صحافة

سوريا الجديدة بين بناء الدولة وانفجار التناقضات

بتوقيت بيروت — سوريا الجديدة بين بناء الدولة وانفجار التناقضات

ترسم الدراسة أدناه من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي صورة مركّبة لسوريا بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، في لحظة تاريخية تتقاطع فيها محاولات تثبيت الاستقرار مع تحديات داخلية عميقة وضغوط إقليمية ودولية متسارعة. فمنذ توليه السلطة، سعى الشرع إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه قائدًا وطنيًا براغماتيًا، متجاوزًا ماضيه الجهادي، وقد نجح نسبيًا في فتح قنوات الاعتراف الدولي واستعادة العلاقات الخارجية، بدعم أميركي واضح، إلا أن الداخل السوري لا يزال مسرحًا لتناقضات حادة تهدد مسار الاستقرار الهش.

على المستوى الداخلي، ركزت الحكومة الانتقالية على إجراءات سريعة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، من خلال تشكيل حكومة تكنوقراط، وصياغة إعلان دستوري مؤقت، وإطلاق حوار وطني للمصالحة، والشروع بخطوات أولية في العدالة الانتقالية. ورغم التحسن الطفيف في مستوى الخدمات الأساسية، إلا أن نمط الحكم لا يعكس انتقالًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل يتجه نحو مركزية شديدة، ومحسوبية، وضعف في التمثيل السياسي، ما فاقم شكوك قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما الأقليات، حيال مستقبل النظام الجديد.

تُظهر الدراسة أن مسألة أسلمة الدولة لم تبرز بوصفها خيارًا رسميًا ممنهجًا حتى الآن، إذ بقي التدين في إطار اجتماعي شعبي أكثر منه مشروعًا تفرضه السلطة، كما أن محاولات فرض معايير دينية اصطدمت في أكثر من مرة برفض مجتمعي دفع الحكومة إلى التراجع، ما يعكس حدود قدرة النظام على فرض توجهات أيديولوجية صلبة.

أما على الصعيد العسكري، فتشير الدراسة إلى أن ما يُسمّى بـ”الجيش السوري الجديد” لا يزال في جوهره كونفدرالية فصائل مسلحة أكثر من كونه جيشًا وطنيًا موحدًا، حيث جرى دمج معظم الفصائل شكليًا ضمن وزارة الدفاع مع الحفاظ على قياداتها وهياكلها المستقلة، الأمر الذي يمنع الصدام المباشر، لكنه يبقي احتمالات التفكك كبيرة في أي أزمة كبرى. كما أدى استبعاد ضباط الجيش السابق، لا سيما من أبناء الطائفة العلوية، إلى تعميق الهواجس الطائفية وفتح الباب أمام نشوء بؤر تمرد محتملة.

تكشف الدراسة بوضوح أن سيطرة الحكومة الانتقالية على الجغرافيا السورية لا تزال منقوصة، إذ تتركز سلطتها المباشرة في المدن الكبرى، بينما تخضع الأطراف الصحراوية والحدودية لسلطة قوى محلية وميليشيات وأكراد وفصائل مدعومة تركيًا، ما يحول دون فرض سيادة كاملة للدولة.

كما تبرز الإشكالية الكردية بوصفها واحدة من أعقد الملفات، إذ رغم التفاهمات الأولية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، لا تزال الخلافات قائمة حول طبيعة الحكم، والسيطرة الأمنية، ومستقبل المؤسسات المحلية، في ظل انعدام ثقة متبادل تغذيه أحداث العنف والصدامات المتكررة.

وعلى المستوى الإقليمي، تنتقل الدراسة إلى تحليل الموقف الإسرائيلي من التحولات السورية، حيث انتهجت تل أبيب خلال العام الماضي سياسة عسكرية هجومية، شملت توغلات وضربات واسعة، بالتوازي مع فتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع دمشق برعاية أميركية. إلا أن هذه المفاوضات تعثرت بسبب الخلاف حول عمق الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل المنطقة العازلة في الجنوب، إضافة إلى مطلب تل أبيب الإبقاء على سيطرتها على جبل الشيخ لأسباب أمنية استراتيجية.

وترى الدراسة أن إسرائيل تتوجس من نوايا الشرع، وتفضّل في المرحلة الراهنة الحفاظ على حرية عملها العسكري داخل سوريا بدل الذهاب إلى تسوية نهائية، بينما تعتبر دمشق التوصل إلى اتفاق ضرورة حيوية لترسيخ شرعيتها واستعادة سيادتها. في المقابل، تضطلع الولايات المتحدة بدور محوري في دفع مسار التسوية، في إطار رؤية أوسع لضبط الإقليم واحتواء إيران وترتيب التوازنات في سوريا ولبنان والأردن.

وتخلص الدراسة إلى أن سوريا تقف بعد عام على سقوط النظام السابق أمام مفترق طرق بالغ الحساسية: فهي لم تنزلق مجددًا إلى الفوضى الشاملة، لكنها لم تدخل أيضًا في مسار استقرار راسخ، إذ لا تزال الدولة ضعيفة البنية، والهويات الفرعية فاعلة بقوة، والجيش غير موحد، والاقتصاد يرزح تحت أعباء خانقة، فيما يبقى مستقبل العلاقة مع إسرائيل وإدارة التوازنات الإقليمية العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

النص المترجم للدراسة

سوريا الجديدة – عام على وصول الشريعة إلى السلطة

كيف تبدو سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد محلياً ودولياً وما هي التوصيات لإسرائيل؟

صادف الثامن من ديسمبر ذكرى سقوط نظام الأسد وصعود الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ورغم ماضيه الجهادي، يسعى الشرع إلى تصوير نفسه قائدًا وطنيًا وبراغماتيًا ورجل دولة. حتى الآن، عززت الحكومة الانتقالية إجراءات الاستقرار والإجراءات السياسية السريعة، بما في ذلك تشكيل حكومة تكنوقراط وبرلمان مؤقت، بالإضافة إلى محاولة إعادة بناء الجيش السوري. وبينما حقق الشرع نجاحات كبيرة في استعادة العلاقات الخارجية لسوريا، وحظي باعتراف دولي ودعم أمريكي، فإنه يواجه على الصعيد الداخلي تحديات عديدة، منها: التوترات الطائفية والدعوات الانفصالية، ووجود جماعات متطرفة وجهادية تعارض مساره، وأزمة اقتصادية خانقة. إلى جانب علامات الاستفهام المحيطة بصورة سوريا ومستقبلها، تشير هذه المقالة إلى التوجهات الناشئة من منظور عام على تولي الحكومة الجديدة. من وجهة النظر الإسرائيلية، ومن بين البدائل المتاحة، يُفضّل أن تتجه إسرائيل نحو ترتيب أمني برعاية أمريكية، مع الحفاظ على آليات رقابة وضمانات واضحة. هذا على عكس استمرار السياسة الحالية، التي تزيد من حدة العداء واحتمال الاحتكاك بين إسرائيل وسوريا.

الساحة الداخلية – بين تحركات الاستقرار والانهيار المحتمل  

لا يزال أبو محمد الجولاني، الزعيم السابق لحركة جبهة النصرة الجهادية، شخصيةً مثيرةً للجدل. فالتصور السائد في إسرائيل، وإن خفت حدته مؤخرًا، هو أنه “جهادي متخفٍّ”، وأن الصورة البراغماتية التي يقدمها للعالم مُضلِّلة. في المقابل، jرى معظم دول المنطقة والمجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، أن الخطوات التي اتخذها حتى الآن تُشير إلى جهدٍ حقيقي لتحقيق الاستقرار في سوريا وإدارتها بطريقةٍ معتدلةٍ ووطنيةٍ ودولية. في حواراتٍ أجراها كاتبا هذه المقالة خلال العام الماضي مع علماء وخبراء تابعوا الشريعة لسنوات، ترددت مزاعمُ أنه قائدٌ براغماتيٌّ وشعبويٌّ وواقعيٌّ مرارًا وتكرارًا – أكثر من كونه مُنظِّرًا مُتعصبًا. ويزعمون أن الشريعة وتنظيمها هيئة تحرير الشام، خضعا منذ عام 2017، مقارنة بالإسلاميين الجهاديين الكلاسيكيين، لعملية تدريجية من إزالة التطرف والتكيف مع الظروف الفريدة التي نشأت في إدلب من أجل البقاء وإقامة السيطرة.

أما بالنسبة لطبيعة النظام الحالي واتجاهه في سوريا، فلا يوجد حتى الآن توجه واضح نحو أسلمة المؤسسات. صحيح أن النظام يسمح بالمحافظة الدينية، وهي أكثر انتشارًا في سوريا اليوم (المناسبات الدينية، ومسابقات حفظ القرآن الكريم، والصلوات الجماعية، وتشجيع اللباس التقليدي)، ولكن في هذه المرحلة لا يوجد إكراه. فالتعبير عن الدين يأتي من الأسفل، أي من شريحة من الجمهور السني المحافظ، وليس بالضرورة بتوجيه من النظام. وعندما يحاول المسؤولون تعزيز المعايير الإسلامية، عادةً ما يُقابلون بمعارضة شعبية، مما يدفعهم في النهاية إلى التراجع عن قرارهم. حدث هذا، على سبيل المثال، عندما جرت محاولة لفرض لائحة تشترط ارتداء ملابس سباحة محتشمة على الشواطئ العامة أو إدخال محتوى ديني أكثر في الكتب المدرسية في عهد وزير التعليم السابق

في الواقع، منذ توليها السلطة، اتخذت الحكومة الانتقالية سلسلة من إجراءات الاستقرار التي ستُمكّن من حكم سليم بعد عقد من العنف والحرب: تشكيل حكومة تكنوقراط، وصياغة إعلان دستوري (دستور مؤقت)، وإطلاق حوار وطني للمصالحة، وبدء عملية تدريجية للعدالة الانتقالية تهدف إلى تسوية أوضاع الموظفين المدنيين والعسكريين من عهد الأسد. عملت الحكومة على إعادة بناء المؤسسات، ونجحت في تحسين وتيرة وجودة تقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، بشكل طفيف. وتم إنشاء مجالس إقليمية تجريبية في بعض المناطق، إلا أن هذه المجالس لا تعمل إلا بشكل جزئي وغير رسمي.

في أكتوبر/تشرين الأول، أجرى النظام انتخابات غير مباشرة للبرلمان (مجلس الشعب). من بين 210 مقاعد في البرلمان، انتُخب حوالي ثلثي أعضاء المجلس عن طريق هيئات انتخابية محلية، بينما يُعيّن الرئيس المؤقت الثلث المتبقي (70 مقعدًا) مباشرةً. مع ذلك، من المقرر إجراء انتخابات عامة لمدة أربع إلى خمس سنوات أخرى، نظرًا لضرورة الوقت لتثبيت آليات الحكم وتكوين عينة سكانية موثوقة.

لا يبدو أن سوريا تتجه نحو الديمقراطية، إذ يمكن بالفعل رصد أنماط حكم شديدة المركزية، واعتماد على المحسوبية، وغياب التعددية، وإجراءات سياسية متسرعة لا تعكس الشمولية والتمثيل، بل يبدو أنها تُجرى لأغراض شكلية. وتُسمع انتقاداتٌ لغياب الشفافية، والمحسوبية، وغياب التمثيل العادل، بشكل رئيسي بين الأقليات (على سبيل المثال، طريقة تعيينه رئيسًا، وطبيعة “لجنة المصالحة الوطنية”، وتشكيل الحكومة، وانتخابات مجلس الشعب)، مما يجعل الشكوك عميقة في الساحة الداخلية، لا سيما في ضوء العنف المرتكب ضد الأقليات في البلاد، بما في ذلك على يد قوات الشريعة.

بناء الجيش السوري الجديد

بدأت الحكومة الجديدة عملية دمج الجماعات المسلحة والميليشيات في آليات الشرطة والجيش. ومع ذلك، يبدو أن “الجيش السوري الجديد” يعمل ككونفدرالية لميليشيات شبه مؤسسية تحت مظلة الدولة أكثر منه جيشًا موحدًا للدولة يحتكر استخدام القوة بشكل واضح. ورغم أن النظام دمج معظم الفصائل المتمردة تحت مظلة وزارة الدفاع، إلا أنه ترك لكل مجموعة تسلسلها القيادي الداخلي الخاص، دون تناوب منهجي للضباط ودون إرساء هوية تنظيمية وطنية مشتركة. تمنع هذه الخطوة الصراع بين الفصائل، لكنها تحافظ على القدرة الكامنة لكل منها على العمل بشكل مستقل في حال حدوث أزمة سياسية أو أمنية. في الوقت نفسه، يُتيح الاستبعاد المؤسسي لضباط وجنود الجيش السوري السابق، ومعظمهم من العلويين، من أجهزة الأمن الجديدة، إمكانية تشكيل كيانات متمردة محلية. في ظل هذه الخلفية، لا تزال الأقليات العرقية – الأكراد والدروز والعلويون – ترى في النظام، الذي يُعرّف نفسه بأنه إسلامي سني، تهديدًا محتملًا. أدت الاشتباكات العنيفة ضد الأقليات إلى إضعاف شرعية المؤسسات الأمنية، وجعلت دمج القوات الكردية في هيكل عسكري للدولة أمرًا بالغ الصعوبة. أما بالنسبة للقدرات العسكرية، فيعتمد الجيش السوري بشكل رئيسي على المشاة الخفيفة، حيث دُمرت معظم أسلحته الثقيلة وبنيته التحتية الجوية والبحرية في الغارات الإسرائيلية. ويعتمد الجيش على توريد الأسلحة والتدريب وأجور المقاتلين، والتي تُموّل جزئيًا من مصادر خارجية، معظمها تركية، ويعمل دون شفافية، ودون سيطرة مدنية فعّالة، وتحت سيطرة أعضاء هيئة تحرير الشام في المناصب القيادية.

وبالتالي، لا تزال القدرة الفعلية للحكومة الانتقالية على بسط سيطرتها وحوكمتها الكاملة محدودة؛ إذ يسيطر النظام بشكل مباشر على حوالي 50-60% من أراضي البلاد، وخاصةً في المناطق الحضرية في دمشق وحمص وحماة وحلب، بالإضافة إلى معظم المدن الكبرى، حيث يتمتع بسيطرة واسعة نسبيًا، تشمل المؤسسات وآليات الأمن وتحصيل الضرائب ونظام التعليم والخدمات الطبية. في المقابل، تُعتبر السيطرة محدودة في المناطق المحيطة (المنطقة الصحراوية في شرق وشمال شرق وجنوب سوريا)، حيث تتركز معظم السلطة في أيدي الميليشيات المحلية والعشائر والأكراد والفصائل الموالية لتركيا والدروز.

تحدي الأقليات

إن موجات الاشتباكات العنيفة ضد العلويين في المنطقة الساحلية، والتي قتل فيها أكثر من ألف مدني، ثم الأحداث العنيفة في محافظة السويداء والهجمات على الدروز، أعادت الكشف عن المتفجرات الطائفية في سوريا وأثارت التساؤل عما إذا كانت هذه سياسة متعمدة من جانب النظام للانتقام و”تصفية الحسابات” مع الأقليات، أم أنها نتيجة ثانوية للحرب الأهلية والنظام الأمني ​​الجديد، الذي يجمع بين عدد كبير من الميليشيات مع قدرة محدودة للغاية للشريعة على السيطرة عليها، بما في ذلك القوات التي تعمل باسمها.

شهدت الطائفة الدرزية تطورات متصاعدة، بدءًا من أحداث جرمانا والسخانية في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان، وصولًا إلى الاشتباكات الدامية ومجزرة السويداء في يوليو/تموز. وقد مثّلت أحداث السويداء نقطة تدنٍّ في علاقات النظام الجديد مع الطائفة الدرزية، وأدت إلى حصار وأزمة إنسانية خانقة في المحافظة. كما فاقمت هذه الأحداث الانقسامات الداخلية في صفوف القيادة الدرزية المحلية، وأشعلت اشتباكات عنيفة بين الفصائل المسلحة. ويدعو بعض كبار القادة الدروز، وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهاجري، علنًا إلى حكم ذاتي للدروز تحت رعاية إسرائيلية، وهو مفهوم يُعمّق الفجوة بين رغبة النظام في دمشق في مركزية السلطات، واتجاه ترسيخ الأقليات الساعية إلى ضمانات أمنية خارجية. ونظراً لسياسة الشرع المعلنة في توحيد سوريا، فمن الممكن تقدير أن استعداده لقبول نماذج لامركزية للحكم المحلي على المدى الطويل سيكون منخفضاً، سواء في الجنوب الدرزي أو في الشمال الشرقي الكردي.

يُميّز غياب الاتفاقات، وجمود المحادثات، والاشتباكات العنيفة المتقطعة علاقات النظام بالأقلية الكردية. ورغم توقيع تفاهمات أولية في مارس/آذار بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ودمشق بشأن دمج الوحدات الكردية في الجيش السوري الجديد ونقل بعض السلطات المدنية إلى الحكومة المركزية، إلا أن التوترات لا تزال قائمة، وقد تفجرت مؤخرًا في شكل قتال متجدد على الأرض. يسعى الأكراد إلى الحفاظ على المؤسسات المستقلة، وآليات الأمن المحلية، وحقوق الأقليات المحمية، بينما يهدف النظام إلى مركزية السلطات الأمنية والإدارية. من وجهة نظر الأقليات، قوضت أحداث العنف الثقة بالنظام كجهة حكومية قادرة على توفير الأمن لجميع فئات المجتمع. علاوة على ذلك، حتى وإن لم يكن هذا توجيهًا “من أعلى”، فقد نشأت مؤخرًا في سوريا ظاهرة شائعة لدى أفراد وجماعات سنية متطرفة، مدفوعة بشعور بالانتقام وشعور بـ”تفوق سني”، مما يشجع على العنف والتطرف ضد الأقليات. وقد تدفقت هذه العناصر من مختلف أنحاء سوريا إلى مراكز القتال لمحاربة الأقليات خلال الاشتباكات مع العلويين والدروز.

السياسة الإسرائيلية في سوريا ومسار التسوية

بعد عام من تبني إسرائيل نهجًا عسكريًا عدوانيًا، والذي تضمن الاستيلاء على المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ وحملة هجمات قوية، بدأت اتصالات مباشرة بينها وبين سوريا منذ أبريل نحو توقيع اتفاقية أمنية محتملة. تشمل النقاط الرئيسية للاتفاقية انسحابًا إسرائيليًا إلى خطوط الفصل لعام 1974 والمطالبة بنزع السلاح من المنطقة الجنوبية السورية، مقابل التزام سوري بالحفاظ على الهدوء على الحدود، ومحاربة محاولات عناصر محور المقاومة (بقيادة إيران) لإعادة تأسيس أنفسهم، والحفاظ على أمن الدروز. ومع ذلك، فقد أفيد مؤخرًا أن المحادثات وصلت إلى طريق مسدود في ضوء الفجوات العميقة بين الطرفين – وخاصة حول نطاق انسحاب قوات جيش الدفاع الإسرائيلي والمطلب الإسرائيلي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا والسماح بممر إنساني للدروز في السويداء.

في أعقاب زيارة الشرع إلى واشنطن، ازداد قلق إسرائيل من احتمال ضغط ترامب عليها لتقديم تنازلات بشأن وجودها العسكري على الأراضي السورية بهدف تعزيز التسوية. من جانبهم، يواصل المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للوجود العسكري، ولا سيما السيطرة على جبل الشيخ، لأغراض الإنذار المبكر ومنع تهريب الأسلحة إلى حزب الله.

بالنسبة لدمشق، يُعدّ التوصل إلى اتفاق أمرًا بالغ الأهمية، إذ يُفترض أن يُرسّخ سيادتها وشرعيتها نتيجةً لوقف النشاط الإسرائيلي. أما بالنسبة لتوسيع العلاقات وصولًا إلى التطبيع الفعلي، فقد أكد الشرع أن هذا الأمر غير مُجدٍ في هذه المرحلة: “وضع سوريا يختلف عن الدول الأخرى التي انضمت إلى اتفاقيات إبراهيم، إذ لها حدود مشتركة مع إسرائيل التي تحتل الجولان السوري“.

رغم الاتصالات، لا تزال إسرائيل حذرة ومتشككة بشأن نوايا الشرع وقدرته على كبح جماح الجهات المعادية داخل سوريا. لذلك، تُفضل إسرائيل في هذه المرحلة الحفاظ على حرية تحركها والتصدي بنفسها لأي تهديد أمني يظهر على الحدود. وهكذا، كانت الغارة الإسرائيلية على بيت جن في 28 نوفمبر/تشرين الثاني تهدف إلى اعتقال ناشطين من تنظيم “الجماعة الإسلامية” كانوا يخططون للترويج لهجوم على إسرائيل. وتعقدت العملية بعد إطلاق النار على قوات جيش الدفاع الإسرائيلي، التي ردت بإطلاق النار، مما أسفر عن سقوط قتلى في الجانب السوري وإصابة ستة من مقاتليه. وقد حوّل هذا الحادث، الذي وقع في يوم الاحتفالات بذكرى سقوط نظام الأسد، ودفع مئات الآلاف من السوريين إلى التظاهر دعماً لوحدة البلاد، الانتباه عن الدعوات ضد إسرائيل. في نظر الرأي العام السوري، اعتُبر الهجوم جزءًا من “سياسة عدوانية متواصلة” من جانب إسرائيل، التي ترى أنها تعمل على توسيع حدودها وتسعى لزعزعة استقرار النظام، وإثارة الفوضى، وتأخير التوصل إلى اتفاق. يُظهر هذا الحدث، إلى جانب تنامي المشاعر المعادية لإسرائيل في سوريا، خطر تزايد الاحتكاك مع إسرائيل. في الوقت نفسه، تتزايد الانتقادات الإقليمية والدولية لاستمرار الوجود الإسرائيلي على الأراضي السورية.

ترى الولايات المتحدة أن التسوية بين إسرائيل وسوريا عنصر أساسي في صياغة تسوية إقليمية أوسع، تشمل احتواء إيران، واستقرار حدود الأردن ولبنان، والتحرك نحو خطوة سياسية تُحقق لواشنطن إنجازًا استراتيجيًا هامًا. في الواقع، من الواضح أن تصاعد التوترات بين الطرفين دفع ترامب في الأسابيع الأخيرة إلى الإدلاء بسلسلة من التصريحات الداعمة لجهود الحكومة السورية لتحقيق الاستقرار، وداعيًا إسرائيل للعودة إلى المفاوضات وعدم المساس بالعملية. وعلى غرار السلوك الأمريكي في حرب قطاع غزة – حيث أملت واشنطن فعليًا صيغة النهاية ووضعت إطارًا ملزمًا لوتيرة واتجاه الأحداث – قد ينشأ نمط مماثل في الساحة السورية، ولذلك من المهم لإسرائيل أن تدفع التسوية بشروط مواتية لها قبل أن يزداد الضغط الخارجي ويُملي عليها تنازلات.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى