غريم الرأسمالية وجرّاح النظام العالمي

3

في اليوم الأخير من شهر أغسطس/آب عام 2019، أسدل الستار على حياة واحد من أهم مفكري القرن العشرين الاجتماعيين وأكثرهم ريادة وتبصرًا، هو إيمانويل والرشتاين عالم الاجتماع الأمريكي الذي كرس عمره البالغ 88 عامًا للبحث الأكاديمي وقضايا العدالة والتغيير.

ستظل بصيرة والرشتاين الواسعة وعمق اطلاعه وإرثه النظري معينًا فكريًا لا ينضب للذين يخوضون الصراعات الفكرية والسياسية لتغيير الأوضاع القائمة في العالم

لم يكتف إيمانويل والرشتاين بكتابة عشرات الكتب المهمة ومئات الأوراق البحثية والمقالات الأكاديمية، بل كان باحثًا ميدانيًا جادًا أيضًا، وسافر بلا انقطاع إلى جميع أنحاء العالم للبحث وإلقاء المحاضرات. رغم ذلك ظل على إخلاصه للمجتمع الأكاديمي وأدى أدوارًا عدة في مؤسسات التعليم العالي ومجالس تحرير المجلات العلمية وانتخب رئيسًا للجمعية الدولية لعلماء الاجتماع.

اقرأ/ي أيضًا: مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

بدأ اهتمام إيمانويل والرشتاين بالشأن العام قبل انخراطه في الحياة الجامعية مع قضية استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني في منتصف القرن العشرين، وفي منتصف عقد الخمسينات نال الاهتمام الأكاديمي عن رسالة الماجستير التي أعدها عن ظاهرة المكارثية في الثقافة السياسية الأمريكية، لكنه حاد بعدها عن الشأن الداخلي الأمريكي وصب اهتمامه الفكري والسياسي على أفريقيا. فكتب رسالة الدكتوراة الخاصة به عن الدور الذي لعبته المنظمات التطوعية في غانا وساحل العاج في نشوء الحركات القومية. من حينها ظل الشأن الأفريقي بتطوراته السياسية وقضاياه الاجتماعية خلال فترة التحرر من الاستعمار شغله الشاغل.

بالنسبة لإيمانويل والرشتاين لم يكن الصراع الأبرز في القرن الواحد والعشرين هو الحرب الباردة بين النظم الاستبدادية والنظم القمعية أو الصراع الطبقي بين البرجوازية والبروليتاريا، بل كان صراع التحرر من الاستعمار بين الجنوب والشمال. كتب عن هذا الأمر قائلًا: “شعرت في الخمسينات أن أهم أحداث العالم في القرن العشرين هو الصراع الذي يخوضه العالم للتخلص من السيطرة الغربية. اليوم نحن نسمي هذا المجال البحثي بعلاقات الشمال والجنوب، أو علاقات المركز والأطراف، أو مشكلة المركزية الأوروبية. على أن أقول إنه في الخمسينات وما تلاها من السنوات لم يشاركني كثير من الناس الاعتقاد بأهمية هذا الصراع. بالنسبة لهم كانت الحرب الباردة بين النظم الاستبدادية والديمقراطية أو بين البرجوازية والبروليتاريا هي القضية الأهم في زماننا. لهذا لم تقتصر مهمتي على خوض معركة ضد الإجماع القائم في مجال البحث السياسي والاجتماعي فقط، بل وضد المفاهيم الداخلية التي تزرعها وجهات النظر المهيمنة هذه داخل عقلي نفسه”.

في سبعينات القرن العشرين بدأ إيمانويل والرشتاين مرحلة جديدة من رحلتة الفكرية وصب تركيزه على منظور جديد سماه “تحليل أنظمة العالم”، وبناه على ركنين أساسيين أحدهما إبستمولوجي والآخر منهجي. الركن الأول هو تحديد “وحدة التحليل”. قام علم الاجتماع الحديث على افتراض أن حدود الدولة تشكل حدود المجتمع. أصر والرشتاين على أن هذا افتراض مضلل يتجاهل تبعية المجتمعات واعتمادها المتبادل على بعضها البعض. والأمر كذلك رأى إيمانويل والرشتاين أن الوحدة التحليلية الأنسب لفهم التغيرات الاجتماعية هي “نظام العالم”، أي النظر إلى العالم باعتباره وحدة سياسية متكاملة بدلًا من النظر إلى كل مجتمع على أنه وحدة قومية منغلقة على ذاتها. الركن الثاني الذي قام عليه عمل إيمانويل والرشتاين هو أن على كل التحليلات أن تكون تاريخية ونظامية إذا أرادت حقًا أن تقدم تفسيرات للواقع وللتغيرات الاجتماعية. قوبل منظوره هذا بفتور شديد في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، لكن إسهامه البحثي أصبح بارزًا وكان له تأثير كبير على البحث في مجال علم الاجتماع.

غيرت نظرية أنظمة العالم التي وضعها إيمانويل والرشتاين الطريقة التي نفهم بها التاريخ والرأسمالية والكولونيالية والليبرالية والعلوم الاجتماعية. صاغ تحليله هذا في كتاب من أربعة مجلدات يسمى “نظام العالم الحديث”، ومجموعة مقالات من ثلاثة مجلدات تسمى “اقتصاد العالم الرأسمالي” و”سياسة الاقتصاد العالمي” و”الجغرافيا السياسية والجغرافيا الثقافية”. في هذه المجلدات أنتج والرشتاين معرفة فريدة تربط بين الدول والاقتصاد السياسي والأيديولوجيا والأسواق والطبقات والشركات والعمل وسياسات الهوية.

قال إيمانويل  والرشتاين ذات مرة: “إن تحليل أنظمة العالم، ليس نظرية مكتملة، بل هو احتجاج على القضايا المهملة وضد الأنظمة المعرفية المضللة. هو مهمة فكرية توجب عليها أن تخوض غمار السياسة، لأن البحث عن الحقيقة والبحث عن الخير هما مسعى واحد. إذا كان لنا أن نتحرك باتجاه نظام عالمي أكثر عقلانية بتعبير ماكس فيبر، فيحب علينا ألا نتجاهل أي من التحديات الفكرية أو السياسية على حساب الأخرى. ولا يمكننا بالأساس أن نفصل بينهم”.

احتل موضوع انعدام المساواة بين العالم الثالث والغرب والهوة الكبيرة التي تفصل بينهما قسمًا كبيرًا من أعماله. وقال إن السبيل الوحيد لتصحيح الوضع هو تغيير معادلة النظام العالمي لكيفية تقسيم العمل وتوزيع الأرباح. وبحسب إيمانويل والرشتاين لا يمكننا النظر إلى الرأسمالية باعتبارها أنظمة اقتصادية متعددة، بل هي هيكل واحد يؤطر النظام العالمي الحديث كله. لا جدوى إذن من دراسة أنظمة اقتصادية محددة لفهم التغيرات السياسية والاجتماعية. ما نحتاجه هو وحدة تحليل ترفض الاعتراف بالحدود المرسومة للمجتمعات.

إن العدة النظرية الأفضل من وجهة نظره، هي النظر إلى التغيرات الاجتماعية في سياق التفريق بين المركز (شمال أوروبا، أمريكا الشمالية، أستراليا) والأطراف، باعتبار المركز هو المحرك الذي يسير النظام الرأسمالي العالمي. وفي سياق هذا التحليل تظهر لدينا أربع فئات مختلفة هي المركز وأشباه الأطراف والأطراف والأقاليم الخارجية. يساعدنا هذا التقسيم على فهم الوحدات السياسية في العالم وفهم كيفية تقسيم العمل والثروة. يتمتع المركز برؤوس الأموال والمهارات المتخصصة، في حين تقدم الأطراف العمالة الكثيفة والرخيصة وغير المدربة والمواد الخام.

تجاوزت الرأسمالية في مسيرتها الحدود القومية ولم تفرض إنشاء امبراطورية سياسية بالمعنى التقليدي للكلمة. فبحسب إيمانويل والرشتاين تمكنت الرأسمالية باعتمادها على التقنيات الاقتصادية والتكنولوجيا العلمية الحديثة من خلق نظام اقتصادي عالمي متوسع دون الحاجة لظهور بنية سياسية موحدة تجاريه. لذا فإن دراسة المجتمعات كوحدات سياسية منفصلة يغفل هذا النظام العالمي وتأثيراته الاجتماعية على مختلف المجتمعات الإنسانية.

اقرأ/ي أيضًا: في تهميش “أصحاب الامتياز”

في النهاية تمثل حياة إيمانويل والرشتاين وعمله رحلة من الأصالة الفكرية والالتزام تجاه الجمهور العالمي. في الأول من يوليو/تموز الماضي كتب والرشتاين تعليقه الأخير بعنوان: “هذه هي النهاية، هذه هي البداية” قال فيه: “أيًا كانت المسارات التي سيسير فيها العالم، قلت في الماضي إن الصراع الأهم هو الصراع الطبقي، وأعني هنا الطبقة بمعناها الواسع. سيكون على من سيعيشون في المستقبل خوض هذا الصراع لإحداث تغيير حقيقي. ما زلت مؤمنًا بذلك، لذا أعتقد أن هناك فرصة بنسبة 50% أننا سننجح في إحداث تحول كبير يغير الوضع القائم. لكن لا أراها تزيد عن 50%”.

لم يكتف إيمانويل والرشتاين بكتابة عشرات الكتب المهمة ومئات الأوراق البحثية والمقالات الأكاديمية، بل كان باحثًا ميدانيًا جادًا أيضًا، وسافر بلا انقطاع إلى جميع أنحاء العالم للبحث وإلقاء المحاضرات

ستظل بصيرة إيمانويل والرشتاين الواسعة وعمق اطلاعه وإرثه النظري معينًا فكريًا لا ينضب للذين يخوضون الصراعات الفكرية والسياسية لتغيير الأوضاع القائمة في العالم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 “أن ترى كدولة” لجيمس سكوت.. مجزرة التجانس وعقدته

 

المقال نشر عبر خدمة النشر التلقائي من المصدر و ادارة الموقع لاتتبنى المحتوى او الرأي المنشور

لقراءة المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.