسبوقة في المطارات والمؤسسات الحيوية، خشية رد إيراني استباقي أو تصعيد إقليمي واسع.
النظام في إيران منيع لم يُهزم ولن يُسقط
ما تكشفه الأيام الماضية بوضوح هو أن كل محاولات إسقاط النظام الإيراني فشلت، سواء عبر الشارع، الأمن، الإعلام، أو الفضاء السيبراني. النظام لا يزال يمتلك قاعدة شعبية صلبة، أجهزة أمنية متماسكة، قيادة سياسية موحّدة، قدرة ردع عسكرية وإقليمية قوية.
أما التهديدات الأميركية وهي جدّية، لكنها غير قادرة على تغيير المعادلات، لا إسقاط النظام، ولا إضعاف بنيته، ولا كسر إرادته. ما يجري اليوم هو حرب استنزاف، نهايته معروفة سلفًا النظام عصي على السقوط، الاحتجاجات وأعمال الشغب لا أفق لها (ربما تطول لأيام او أسابيع بفعل الدعم الخارجي)، والتهديد بعدوان أميركي إسرائيلي جديد قد يكون فرصة لإيران لإعادة التوازن الى المنطقة.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






