اقتصاد

تفاقم الدين العالمي قد يزيد مخاطر الأزمة المالية المتوقعة

مع وصول مستويات الديون العالمية لأعلى مستوى في تاريخها في ظل انخفاض معدلات الفائدة، أصبحت القضية تفرض نفسها وسط تحذيرات ومخاوف مستمرة من تصاعد الديون إلى الحدود غير الآمنة وفشل بعض الحكومات في سداد أقساط ديونها في مواعيد استحقاقها.

قبل أيام، نشر صندوق النقد الدولي تحليلاً لأزمة تفاقم الديون العالمية، ولكن الجديد في القصة أن إدارة الصندوق ترى بعض الجوانب الإيجابية للأزمة بعكس وجهة النظر المتشائمة التي تؤكد أن أزمة الديون حال تفاقمها سوف تزيد من المخاطر وتهدد الاستقرار العالمي، بخاصة وأن هناك احتجاجات على نطاق واسع في العديد من الدول بسبب أزمات اقتصادية في الأساس، فهل تتحمّل هذه الدول تبعات أزمات جديدة تتعلق بمخاطر تفاقم أزمة الديون؟

كانت بيانات حديثة لبنك التسويات الدولية كشفت ارتفاع الدين العالمي بالعملات الصعبة (الدولار واليورو والين الياباني) إلى مستوى قياسي يتجاوز 16 تريليون دولار.

وتفيد هذه الأرقام بأن الائتمان المقدم بالدولار الأميركي للمقترضين “غير المصرفيين” خارج الولايات المتحدة نما بنسبة 4% على أساس سنوي في نهاية يونيو (حزيران) الماضي ليصل إلى 11.9 تريليون دولار. وزاد ائتمان العملة الصعبة المقوم باليورو والين الياباني بوتيرة أسرع، بلغت 9% و8% ليصل إجماليه إلى 3.4 تريليون يورو، أي ما يعادل 3.78 تريليون دولار، و49.4 تريليون ين، أي ما يعادل 453.88 مليار دولار، على الترتيب.

وذاك مستوى قياسي جديد للاقتراض المقوم باليورو بعد نمو مطرد لعشرين عاما، لكن الاقتراض بالين اتسم بتذبذب أكبر، وهو يظل أقل بكثير من مستويات 2007 إلى 2009 و2000 إلى 2002.

ويشيع الاقتراض بالعملات الصعبة على نحو خاص في الأسواق الناشئة، إذ قد يكون أرخص ويمكن أن يصبح وسيلة لجذب المستثمرين غير الراغبين في الانكشاف على مخاطر العملات المحلية وتقلباتها المحتملة.

في المقابل، فإن الحكومات والشركات المقترضة قد تواجه تكلفة باهظة لخدمة هذه الديون إذا تراجعت عملاتها المحلية، كما أظهرته أزمات شتى من الأرجنتين إلى موزامبيق على مدار السنين. وبحسب بيانات بنك التسويات، فقد بلغ الدين الدولاري للاقتصادات الناشئة مستوى قياسيا عند 3.74 تريليون دولار، رغم تباطؤ معدل نموه السنوي إلى 2%، مقارنة مع ذروته المسجلة حديثا عند 8%.

وواصلت أفريقيا والشرق الأوسط التوسع السريع في الاقتراض وبمعدل سنوي بلغ 11%، بينما توسعت أميركا اللاتينية بنسبة 3% على أساس سنوي، بما في ذلك 9% في المكسيك و8% في تشيلي، بينما شهدت الأرجنتين والبرازيل انكماشات بنسبة 4% و1% على الترتيب.

أزمة الاقتراض… البداية عام 3000 قبل الميلاد

التحليل الأخير لصندوق النقد الدولي أشار إلى تاريخ عمليات الاقتراض حينما تم تقديم قروض لشراء البذور في العام 3000 قبل الميلاد، على أن يتم زرع تلك البذور وسداد الديون من الحصاد. لكن بالطبع، سيحتاج المقرض إلى الثقة في قدرة المقترض على سداد القرض، مع حقيقة أن كلمة “الائتمان” نفسها تأتي من الكلمة اللاتينية “الثقة”، التي هي شريان الحياة للنظم الاقتصادية والمالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت الحالي، تواصل القروض المصرفية وأسواق الائتمان لعب دورها الأساسي في زرع بذور الرخاء في المستقبل من خلال مساعدة كل من الأسر على شراء منزل، والشركات على الاستثمار في أفكار جديدة، والدول على جمع رأس مال إضافي لدعم النمو والتوظيف.

التحليل أشار إلى أنه يجب على الدول التي لديها مساحة مالية في موازناتها أن تستخدم هذا الوقت الذي يشهد معدلات فائدة منخفضة أو حتى سالبة لزيادة الاستثمارات العامة المنتجة. وفي دول مثل ألمانيا وهولندا وكوريا الجنوبية، يمكن أن تساعد زيادة الإنفاق، بخاصة على البنية التحتية والبحث والتطوير، في تعزيز الطلب وإمكانات النمو.

وعندما يكون هناك حيز مالي، يمكن أن يساعد الاقتراض أيضاً الدول على زيادة الإنفاق لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهذا بدوره يتطلب بناء الثقة من خلال سياسات الاقتصاد الكلي السليمة ووجود بيئة داعمة للاستثمار. لكن في النهاية فإن فوائد الديون تنبع من إنتاج حصاد اقتصادي جيد للمقترض وللمقرض على حد سواء.

الديون تسجل 230% من الناتج المحلي العالمي

وفقاً لبيانات الصندوق، فقد وصل الدين العالمي “العام والخاص” إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، حيث بلغ 188 تريليون دولار، وهو ما يوازي نحو 230% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويعتبر القطاع الخاص المحرك الرئيس لتراكم مستويات الديون، حيث يشكّل حالياً ثلثي إجمالي الدين العالمي، ولكن هذا فقط جزء من القصة.

وبلغ الدين العام في الاقتصادات المتقدمة مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، كما وصل الدين العام في الأسواق الناشئة إلى مستويات شوهدت آخر مرة خلال أزمة الديون في الثمانينيات، في الوقت الذي شهدت فيه الدول منخفضة الدخل زيادات حادة في أعباء ديونها على مدى السنوات الخمس الماضية.

وأشار التقرير إلى الجوانب السلبية والمظلمة في قضية تفاقم الدين العالمي، بخاصة وأن التاريخ لا يحمل ذكريات طيبة عن قصة تفاقم الديون، خصوصا وأن وصول الديون عند مستويات قياسية مرتفعة يشكل مخاطر على الاستقرار الاقتصادي والمالي.

وكان لتراكم الدين العام علاقة كبيرة باستجابة السياسة للأزمة المالية لعام 2008، عندما انتقل الدين الخاص إلى الموازنات العامة، بخاصة في الاقتصادات المتقدمة. وتُظهر الأبحاث الأخيرة لصندوق النقد الدولي أن الدعم العام المباشر للمؤسسات المالية وحدها بلغ 1.6 تريليون دولار خلال أزمة عام 2008.

وفي الدول النامية، يعكس تراكم مستويات الديون مجموعة واسعة من العوامل، من الانخفاضات الحادة في أسعار السلع الأساسية إلى الكوارث الطبيعية والصراعات الأهلية والإنفاق الاستثماري المرتفع على المشاريع التي لم تكن منتجة.

كيف تتأثر الأسر بتراكم أعباء الديون؟

الصندوق أشار إلى أن أعباء الديون المرتفعة تركت العديد من الحكومات والشركات والأسر عرضة للتشديد المفاجئ للظروف المالية. وظلت الظروف المالية العالمية تيسيرية، ويعزى ذلك جزئياً إلى أن معدلات الفائدة منخفضة لفترة أطول من المتوقع في الاقتصادات المتقدمة، لكن العالم يواجه أيضاً حالة من عدم اليقين المتزايدة، مدفوعة بالتوترات التجارية والبريكست والمخاطر الجيوسياسية.

وإذا تحولت معنويات المستثمرين، فقد يواجه المقترضون الأكثر ضعفا تشديدا ماليا وتكاليف فائدة أعلى، وسيصبح الأمر أكثر صعوبة في سداد الديون أو ترحيلها، وهذا بدوره يمكن أن يضخّم عمليات التصحيح في السوق ويكثف تدفقات رأس المال الخارجة من الأسواق الناشئة.

وبالطبع، ارتفاع الديون لا يمثل فقط خطراً على الاستقرار المالي، لكن يمكن أن يصبح أيضا عبئا على جهود النمو والتنمية. ففي الدول منخفضة الدخل، يمكن أن تشكل أعباء الديون المرتفعة تهديدا لأهداف التنمية، حيث تنفق الحكومات المزيد على خدمة الديون وتقلل إنفاقها على البنية الأساسية والصحة والتعليم.

وتشير التقديرات إلى أن 43% من الدول منخفضة الدخل إما معرضة لخطر الوقوع في أزمة ديون أو أنها انغمست بها بالفعل.

3 أولويات للتعامل مع أزمة الديون

في تحليله، طرح الصندوق هذا السؤال: كيف يمكن للدول الاقتراب من الجانب المشرق للديون، وكيف تستطيع زرع بذور السياسة الصحيحة؟ مشيراً إلى أن هناك 3 أولويات يمكن أن تساعد في إحداث تغيير في الدول النامية.

الأولوية الأولى تتمثل في الحاجة إلى ضمان أن يكون الاقتراض أكثر استدامة من خلال التركيز بشكل أكبر على جذب الاستثمارات القائمة على الملكية، مثل الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة عائدات الضرائب، ومحاربة الروتين والفساد. وهذا يعني التركيز على المشاريع الاستثمارية ذات العوائد المرتفعة، وزيادة مسؤولية المقرضين، الذين يحتاجون إلى تقييم تأثير القروض الجديدة على وضع ديون المقترض قبل تقديم قروض جديدة.

أما الأولوية الثانية فتتمثل في الحاجة إلى ضمان أن تكون ممارسات الإقراض والاقتراض أكثر شفافية، وذلك من خلال تعزيز المؤسسات التي تسجل الديون وتراقبها وتبلّغ عنها. وهنا يعمل صندوق النقد عن كثب مع البنك الدولي لمساعدة الدول الأعضاء على تعزيز قدراتها على إدارة الديون وأطر الحوكمة. كما يعمل صندوق النقد أيضاً على تحليل القدرة على تحمل الديون لتسليط الضوء على المخاطر المحتملة، ومساعدة المقترضين على بناء الثقة أو إعادة بنائها.

وتتعلق الأولوية الثالثة بالحاجة إلى تشجيع تعاون أفضل بين الدول المقترضة والمقرضين، وهذا يعني العمل معاً لتحسين الإفصاح عن عقود الديون، والتي يمكن أن تساعد في تقليل المخاطر وزيادة المساءلة.

كما تظهر الحاجة أيضاً إلى تعاون أفضل للاستعداد لحالات إعادة هيكلة الديون التي تشمل المقرضين غير التقليديين، بما في ذلك الدول الدائنة خارج “نادي باريس”، الذي يشمل العديد من الدول، أبرزها (الولايات المتحدة والدنمارك وفرنسا وألمانيا واليابان وروسيا وبريطانيا وكندا)، وهذا يعني إنشاء طرق جديدة يمكن من خلالها التنسيق الرسمي للدائنين.

المصدر
المقال نشر عبر خدمة تلقائية و ادارة الموقع لا تتبنى المحتوى

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق