“طفيلي” فيلم عن العبودية المعاصرة في صيغتها الكورية الجنوبية

41
"طفيلي" فيلم عن العبودية المعاصرة في صيغتها الكورية الجنوبية 1

من فيلم “طفيلي” الكوري الذي يعرض في القاهرة (اندبندنت عبيرة)

لا يتضمن الفيلم الكوري الجنوبي Parasite (طفيلي) الذي استضافته سينما زاوية في القاهرة أخيراً صوراً سينمائية مبهرة أو انتقالات كثيفة ومتنوعة للكاميرا، فهو يعتمد كما يبدو على ميزانية متواضعة، لكنه استطاع مع هذا، وخلال الأشهر القليلة الماضية جذب انتباه الجمهور والنقاد، وتصدرت أخباره صفحات المواقع المهتمة بالسينما حول العالم. ما يلفت الانتباه إلى فيلم “طفيلي” أنه يُثبت لنا بالفعل أنه بالإمكان صناعة عمل سينمائي جيد بميزانية ضئيلة، اعتماداً على قيمة الطرح والمعالجة السينمائية التي يتبناهما العمل، وهي بديهية لا تخفى بالطبع على المهتمين بصناعة السينما حول العالم، لكنها قد لا تتجسد في الحقيقة إلا في عدد من الإنتاجات الضئيلة التي تطرحها السينما العالمية، لعل هذا الفيلم هو واحد منها.

تنتقل معظم مشاهد الفيلم بين بيئتين مختلفتين: شقة صغيرة أشبه بالقبو في أحد الأحياء الفقيرة تقطن فيها عائلة “كيم” المكونة من الأب العاطل من العمل وزوجته، وابنته الشابة ذات الطباع الحادة، وابنه اليافع الذي يحلم بالالتحاق بالجامعة. ثمة نافذة زجاجية قريبة من مستوى سطح الأرض تراقب الأسرة من خلالها حركة المارة والسيارات. هكذا تعيش أسرة كيم، في حيز صغير يضم مائدة طعامهم وموضع نومهم ومرحاضهم أيضاً، كما يحتضن تطلعاتهم وأحلامهم الصغيرة التي لا تتحقق. على الجانب الآخر تطالعنا عائلة “بارك” البالغة الثراء والتي تقطن في أحد الأحياء الراقية، حيث الرفاهية والفراغ والوفرة. لا تكاد مشاهد الفيلم تخرج عن هاتين المساحتين المتباينتين إلا قليلاً.

يمكن تصنيف الفيلم كأحد أفلام الكوميديا السوداء، فالمفارقات المرحة التي يزخر بها تعتمد في جانب كبير منها على تشابك العلاقات بين أصحاب هذه الشقة الصغيرة التي تشبه القبو والبيت الكبير لعائلة بارك. ثمة إشارات كثيرة يتضمنها الفيلم حول الفروق الاجتماعية الشاسعة والصراع الطبقي المتواري خلف غلالة من الرياء والكذب والإدعاء. وثمة تساؤلات أخرى مبطنة حول الأشكال المعاصرة للعبودية وطبيعة العدالة الاجتماعية في عالمنا المعاصر. لعل هذه القضايا والتساؤلات التي يطرحها الفيلم كانت أحد أسباب نجاحه خارج كوريا الجنوبية، فهو يناقش أزمة مشتركة تعيشها المجتمعات الإنسانية كافة، وتتفاقم مظاهرها على نحو أكثر حدة داخل المدن الكبيرة والصناعية.

تحديات يومية

في الفيلم تجاهد أسرة “كيم” من أجل توفير وجبة يومية تبقيهم على قيد الحياة، ويتعايش أفرادها مع هذه التحديات اليومية التي تواجههم بأريحية، ويتقبلونها بحس مرح أحياناً، كاعتياد المارة مثلاً على التبول بجانب شرفتهم، ومعاناتهم كذلك في التقاط إشارة الإنترنت الخاصة بجارتهم، ناهيك عن الروائح الكريهة والحشرات الزاحفة على طعامهم. في المقابل نرى أن كل ما يؤرق السيد بارك وأسرته يتمثل في فشلهم في ترويض طفلهم الغريب الأطوار، والحصول على معلم مناسب لابنتهم المراهقة. تبدو الأم هنا مولعة بالثقافة الأميركية، فهي تستورد ألعاب طفلها من الولايات المتحدة، وتختار اسماً أميركياً للمُعلم بدلاً من اسمه الكوري، وتتحمس بشدة لمعلمة الرسم حين تعرف أنها درست الفن في مدينة شيكاغو. الولايات المتحدة وثقافتها حاضرة هنا بقوة، ولها تأثير كبير في الطبقة التي تمثلها تلك العائلة الثرية. الانفصال عن المحيط العام والتشبث بثقافة أخرى مغايرة، يمثلان جانباً من التفاصيل التي تعمّد مخرج الفيلم إبرازها والتأكيد عليها، عبر الحوار بين الشخصيات مرة، ومن خلال الصورة أحياناً، كاستعراضه مثلاً للشهادات والوثائق الأميركية المُعلقة على الجدار كمدعاة للفخر لدى أسرة بارك.

يجمع القدر أفراد الأسرتين داخل مساحة واحدة، حيز قريب يتأمل فيه أفراد الأسرتين بعضهم بعضاً كأنهم يكتشفون جانباً مجهولاً من العالم. تنقلب حياة أسرة كيم رأساً على عقب حين يحظى الابن الشاب بفرصة للعمل لدى أسرة بارك كمدرس للغة الإنجليزية لابنتهم المراهقة، يتشبث الجميع بهذه الفرصة، حتى أنهم لا يتورعون عن تزوير أوراق رسمية تثبت لأرباب العمل أن ابنهم خريج إحدى الجامعات. وينتهز الشاب الفرصة حين يعلم أنهم يبحثون عن معلم للفنون ويُرشح لهم شقيقته أيضاً، لكنه يقدمها لهم كصديقة له. يتسلل كل من الأب والأم إلى البيت بالطريقة نفسها، ليعملوا جميعاً في بيت بارك متظاهرين أنهم غرباء عن بعضهم بعضاً. في هذه الأجواء المُريبة والملبدة بالكذب سرعان ما تكتشف أسرة كيم مدى بؤسها وحقيقة وضعها، وتساور أفرادها الأحلام في لحظة نشوة ينفردون خلالها بالبيت، لكنهم حين يصلون بتطلعاتهم إلى الذروة، يستفيقون على كارثة لم تكن في الحسبان. مديرة المنزل السابقة تستأذنهم لاسترداد غرض لها نسيته داخل البيت. وحين تكشف لهم هذه الزائرة عن السر الذي خبأته لسنوات عن أصحاب البيت، تنقلب الأوضاع رأساً على عقب، ويتحول الأمر إلى صراع محموم في دهاليز البيت السُفلية؛ صراع لا يعلم عنه أصحاب البيت شيئاً، حتى يتفجر الموقف في النهاية ويُفضي إلى مأساة.

حصل فيلم Parasite (طفيلي) على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان الثاني والسبعين، وهو أول فيلم من كوريا الجنوبية يحصل على هذه الجائزة، كما صُنف أخيراً كأحد أكثر الأفلام الأجنبية جذباً للجمهور في شباك التذاكر الأميركية، هذا علاوة على ترشيحه لأكثر من جائزة بين جوائز الأوسكار التي تمنح للأفلام غير الناطقة بالإنجليزية، والتي من المقرر الإعلان عنها خلال الأسبوع الثاني من شهر فبراير(شباط)، ويُتوقع أن يحظى الفيلم بواحدة منها على أقل تقدير.

subtitle:
عرضه في القاهرة يجذب الجمهور والنقاد… ويتيح مقارنته بالسينما المصرية
publication date:
الجمعة, يناير 24, 2020 – 19:30

ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

مصدرالخبر

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.