المشهد من فوق الخزان

سيمياء التناقض وفلسفة “الرفقة” المستحيلة

بتوقيت بيروت — سيمياء التناقض وفلسفة “الرفقة” المستحيلة

كتب محمد قاسم

(تشريح في مختبر الكوميديا السوداء اللبنانية)

مساء الخير. إذا بعد في كهربا تقروا، وإذا ما في، تخيّلو النص. وإذا تخيّلتوه وما ضحكتوا، مش لأنو مش مضحك… لأنو الواقع اللبناني سبق النكتة بخطوتين، وصار هو اللي عم ينكّت علينا.تمثل ظاهرة شارل جبور حالة دراسية فريدة؛ حيث يتقاطع الاستعراض الإعلامي مع التحولات الأيديولوجية الحادة، منتجةً ما يمكن تسميته “بالكوميديا السوداء السياسية”. تحليل هذا الخطاب يتطلب غوصاً في أعماق تناقضات بنيوية، تبدأ من ملف الكهرباء الذي تحول إلى “عتمة سياسية”، وصولاً إلى بدعة “الرفيق الجولاني” التي هزت الوجدان الوطني.

سيمياء التناقض وفلسفة “الرفقة” المستحيلة
سيمياء التناقض وفلسفة “الرفقة” المستحيلة

بهالبلد، صار في شغلتين ثابتتين: العتمة، وإنو كل شي بيقدر يصير «رفقة» إذا نفع. أنا مش جايي حاكِم، أنا جايي اسأل. لأنو السؤال بهالمرحلة صار فعل مقاومة. يعني لما الواحد بيقول: «ليش؟»، بيطلع فيك شي زلمة، بربطة عنق، بيقلك: «هيدا سؤال مش بوقتو».

مختبر “الرفقة” العجيبة: من جبهة النصرة إلى صالونات معراب

“الرفيق الجولاني نجح في قطع ممر طهران.. الجولاني يشبهنا أكثر من حزب الله”

— شارل جبور (في لحظة تجلي استراتيجي)

تعتبر اللحظة التي نطق فيها جبور بعبارة “الرفيق الجولاني” لحظة مفصلية في تاريخ “السقوط الرمزي”. هذه العبارة لم تكن هفوة لسان، بل كانت تعبيراً عن “كيمياء سياسية” تحاول تحويل الرصاص الذي ذبح العسكريين اللبنانيين إلى “أقلام” تكتب فصولاً في المقاومة السورية.

نحنا بلد الرفاق. بس ما بعرف من وين إجت هالرفقة الجديدة. أنا بعرف الرفيق بالحزب، بالزنقة، بالمقهى. بس الرفيق اللي كان مبارح عم يذبح عسكريين؟ هيدا صار بحاجة لمعجم جديد. قالولنا: «براغماتية». آه! يعني إذا ذبحك مبارح، بس قطع ممر اليوم، بيصير رفيق. هيك بتصير السياسة متل المطبخ: البهار بغطّي طعم اللحم. بس في لحم ما بينأكل… ولو غرقته بهارات.

وجه التناقض الموقف المعلن (السيادة) الموقف العملي (البراغماتية المشبوهة)
شرعية السلاح السلاح حصراً بيد الجيش. الجولاني “رفيق” وسلاحه “استراتيجي”.
الموقف من الإرهاب رفض كلي للفكر التكفيري. الجولاني “رجل دولة” يشبهنا!
الذاكرة الوطنية الوفاء لشهداء المقاومة. تجاهل دماء عرسال لصالح “الرفقة”.

عرسال والدم المسفوك: حين يحرج الدم “الخطاب”

لا يمكن الحديث عن تناقضات جبور دون الوقوف عند جرح عرسال. بينما كان يوزع ألقاب “الرفقة”، كانت ذاكرة اللبنانيين مسكونة بصور ذبح العسكريين (علي السيد، محمد حمية، عباس مدلج وغيرهم). العسكري اللي انذبح ما كان يسأل مين ضد مين؛ كان واقف عالحدود عم يدافع عن بلد السياسيين فيه بيتخانقوا عالتغريدة.

جاء رد أهالي الشهداء صاعقاً؛ فوالد الشهيد محمد حمية لم يرَ في الجولاني “رفيقاً”، بل رآه “جرثومة”. المفارقة تكمن في أن جبور الذي يدعي الدفاع عن “الشرعية”، يجد نفسه في موقع المتهم بالاستهانة بدماء حماة هذه الشرعية. بس لما الدم بيحرج الخطاب، منعمله «تأجيل». منقله: «مش هلّق». بس الدم ما بيعرف “بعدين”.

“Comrade Trump” وفانتازيا الديكتاتور العادل

ينتقل جبور في “رحلته التناقضية” إلى الغرب، حيث تبرز تغريدته حول ترامب ومادورو. يبارك “الضربات الأمريكية” ويدعو إلى “ديكتاتور عادل” لإنقاذ العالم من “الميوعة”.

فجأة، طلع معنا «الديكتاتور العادل». حلوة. متل «اللصّ الشريف». يعني بدّك واحد يكسّر الدنيا، بس بنية طيبة. والأحلى؟ إنو هالديكتاتور بيطلع برا البلد. يعني الاستبداد إذا كان مستورد، بيصير سيادي. بس إذا حدا بالداخل رفع صوته، منقله: «إسكت، عم تخرّب البلد». عبارة “كل التحية للرفيق ترامب” هي قمة الكوميديا السوداء؛ استخدام مصطلح يساري لوصف رئيس رأسمالي شعبوي يعكس ضياعاً كاملاً في المفاهيم.

“قوات العتمة”: حين تتحول السيادة إلى “ماس كهربائي”

في الداخل، يرتبط اسم جبور بالسخرية من ملف الكهرباء. “السيادة” هنا تتوقف عند حدود المناكفات. بدلاً من الحلول، يتحول الخطاب إلى “تهويل” دائم. أثار جبور عاصفة عندما قال إن خصومه “ما بيشبهونا”.

الاختلاف بهالبلد صار خدمة. متل الاشتراك. في ناس معها كهربا سيادية، وناس معها شمعة وطنية، وناس معها ولا شي… بس معها صبر. هيدا الخطاب “الانفصالي” هو الوجه الآخر لـ “الرفقة” مع الجولاني؛ فمن لا يشبهه في الوطن هو عدو، ومن يذبح أبناء وطنه في الخارج هو “رفيق” طالما أنه يضعف خصمه المحلي.

شبح أنطوان لحد: “جنرال الحمص” كمرآة للمستقبل

وبآخر المسرحية، بيطلع شبح قديم. مش ليخوفنا، ليذكّرنا. أنطوان لحد، الذي تخرج من الأكاديمية العسكرية، انتهى به المطاف “خائناً” يفتتح مطعماً للفول والحمص في تل أبيب بعد أن خذله مشغلوه.

هذه النهاية “الساخرة” للحد تمثل تحذيراً أبدياً لكل من يراهن على القوى الخارجية. اليوم، عندما يراهن جبور على “الرفيق الجولاني” أو “الرفيق ترامب”، فإنه يسير في المسار نفسه؛ مسار الارتهان للخارج مقابل فتات السلطة. وإذا كان لحد قد اشتهر بـ “حمص تل أبيب”، فإن جبور قد يشتهر بـ “عتمة معراب” التي تحاول إضاءة شمعة لـ “رفيق” في إدلب، متجاهلةً حرائق القلوب في بيوت الشهداء.

الخلاصة؟ السياسة بهالبلد ما بدها تحليل، بدها طبيب نفسي، أو مسرح، أو قعدة قهوة بلا كهربا.

لأنو لما بتصير الديكتاتورية رأي، والتغريدة عقيدة، والدم تفصيل، والرفقة هواية… اعرف إنك مش ببلد. أنت بمسرحية. والمشكلة مش إنو ما عم نضحك. المشكلة إنو ما عاد في ستارة تنزل.

تصبحوا على دولة… إذا لقيتوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى