خالد بطراوي يكتب لوطن: لاءات لبنان

16

 لم يكن صدفة أنني طلبت من رفيقي نبيل المصري “أبو مدحت” أن نذهب معا الى المجلس المشترك لقراوة بني زيد الشرقية، فقد كنت أهدف في طريق الذهاب والإياب الى محاورته بخصوص ما يحدث على الساحة اللبنانية من حراك، بغية الاستنارة برأيه.

ثمة أسئلة كثيرة كانت تعصف برأسي تتعلق بالحالة اللبنانية، خاصة وأنني لست مطلعا على تفاصيل المشهد اللبناني.

أبدى نبيل المصري إرتياحه من الحراك الذي جاء حصيلة تنامي وعي شبابي لبناني بأهمية التغيير وضرورة إستبدال الحرس القديم الذي أصبحت السياسة كتعبير مكثف عن الاقتصاد مهنته ومصدر رزقه. لكن رفيق السجن سبعينات القرن المنصرم، لم يكن يرى أن الظروف مواتية لإحداث حالة تغيير شامل تقلب المعادلات في بلد نخرته الطائفية بدليل أن أيا من المتظاهرين قد إلتفت الى أهمية المطالبة بتغيير دستور البلاد، بل كانت المطالب عبارة عن مطالب حياتية يومية يجتمع عليها كل اللبنانيين بعض النظر عن إنتماءهم الطائفي.

إتفق معي “أبو مدحت” في أن ما يحصل في لبنان هو ” بروفة” لما سيحصل مستقبلا، تماما كما كانت ثورة 1905-1907 الروسية بروفة للثورة البلشفية. وفي ترجمه رد الفعل من كافة القوى على الساحة اللبنانية ومن الحكومة، فإن أي خطوة سوف تمس قوت اللبنانيين مستقبلا سوف يتم دراستها بعناية وحذر وخوف شديد.

أشار لي مسؤول الرصد الأمني سبعينات القرن المنصرم في السجون الاسرائيلية أن فصائل العمل الوطني اللبناني والحكومة وأجهزتها الأمنية المختلفة لم تكن تتوقع ولم تستقريء مطلقا أن حالة من الغليان سوف تتفجر عند أول مفصل إقتصادي يمس حياة اللبنانيين ولذلك فقد أخذهم الحراك على حين غرّة – كما يقولون -، ففقدت القوى والحكومة البوصلة ولم تعرف كيف تتعامل، وقد حاول بعض منها اللحاق بركب الحراك، بينما سعى البعض الآخر بطريقة مبطنة الى إجهاض الحراك ثم بدأ الاعلان المكشوف على الملأ عن الرغبة في إنهاء الحراك وعوّل البعض على الظروف الجوية بحيث تمنوا هطول أمطار مكثفة وعواصف ثلجية مبكرة كي ينفض الحراك بمشهدة الحضاري الرائع من تلقاء نفسه.

ثم إنتقلنا ونحن نسير بين ربوع وجبال الوطن في سيارتنا الى ما هو أعمق في الحوار وذلك عندما إنعطفنا بمنعطف حاد صاعدين الى قرية عارورة، وإستفسرت من أبي مدحت إن كانت قوى الامبريالية في المنطقة ستسمح بالتغيير في لبنان وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وكان الجواب بالقطع لا ، فهذه القوى بالكاد إستفاقت من ضربتها القاسية في دول الجوار فكيف لها أن تسمح بإحداث تغيير دراماتيكي في دولة حدودية من دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وكنا قد وصلنا غايتنا، فتوقف الحوار الى أن أنجزنا المهمة التي وصلنا إليها، فعدنا أدراجنا عن طريق قرية عبوين ومدينة سنجل، وعندها قفز لدي سؤال هام يتعلق بشكل عام بفكرة هل سينجح أي تحرك جماهيري شعبي في حال لم يتخذ الجيش وقوى الأمن والدرك موقف الحياد؟ وكان جواب المتمرس ” أبو مدحت” أن الحراك سيكتسب زخما أكثر عندما لا تتدخل هذه القوى، حيث سيتجرأ العدد الأكبر من المواطنين ويشاركون في الحراك، أما في حالة تدخل العسكر فسوف ينحسر هذا العدد خوفا وبالطبع سوف تراق دماء الأشخاص الأكثر “عقائدية” وسوف يسقط أخرون من عابري السبيل.

وقبل أن نصل مجلس بلدي سنجل، قفز سؤال عندي يقول ” هل سينجح أي حراك إن كان داخليا فقط دون إسناد من أحد الأنظمة العالمية أو الأنظمة في المنطقة؟” وهنا عاد “أبو مدحت” الى جذورة الماركسية بالقول ” ذلك يعتمد على مصالح الأطراف الاقتصادية ولكن لن يكون مثل هذا التدخل إلا في حالة الحروب الأهلية التي لا نتمناها لأي من شعوب المنطقة”.

حراك اللبنانيين لم يتمخض عنه تشكيل قيادة للحراك ولم يكن هناك نية لتغيير حرس القوى اللبنانية القديم رغم التشديد على المطالبة باستقالة الحكومة وبالتالي تشكيل حكومة انتقالية وإعادة المال المنهوب والاملاك العامة واقرار قانون انتخاب جديد وفقا له يتم اجراء انتخابات مبكرة.

أذا، من الواضح لي أن الحراك اللبناني قد إصطدم ب “لاءات ثلاث” ….. لا لتغيير الدستور، لا لاستقالة الحكومة، وبالتالي لا للانتخابات المبكرة. بمعنى أن النظام السياسي اللبناني سيبقى – في هذه المرحلة – قائما بتركيبته الطائفية، وما الحراك اللبناني إلا حراكا وإنتفاضة على واقع الحال المعيشي ورفضا للفساد المستشري ونهب مقدرات البلد الذي أدى الى إفقار اللبنانيين.

في طريق عودتنا عرّجنا على مدينة بير زيت للقاء أحبة لنا أبناء المرحوم سليمان الصايج وخلصنا الى نتيجة أن الحراك اللبناني الحالي سيسجل في سفر التاريخ، لن يحدث تغييرا جوهريا مفصليا في حياة الشعب اللبناني ولن يؤثر على معادلات لبنان الداخلية ولن يمس بالمعالادت الدولية والاقليمية والعربية في المنطقة … لكنه علامة فارقة إيجابية يبنى عليها في المستقبل … أسيكون ذلك المستقبل قريبا أم بعيدا … حقيقة لا ندري.

var googletag = googletag || {};
googletag.cmd = googletag.cmd || [];

function parseJSAtOnload() {
setTimeout(function () {
/// Google ads
(function () {
var gads = document.createElement(‘script’);
gads.async = true;
gads.defer = ‘defer’;
gads.type = ‘text/javascript’;
var useSSL = ‘https:’ == document.location.protocol;
gads.src = (useSSL ? ‘https:’ : ‘http:’) +
‘//www.googletagservices.com/tag/js/gpt.js’;
var node = document.getElementsByTagName(‘script’)[0];
node.parentNode.insertBefore(gads, node);
})();

// Facebook
(function (d, s, id) {
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s);
js.id = id;
js.async = 1;
js.defer = ‘defer’;
js.src = “http://connect.facebook.net/en_US/sdk.js#xfbml=1&version=v2.5&appId=936960563062431”;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

},0);

}

المصدر
المقال نشر عبر خدمة تلقائية و ادارة الموقع لا تتبنى المحتوى

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.