صحافة

خريطة طريق لإعادة بناء العمل الإسلامي المقاوم في باكستان

بتوقيت بيروت — خريطة طريق لإعادة بناء العمل الإسلامي المقاوم في باكستان

لم تعد قضية العمل الإسلامي المقاوم في باكستان مسألة نوايا أو شعارات، ولا خلافًا حول المبدأ بقدر ما هي أزمة في الفهم والبناء. فبعد عقود من التضحيات، والحضور الرمزي، والاندفاع الصادق، ما زال هذا العمل عاجزًا عن التحول إلى قوة مؤثرة في معادلة الدولة والمجتمع، بل يبدو في كثير من الأحيان أسير ردود الأفعال، أو محكومًا بسقوف لا يصنعها بنفسه.

المفارقة أن هذا العجز لا ينسجم مع حجم باكستان، ولا مع ثقلها السكاني، ولا مع موقعها الجيوسياسي، ولا مع تاريخها الطويل في العمل الإسلامي المنظّم. وهو ما يفرض سؤالًا أبعد من النقاشات التقليدية حول القمع أو المؤامرة أو ضعف الإمكانات.

السؤال الحقيقي هو:

لماذا لم يتحول هذا الرصيد المتراكم إلى مشروع فاعل؟

وأين انقطعت الصلة بين الفكرة والواقع، وبين التضحية والنتيجة؟

إن ما نواجهه اليوم ليس أزمة شجاعة ولا أزمة انتماء، بل أزمة إطار جامع: غياب رؤية تربط التجربة التاريخية بالسياق الراهن، وتحوّل المقاومة من حالة وجدانية إلى مشروع واعٍ يمتلك ذاكرة وخريطة طريق.

من هنا، لا يكون السؤال المطروح: ماذا نفعل؟

بل: من أين نبدأ؟

وكيف نعيد بناء العمل الإسلامي المقاوم في باكستان بوصفه مشروعًا تاريخيًا–واقعيًا، لا مجرّد ردّ فعل على الأحداث.

لقد بيّنا في المقالين السابقين أن الأزمة الراهنة ليست أزمة حماسة ولا صدق، بل أزمة نظرية وذاكرة: غياب إطار جامع يوجّه الفعل، وقطيعة مع التجربة التاريخية التي شكّلت العمل الإسلامي المنظّم في باكستان طوال خمسة عقود ونيف. ومن هنا، فإن أي محاولة للانطلاق من جديد من دون معالجة هذين الجانبين، ليست سوى إعادة إنتاج للفشل بصيغة مختلفة.

أولًا: ماذا نُبقي من التجربة التاريخية؟

إن تجربة العمل الإسلامي الشيعي في باكستان – من حركة المطالب الشيعية، إلى منظمة الطلاب الإمامية، إلى الإطارات المؤسسية التي نشأت في الثمانينيات والتسعينيات، وصولًا إلى مبادرات العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين – ليست مجرد ماضٍ عاطفي، بل مخزونًا استراتيجيًا لا يجوز التفريط به.

ما ينبغي الحفاظ عليه ليس الأسماء ولا الهياكل التي استهلكها الزمن، بل ثلاثة عناصر جوهرية:

الشرعية الاجتماعية التي تأسست عبر النضال من أجل الحقوق والوجود،

القدرة على التعبئة المنظمة التي حوّلت جمهورًا متفرقًا إلى كتلة سياسية–اجتماعية،

العلاقة العضوية بين الدين والقضية العامة، لا بين الدين والطقس فقط.

من دون هذه العناصر، لا يمكن لأي مشروع مقاوم أن يتجذر في المجتمع، مهما كانت شعاراته جذابة أو نواياه صادقة.

ثانيًا: ما الذي يجب تجاوزه بلا تردد؟

في المقابل، هناك إرث ثقيل يجب القطع معه بوضوح، وعلى رأسه:

تحويل العمل الإسلامي إلى منصة زعامات شخصية بدل أن يكون مشروع أمة،

والارتهان الكامل للدولة أو للظرف السياسي الآني بدل بناء استقلالية استراتيجية،

واختزال المقاومة في الخطاب والشعارات، لا في البنية والتنظيم والوعي.

ومع الإقرار بأن التجربة ضمّت شخصيات صادقة ومخلصة، فإن الخلل لم يكن فرديًا بقدر ما كان بنيويًا، حيث أثبتت العقود الماضية أن العمل الذي لا يمتلك عمقًا فكريًا ومؤسسية حقيقية، يتحول سريعًا إلى ملحق لهذا الطرف أو ذاك، ويُستنزف حتى يفقد مبرر وجوده.

ثالثًا: أين كان الخطأ الاستراتيجي الأكبر؟

الخطأ الأعمق لم يكن أمنيًا ولا سياسيًا، بل معرفيًا؛ حين انفصل العمل الإسلامي عن إنتاج النظرية، واكتفى بإدارة الواقع بدل أن يقوده.

فغابت الأسئلة الكبرى:

ما هو المجتمع الذي نريد؟

ما معنى المقاومة في بلد مثل باكستان؟

كيف نربط المحلي بالإقليمي دون أن نذوب فيه؟

والمقصود بالمقاومة هنا لا يختزل في السلاح ولا في المواجهة العسكرية وحدها، بل يشمل الوعي بوصفه شرط التحرر الأول، والسيادة في القرار، والاستقلال عن الإملاءات الخارجية، وبناء القدرة الواقعية على الفعل داخل المجتمع والدولة.

ومن دون هذه الأسئلة وهذا الفهم، تحوّلت المقاومة إلى شعار بلا بوصلة، وتحوّل التنظيم إلى إدارة أزمة لا إلى مشروع تغيير.

الوحدة بوصفها شرط قوة لا شعارًا أخلاقيًا

وسط هذا الخلل النظري، برزت مشكلة أخطر: اختزال العمل الإسلامي في إطار مذهبي ضيق داخل ساحة وطنية لا تعمل بهذا المنطق. لقد أثبتت التجربة أن أي مقاومة لا تمتلك خطابًا وحدويًا وطنيًا، تتحول سريعًا إلى حالة معزولة، مهما كانت تضحياتها صادقة.

في بلد مثل باكستان، حيث يتداخل الدين بالوطن، والمذهب بالدولة، لا يمكن لمشروع مقاوم أن يعيش ما لم يقدّم نفسه بوصفه مشروعًا إسلاميًا وطنيًا جامعًا، لا تعبيرًا عن هوية مذهبية محاصَرة.

الوحدة هنا ليست مجاملة أخلاقية، بل أداة قوة، وليست شعارًا إعلاميًا، بل شرطًا استراتيجيًا لدخول معادلة الدولة والمجتمع.

والمفارقة أن التجارب الأكثر تأثيرًا في تاريخ العمل الإسلامي الباكستاني لم تكن تلك التي انغلقت على ذاتها، بل التي امتلكت قدرة على التواصل مع العمق السني الوطني، وبناء لغة مشتركة حول العدالة، والسيادة، والكرامة، ومواجهة الهيمنة الخارجية، ووحدة المصير.

رابعًا: ما هو الحد الأدنى الواقعي اليوم؟

لسنا في لحظة ثورية، ولا في فراغ كامل. نحن في منطقة وسطى تحتاج إلى بناء تراكمي ذكي، وأقلّه يتطلب:

إطارًا فكريًا يعرّف المقاومة في السياق الوطني الباكستاني، لا بوصفها استيرادًا جاهزًا.

-شبكة علاقات بين العلماء والإعلاميين والنخب الشبابية تكسر العزلة الحالية.

وخطابًا عامًا يخاطب المجتمع الوطني بوصفه حاضنة مستقبلية للمشروع، لا البيئة الشيعية فقط.

هذا الحد الأدنى هو ما يميّز مشروعًا قابلًا للحياة عن حراك عابر، أو اندفاعة موسمية سرعان ما تخبو.

خامسًا: من هم اللاعبون الحقيقيون؟

العمل الإسلامي المقاوم لا يُبنى اليوم عبر حزب واحد أو منظمة واحدة، بل عبر تلاقي ثلاث دوائر:

1.العلماء بوصفهم مرجعية معنوية وفكرية

2.والإعلام بوصفه ساحة الوعي والرأي العام

3.والجيل الجديد الذي لم يتشكّل بعد على سرديات الماضي ولا على هزائمه.

ومن دون جمع هذه الدوائر في مشروع واحد، يبقى كل جهد مجتزأً، وكل مبادرة معرّضة للاحتواء أو التآكل.

خاتمة

إن إعادة بناء العمل الإسلامي المقاوم في باكستان ليست عودة إلى الماضي، ولا قطيعة معه، بل إعادة قراءة واعية له في ضوء الحاضر.

هي ليست استنساخًا لتجارب الآخرين، ولا انعزالًا عنهم، بل تفاعلًا واعيًا معهم من موقع الذات والسياق.

من هنا يبدأ الطريق:

ليس من التنظيم أولًا، بل من الفكرة،

ولا من الشعار، بل من الخريطة،

ولا من الضجيج، بل من البناء الهادئ العميق.

ومن يملك هذه الخريطة، يملك مستقبل الساحة، مهما بدا المشهد اليوم مضطربًا.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى