حين تمشي الخرائط في الاتجاه الخاطئ: قصة ممر داوود
بتوقيت بيروت — حين تمشي الخرائط في الاتجاه الخاطئ: قصة ممر داوود
ليست كل الطرق التي تُرسم على الخرائط وُجدت لتقصير المسافات أو لتسهيل العبور. بعض الممرات تُفكَّر بعقل سياسي لا بعين مهندس، وتُنشأ لا لربط الجغرافيا، بل لإعادة توظيفها في الصراع. من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع ما يُعرف بـ“ممر داوود” كمشروع لوجستي أو أمني عادي، بل كتصوّر استراتيجي يتجاوز فكرة الطريق، ليطال مستقبل المشرق العربي، وحدوده، ووظيفته في النظام الدولي الآخذ بالتشكّل.
في الأدبيات المتداولة داخل بعض مراكز التفكير الغربية والإسرائيلية، لا يُقدَّم الممر بوصفه مسارًا اقتصاديًا بريئًا، بل كحزام نفوذ ممتد من شرق المتوسط باتجاه العمق الآسيوي، متجاوزًا الدول وحدودها، ومختصرًا مفاهيم السيادة التقليدية. هنا، لا تعود الجغرافيا مساحة تواصل، بل أداة ضبط وتحكّم، تُستخدم لإعادة توزيع القوة لا لتسهيل الحركة.
جوهر الفكرة، رغم بساطته الظاهرية، يحمل قدرًا كبيرًا من الخطورة. ربط إسرائيل بعمقها الاستراتيجي شرقًا، عبر الأردن ثم العراق وصولًا إلى الخليج، من خلال شبكة متكاملة من الطرق، والسكك الحديدية، وخطوط الطاقة والاتصال، بما يوفّر لها ممرًا مستدامًا وآمنًا، خارج أي ابتزاز جغرافي محتمل. ما يُسوَّق على الورق بوصفه مشروع تكامل إقليمي، يتحوّل عمليًا إلى آلية لإعادة هندسة التوازنات السياسية والأمنية، غالبًا على حساب الدول التي يمرّ عبرها أو يلتفّ حولها.
في الحسابات الإسرائيلية، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان التفوق طويل الأمد. ولا حتى شبكة العلاقات الدبلوماسية المتنامية. معيار القوة اليوم بات مرتبطًا بالقدرة على التحكم بالحركة نفسها: حركة التجارة، والطاقة، والبيانات، بل وحتى حركة الجيوش. من هذا المنظور، يظهر ممر داوود كامتداد منطقي لعقيدة أمنية قديمة، ترى في إسرائيل كيانًا محاصرًا جغرافيًا، يحتاج إلى “رئة استراتيجية” مفتوحة باتجاه الشرق، تكسر هذا الحصار وتمنحه هامش مناورة أوسع.
الولايات المتحدة تنظر إلى هذا المشروع من زاوية أوسع من الحسابات الإسرائيلية وحدها. فالممر لا ينفصل عن صراعها المتصاعد مع إيران من جهة، ومع الصين من جهة أخرى. ربط شرق المتوسط بالخليج عبر مسار يخضع لنفوذ حلفائها، يعني عمليًا تطويق النفوذ الإيراني بريًا، وتقليص أهمية المسارات التي تراهن عليها بكين ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. في هذا السياق، تتراجع أهمية القواعد العسكرية الثابتة لصالح شبكات عبور مرنة، أقل كلفة، وأكثر تأثيرًا على المدى البعيد.
لكن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الأهداف المعلنة أو غير المعلنة، بل في الثمن المطلوب لتحقيقها. أي ممر بهذا الحجم يحتاج إلى بيئة سياسية قابلة للضبط، وحدود هادئة، ودول يمكن الضغط عليها أو احتواؤها عند الضرورة. هنا تبرز سوريا والعراق بوصفهما عقدتين أساسيتين. سوريا، بموقعها، تمثّل إمّا حلقة وصل أو نقطة تعطيل. والعراق، بعمقه الجغرافي وتعدده السياسي، يبقى ساحة مفتوحة لتجاذبات النفوذ. من الصعب، في هذا الإطار، فصل مشاريع الممرات الكبرى عن محاولات إضعاف الدولة الوطنية في هذين البلدين، أو إبقائهما في حالة سيولة أمنية وسياسية مزمنة.
الأردن، الذي يتوسط هذا المشهد المعقّد، يجد نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية. دولة بُني استقرارها تاريخيًا على توازن دقيق بين الجغرافيا والسياسة، قد تتحوّل، في سيناريو ممر داوود، إلى مجرد مساحة عبور. هذا التحوّل، إن ترسّخ، لا يهدد السيادة فحسب، بل يعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها: من كيان صاحب قرار، إلى حلقة ضمن شبكة إقليمية تُدار من خارجها.
في هذا السياق، لا يبدو التطبيع حدثًا منفصلًا أو عابرًا. هو الأرضية السياسية التي تتيح لمشاريع من هذا النوع أن تُطرح بهدوء، وأن تُغلّف بخطاب التعاون والتنمية. ومع تكرار الحديث عن “السلام الإقليمي” و”الازدهار المشترك”، يتحوّل الاعتراض على الممرات إلى اعتراض على التنمية ذاتها، وتُزاح معركة السيادة إلى الهامش، لصالح معركة مفاهيم تُدار بعناية.
ما يزيد من خطورة ممر داوود أنه لا يُطرح كمشروع منفرد. هو يتقاطع مع قناة بن غوريون، ومع خطوط الغاز في شرق المتوسط، ومع الممر الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي. شبكة متكاملة، إذا ما اكتملت، ستعيد رسم خريطة النفوذ من المتوسط إلى الخليج، وتمنح إسرائيل موقع “العقدة المركزية” في هذه الشبكة، بعد أن كانت تُقدَّم طويلًا ككيان طرفي على هامش الجغرافيا.
في الخلاصة، ممر داوود ليس طريقًا معبّدًا للبضائع فقط، بل مسارًا لإعادة توزيع القوة في المنطقة. مشروع يُقرأ بعين السياسة لا بعين الهندسة، ويُقاس بميزان السيادة لا بلغة الاستثمار. ومن لا ينتبه إلى خطورته اليوم، قد يكتشف غدًا أن الخرائط تغيّرت، وأن الجغرافيا التي ظنّها ثابتة، سارت في الاتجاه الخاطئ… واستُخدمت ضده، لا كجسر عبور، بل كأداة كسر.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






