سنة من الحكم بلا سيادة: لبنان يُدار من الخارج
بتوقيت بيروت — سنة من الحكم بلا سيادة: لبنان يُدار من الخارج
في الذكرى السنوية الأولى لتولّي الرئيس جوزاف عون سدّة رئاسة الجمهورية اللبنانية، وتشكيل حكومة نواف سلام، لا يمكن توصيف هذا العهد الوليد إلا بوصفه نموذجاً مكثفاً للإخفاق السيادي والسياسي والإداري. فبعد مرور سنة كاملة، لم تحمل معها أيّاً من الوعود الكبرى، التي جرى تسويقها للبنانيين في لحظة الإنهاك الوطني ما بعد الحرب العدوانية الإسرائيلية، والمتغيرات الخارجية التي حصلت في منطقتنا. بل على العكس، بدت هذه السنة كأنها ترجمة عملية لمرحلة جديدة من الوصاية الخارجية، أكثر استفزازاً لفئة كبيرة من اللبنانيين، تُدار فيها دولتهم من خارج حدودها، وتُختزل فيها السيادة إلى شعارات فارغة، فيما القرار الفعلي يُصنع في الإدارة الأمريكية وسفاراتها ومن قبل مبعوثيها.
فمنذ الأسابيع الأولى، رُسم الإطار العام للعهد والحكومة كامتداد مباشر للإرادة الأميركية. لم يكن ذلك خافياً في هندسة التسوية السعودية الأمريكية التي جاءت بجوزاف عون رئيساً، ولا في هوية الفريق الذي تولّى إدارة الحكومة بقيادة نواف سلام، والذي حاول وفشل في منع تمثيل المقاومة فيها. فهذه السلطة جاءت نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية لا مكان فيها لإرادة اللبنانيين ولا لمعادلاتهم الداخلية، وكانت جزءاً من برنامج أوسع لإعادة إدخال لبنان في بيت الطاعة الأمريكي، بعد أعوام من صمود المقاومة ونجاحها في تحقيق التموضع المتوازن، خلال مرحلة حروب أمريكا في المنطقة ما بعد أحداث 11 سبتمبر.
السياسة الخارجية الخاضعة لإملاءات واشنطن
في السياسة الخارجية، تكرّس هذا الخضوع بأوضح صوره. لم يعد لبنان الرسمي يتصرّف كدولة ذات مصالح وطنية مستقلة، بل كملحق سياسي ضمن المحور الأميركي في منطقة غربي آسيا. مواقفه في الأمم المتحدة، وفي الملفات الإقليمية الكبرى من فلسطين إلى سوريا، ومن الجمهورية الإسلامية في إيران (في أقل الملفات ولو حتى في شأن الرحلات الجوية ما بين البلدين) إلى العراق، باتت مواقف لبنان الرسمي نسخاً من البيانات الأميركية، مع بعض التعديلات الشكلية لتجميل الصورة داخلياً. حتى في ملف العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، ظهر العهد عاجزاً عن اتخاذ أي موقف سيادي حقيقي، مكتفياً بدور “الوسيط المحايد الإيجابي”، الذي ينقل الرسائل بين واشنطن وتل أبيب، بدل أن يكون رأس حربة في الدفاع عن سيادة بلده.
أما على المستوى الداخلي، فالتدخل الأميركي لم يكن أقل فجاجة. من التعيينات العسكرية والأمنية إلى التعيينات القضائية والمالية، كانت السفارة الأميركية حاضرة بوصفها المرجعية الفعلية. فلم يكن خافياً على أحد أن أسماء كبار المسؤولين والوزراء، كانت تُطرح وتُسقط وتُعدّل وفقاً لمدى رضا الأمريكيين عنها. هكذا تحوّلت مؤسسات الدولة إلى واجهة شكلية لسلطة قرار خارجي، فيما تآكلت فكرة الدولة الوطنية من الداخل.
الفشل الاقتصادي والخدماتي
لكن أخطر ما في هذا المسار لم يكن فقط في مسألة السيادة، بل في انعكاساته الكارثية على حياة الناس. فقد رافق هذا الارتهان السياسي فشل اقتصادي واجتماعي وخدماتي ذريع. وعود إعادة الإعمار التي أُطلقت بعد الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب الأخيرة بقيت حبراً على ورق. لم تُبنَ البيوت المهدّمة، لم تُرمَّم البنى التحتية، ولم تُضخ أي أموال حقيقية كان لبنان وشعبه موعودين بها، فور انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.
أما حكومة الرئيس نواف سلام، التي قدّمت نفسها كفريق تكنوقراطي إصلاحي، سرعان ما انكشفت كأداة تنفيذية لسياسات تقشف وإملاءات صندوق النقد الدولي، أو أداة تنفيذية عاجزة عن تأمين أقل حقوق المواطنين الحيوية، من كهرباء ومياه وغيره. كما جرى تحميل اللبنانيين كلفة الانهيار عبر رفع الضرائب، فيما بقيت شبكات الفساد الكبرى والاحتكارات المصرفية بمنأى عن أي مساءلة فعلية. فلم تُسترد الأموال المنهوبة، ولم يُحاسب المسؤولون عن الانهيار، بل جرى تدوير الزوايا لحماية الطبقة المالية التي تربطها علاقات عضوية بالمراكز الغربية.
وبالعودة الى ملف الكهرباء، الذي يشكّل أحد أكثر رموز فشل الدولة اللبنانية، والذي حاول حزب القوات اللبنانية دائماً الترويج لنفسه بأنه الأجدر بتولي وزارتها، وأن باستطاعته خلال أشهر إصلاحها بشكل جذري. لم يتحقق أي اختراق، فلا تزال ساعات التغذية محدودة (مع مرور فترات انقطاع شبه كامل)، والأسعار مرتفعة، والاعتماد على المولدات الخاصة قائماً. وكل الخطط التي وُضعت بقيت رهينة الرفض الأميركي، لأي تعاون حتى من دول إقليمية تابعة له، كالأردن ومصر، والتي كانت مستعدة لتقديم حلول أقل كلفة وأكثر سرعة. والأمر نفسه ينطبق على المياه والاتصالات. من الشبكات المتهالكة، الى الانقطاعات المتكررة، والخدمات متدنية، والأسعار التي لا تتناسب مع دخل المواطن المنهار. الدولة التي وعدت باستعادة دورها في تأمين أبسط الحقوق، تحوّلت إلى مجرّد جابي ضرائب ورسوم، فيما الخدمات تُترك للسوق السوداء.
أما في الاقتصاد، فكان عنوان العام الأول للعهد هو الركود العميق. لا استثمارات، لا نمو، لا خلق لفرص عمل. الشباب يواصلون الهجرة، والطبقة الوسطى تتآكل، والفقر يتفشّى. كل ذلك فيما الرؤساء يفاخرون بأكثر من ألفي مرسوم، وحكومة تتباهى بأرقام مالية شكلية، لا تعكس أي تحسّن حقيقي في حياة الناس.
في ظل هذا الواقع، سقطت كل الخطابات عن “استعادة ثقة المجتمع الدولي” و”عودة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية”. فالدولة التي لا تمتلك قرارها السياسي، لا يمكنها أن تبني اقتصاداً سيادياً. والدولة التي ترهن كل سياساتها لإرادة الخارج، لن تحصل إلا على الفتات المشروط، لا على مشروع نهوض حقيقي.
السنة الأولى من عهد السيادة الأمريكية، لم تكن مجرد سنة ضائعة، بل كانت سنة ترسيخ لمسار خطير: مسار تحويل لبنان إلى كيان تابع، منزوع الإرادة، فاقد القدرة على حماية نفسه وعلى رعاية شعبه. بدل أن يكون هذا العهد جسراً للخروج من الانهيار، أصبح أحد أدوات تعميقه، عبر ربط كل مفاتيح الحلول ببوابات الخارج.
وهكذا، يقف اللبنانيون اليوم أمام سلطة تكلّمت كثيراً عن السيادة، لكنها لم تمارس منها شيئاً؛ ووعدت بالإعمار، لكنها لم تبنِ حجراً؛ وتحدّثت عن الإصلاح، لكنها أعادت إنتاج دولة غير مستقلة. سنة واحدة كانت كافية لكشف الحقيقة: هذه الدولة التي ارتضت خيار الاستسلام ورفض المقاومة، هي إدارة أزمة لصالح الآخرين، على حساب لبنان وشعبه ومستقبله.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






