المشهد من فوق الخزان

زيارة طلب السلاح… أو كيف دخل القرار وخرج العقل

بتوقيت بيروت — زيارة طلب السلاح… أو كيف دخل القرار وخرج العقل

(كوميديا سوداء لبنانية)

كتب محمد قاسم

قبل قليل، حصل المشهد.
دخل إلى عين التينة.
لا ضجيج. لا تصريحات. لا زحمة كاميرات.
دخل كما يدخل موظف محترم ليقدّم طلبًا رسميًا:
طلب سحب سلاح.

مش طلب قرض.
مش طلب تمديد مهلة.
طلب سلاح.

حمل الملف تحت إبطه.
الملف أزرق، أنيق، مرتب، نظيف…
نظيف زيادة عن اللزوم، كأنه لا يعرف أين جاء.

جلس.
ابتسم.
قال الجملة التي تدرّس في كتب الإدارة العامة، لكنها لا تعيش في لبنان:

دولة الرئيس، الحكومة قررت. بدنا نزع السلاح.

قالها بهدوء.
كأنو عم يقول:
“بدنا نغيّر لون الطلاء.”

على الطرف الآخر، كان .
المقاوم القديم.
حامل أمانتين:
أمانة الذاكرة،
وأمانة معرفة هذا البلد من تحت لفوق.

لم يقاطعه.
تركه يكمّل.
ترك القرار يتكلم…
لأنه يعرف أن الورق يحب أن يسمع صوته قبل أن يموت.

نواف تابع، بلهجة رسمية، مدروسة، منمّقة:

القرار أُخذ في مجلس الوزراء. النصاب مكتمل. القرار نافذ. الدولة قررت بسط سيادتها.

كلمة “الدولة” نزلت على الطاولة متل قطعة ديكور جديدة.
جميلة.
لامعة.
بس ما إلها استخدام.

بري نظر إليه.
نظر إلى الملف.
نظر إلى فنجان القهوة.
ثم سأل السؤال البريء القاتل:

أمتى أخدتوا القرار؟

بأيلول.

ومن كان حاضر؟

تردد نواف نصف ثانية.
نصف ثانية فقط.
بس كافية.

الوزراء اللي حضروا…

ضحك بري.
مش ضحكة عالية.
ضحكة جنوبية قصيرة، من النوع اللي بيقول:
“فهمتك.”

يعني أخدتوا قرار نزع السلاح… بغياب اللي حامل السلاح؟

نواف حاول يكمّل.
رجع على النص.
رجع على الورق.
رجع على القانون.

النصاب القانوني… الشرعية الدولية…

قاطعه بري بهدوء أخطر من الصراخ:

إسرائيل جرّبت تاخده بالسلاح سنة 82.
ما قدرت.

رجعت جرّبت بالحروب.
ما قدرت.

جرّبت بالعقوبات.
ما قدرت.

جرّبت بالقرارات الدولية.
ما قدرت.

توقف لحظة، ثم أضاف:

إنت اليوم، جايي بقرار أخدتوه ونحن غايبين…
بدك تعمل اللي ما قدرت عليه الدبابات ونحن حاضرين؟

الصمت نزل على الصالون.
صمت ثقيل.
من النوع اللي بتسمع فيه صوت التاريخ عم يفتح ملفاته.

نواف بلع ريقه.
سأل السؤال الإداري الأخير:

طيب… شو بكتب بالتقرير؟

هون، وضع بري فنجان القهوة.
عدّل جلسته.
اقترب شوي.
وقال الكلمة التي تختصر كل الدولة اللبنانية:

– أفهِش.

نواف رمش.
أف…هش؟

إيه. أفهش.
بما إنك أخدت القرار بغيابنا…
نفّذه بغيابنا.

بس عالأرض؟
أفهش.

لا شرح.
لا ملحق.
لا لجنة متابعة.

خرج نواف سلام من عين التينة كما دخل.
بهدوء.
من دون تصريح.
من دون بيان.

خرج وهو يعرف، في مكان ما بين القانون والواقع،
أن طلب السلاح في لبنان
يشبه طلب المطر من السماء…
لكن بقرار حكومي.

وفي عين التينة،
أُقفل الملف.
وانتهت الزيارة.
وبقيت الكلمة.

أفهِش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى