صحافة

تصوّرات الأحزاب الحريدية إلى الواجهة مجددًا

بتوقيت بيروت — تصوّرات الأحزاب الحريدية إلى الواجهة مجددًا

تعيش “إسرائيل” اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية نتيجة عودة الخطاب الحريدي التقليدي إلى العلن، بعد عقود من الاكتفاء بالبراغماتية السياسية. فالأحزاب الحريدية، التي شكّلت تاريخيًا كتلة دينية منغلقة داخل كيان يسيطر عليه الطابع العلماني، باتت تتحرك بثقة أكبر نحو إعادة طرح تصوراتها الأصلية حول هوية “إسرائيل”، وطبيعة الحكم، ودور الدين في المجال العام. هذا التحول يشير إلى تطور هام يكمن في الصعود الديموغرافي للحريديم ما يجعل تدخلهم في السياسة أقوى، ويخشى العلمانيون في كيان الاحتلال من هذا الصعود في طرح الرؤى والأفكار، حيث يعتقدون أن هذا سيمس بجوهر المشروع القومي العلماني الذي قام عليه الاحتلال.

الجذور العقائدية للتصور الحريدي

لا ترى الأحزاب الحريدية في قيام الكيان الإسرائيلي خطوة دينية أو بوابة لـ “الخلاص”، بل حدثًا سياسيًا نفّذته حركة قومية علمانية لا علاقة لها بالشريعة. وفق اللاهوت الحريدي التقليدي، قيام دولة يهودية قبل مجيء “المشيح” لا يملك شرعية دينية، وبعض التيارات تعتبره تعدّيًا على التسلسل الإلهي للأحداث. لذلك ظلّ الموقف العقائدي ثابتًا بأن “إسرائيل” كيان سياسي يُدار بقوانين مدنية، وليس “الدولة اليهودية المأمولة” بمعناها التوراتي.

رغم هذا الموقف العقائدي، انخرط الحريديم تدريجيًا في مؤسسات الدولة. كوسيلة لحماية وجودهم وركزت الأحزاب الحريدية من خلال نهجها المتبع على:

تعزيز ميزانيات المدارس الدينية (اليشيفوت).

الحفاظ على الإعفاء من الخدمة العسكرية.

التحكم بمؤسسات الأحوال الشخصية.

حماية نمط الحياة الديني من تدخل الكيان.

لماذا يعود الخطاب الحريدي الأصلي إلى الواجهة الآن؟

تراكمت مجموعة ظروف دفعت الحريديم للخروج من البراغماتية إلى إعادة إبراز خطابهم العقائدي، منها تضخم نفوذهم السياسي والديموغرافي، حيث إن الحريديم هم الجماعة الأكثر نموًا في كيان الاحتلال، ويملكون قدرة على إسقاط الحكومات والتحكم بالميزانيات. هذا النفوذ يتيح لهم إعلان مواقفهم دون الخشية من إقصاء سياسي. إضافة لتصاعد الصدام مع المؤسسات العلمانية الإسرائيلية، خصوصاً الخلافات مع المحكمة العليا حول التجنيد، وتمويل اليشيفوت، والزواج المدني، جعلتهم يصرّحون مجددًا بأن الكيان ليس “دولة شريعة”، وأنهم لا يعترفون بسلطة مؤسسات علمانية فوق الحاخامات. كذلك شعورهم بأن المجتمع الإسرائيلي يتفكك، ووجود أزمة حقيقية فيما يتعلق بالهوية القومية، ما يعيد فتح النقاش حول طبيعة “إسرائيل”. وفي مثل هذه اللحظات، يسعى الحريديم لإيجاد فرصة لإعادة تعريف الكيان وفق تصورهم الديني. خصوصاً بعد تزايد التأثير للمرجعيات الدينية الإسرائيلية في القرارات السياسية.

الانعكاسات على العلمانيين الإسرائيليين

عودة الخطاب الحريدي يهدد التوازن الذي قام عليه النظام السياسي الإسرائيلي. فالعلمانيون يرون أن صعود الحريديم يمسّ جوهر نمط حياتهم من خلال؛ تقييد الزواج المدني، فرض ضوابط دينية على الجو العام، تقليص استقلال القضاء، زيادة العبء الاقتصادي نتيجة الإعفاءات والمخصصات.

كما يخشى العلمانيون من تحوّل الكيان تدريجيًا إلى كيان ذي ملامح دينية، وهذا الخوف يترجم بتوترات اجتماعية، وموجات هجرة، واحتجاجات متزايدة على السياسات الدينية. بالإضافة إلى عدة عوامل إلى جانبه تعزز من حجم الانعكاس كالإخفاقات التي ارتكبها الاحتلال قبل 7 أكتوبر.

إن إعادة بروز التصورات الحريدية إلى العلن وبصورة واضحة يعكس تحولًا بنيويًا يعمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي. فالحريديم، الذين كانوا يخفون عقيدتهم السياسية تحت غطاء البراغماتية، يجدون أنفسهم اليوم أكثر قدرة على طرح رؤيتهم، في وقت يشعر فيه العلمانيون بأن هويتهم ونمط حياتهم مهددان. ما قد يؤدي إلى تصادم المواقف العقائدية المتشددة للحريديم مع الحياة العلمانية؛ وهذا سيولد حتماً صراعات متزايدة على النفوذ والموارد والمجال العام، ويزيد من الانقسامات الاجتماعية والدينية. ومع استمرار هذا التوتر وغياب أي توافق داخلي، يمكن أن يصبح أحد العوامل التي تهدد الاستقرار الداخلي للكيان وتفاقم هشاشته على المدى الطويل.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى