فيلم عكّاري طويل
بتوقيت بيروت — فيلم عكّاري طويل
حين تُحكم الدولة من رقمٍ غير محفوظ
مقال رأي – كوميديا سوداء
كتب محمد قاسم
الدولة التي سقطت لأنّها ردّت
في هذا البلد،
لم تسقط الدولة بانقلاب عسكري،
ولا بحرب أهلية جديدة،
ولا حتى بفضيحة “تليق” بتاريخنا الطويل مع الفضائح.
سقطت…
لأنها ردّت على الهاتف.
لم يقتحم أحد المكاتب،
لم تُكسَر الأبواب،
لم يُشهر سلاح،
ولم تُفرض قرارات بالقوة.
كل ما في الأمر أن صوتًا قال:
«أنا من الديوان».
وكان ذلك كافيًا.
سيادة بلا أوراق
لا أوراق.
لا أختام.
لا أسماء واضحة.
لا بيان رسمي.
فقط نبرة واثقة،
وكلمة سحرية اسمها “الديوان”،

وسيادة جاهزة للتنفيذ.
رنّ الهاتف.
ونزل القرار.
بهذه البساطة التي لا تحتاج إلى شرح،
ولا إلى دستور،
ولا إلى دولة.
العرض المعتاد: إنكار… ثم تبرير
بعدها بدأ العرض الذي نعرفه عن ظهر قلب:
«ما منعرفو».
ثم: «منعرفو شوي».
ثم: «بس إنساني».
ثم: «دفع مصاري… بس علاج».
وأخيرًا الجملة التي تُغلق أي نقاش:
«الاعترافات انتُزعت بالقوة».
الغريب ليس التناقض.
الغريب أن لا أحد شعر أن كرامته مُسّت.
ولا واحد قال:
«كيف سمحنا لأنفسنا أن نُدار بهذه الطريقة؟»
ولا واحد تصرّف كضحية.
ولا واحد قال إنه خُدع.
كأنّ الجميع كان يعرف…
أو لا يريد أن يعرف.
الإنسانية كآلية عمل
السياسة في لبنان لا تمرّ عبر الدولة.
تمرّ عبر المرض،
وعبر الفقر،
وعبر كرتونة،
وعبر فاتورة مستشفى.
لذلك ليس مستغربًا أن تمرّ الأموال عبر مؤسسات “إنسانية”.
فالإنسانية هنا ليست قيمة أخلاقية،
هي آلية عمل.
وسيلة نقل.
طريق مختصر.
أما المؤسسات التي يُفترض أن تسأل وتدقّق،
فهي بعيدة دائمًا…
لكنها ترى،
وتسمع،
وتعرف متى تصمت.
مشهد «منقول»: الحكاية كما رُويت
في منتصف هذا “الفيلم”،
يظهر مشهد بعنوان: منقول.
ليس حكمًا قضائيًا،
ولا تقريرًا رسميًا،
بل حكي متداول كما رُوي في هذا البلد.
يُقال إن رئيس ميليشيا سابق نفى علاقته بالمدعو “أبو عمر”،
ثم عاد واعترف بدفع أموال،
لكن كمساعدة حنونة لأهل عكّار.
ويُقال إن رئيس حكومة أسبق نفى أي علاقة،
ثم كُشف – على لسان نائبة –
أن “أبو عمر” اتصل بها عبر هاتفه.
ويُقال إن نائبًا معروفًا بنشاطه التجاري
نفى دفع أي أموال،
ثم عاد واعترف بأن المبالغ كانت مساعدة صحية.
ويُقال إن نوّابًا نفوا تلقي “أوامر”،
لكن روايات أخرى تحدثت عن “تفاهمات”،
وأن الأوامر لم تكن أوامر،
بل اقتراحات ملحّة لا يمكن رفضها.
ويُقال إن مؤسسات دينية نفت أي علاقة،
لكن الوقائع – كما تُروى –
أظهرت أن “الأمير” كان يعرف
من يُمدَّد له،
ومن يُستبدَل،
ومتى تُتخذ القرارات.
مرة أخرى: هذا منقول.
هكذا قيل.
هكذا رُوي في هذا الفيلم.
السؤال الذي لا يُطرح
هنا يفرض السؤال نفسه،
سؤال بسيط لكنه مُحرِج:
إذا كان هؤلاء “السياديون”
ينفّذون أو يسمعون أو يتجاوبون
مع أوامر أمير سعودي وهمي،
فكيف يتصرفون أمام السفير الحقيقي؟
وأمام الموفد الحقيقي؟
وأمام الصوت الذي لا يحتاج إلى انتحال صفة؟
وإذا كان الجميع يؤكد
أن الاعترافات انتُزعت بالقوة،
ولا أحد من “الضحايا”
تقدّم بدعوى،
ولا أحد طالب بتحقيق مستقل،
فلماذا كان لا بدّ من سجن “أبو عمر”؟
كبش الفداء وإقفال الملف
لأن هذا البلد
لا يحاسب الطريقة،
بل يحاسب الشخص الذي فضحها.
عندما انكشف المشهد،
كان لا بدّ من موقوف.
دائمًا لا بدّ من موقوف.
شخص واحد،
نضع فيه كل الخطايا،
ونقفل الملف.
دخل “الأمير” السجن.
وارتاح الجميع.
هل كان سيتغيّر شيء؟
السؤال الذي لا يُطرح هو:
لو لم يكن هذا الرجل موجودًا،
هل كانت الدولة ستتصرف بشكل مختلف؟
الجواب المؤلم: لا.
لأن ما حصل
لم يكن خرقًا للنظام،
بل تنفيذًا دقيقًا لطريقة عمله.
في لبنان،
السيادة ليست قرارًا.
السيادة بيان بعد التنفيذ.
«البلوك السيادي»: دليل الإجراءات
نصل إلى إدارة الأزمات،
أو ما يمكن تسميته: البلوك السيادي.
في حال تبيّن لاحقًا
أن “الأمير” وهمي،
أو أن الرقم الذي يصدر التعليمات
لا يعود إلى ديوان ملكي،
بل إلى خط مسبق الدفع من عكّار،
تعتمد الدولة الإجراءات التالية:
– أولًا: الإسراع في حظر الرقم (Block) حفاظًا على السيادة الوطنية.
– ثانيًا: إنكار أي تواصل سابق واعتبار الرسائل مفبركة أو مقصوصة من سياقها.
– ثالثًا: تحميل المسؤولية لموظف صغير فتح الرسالة عن طريق الخطأ.
– رابعًا: إصدار بيان رسمي يؤكد أن الدولة لا تتعامل إلا مع الأمراء الحقيقيين، شرط أن يتواصلوا حصريًا عبر واتساب.
وتؤكد الحكومة أن الحظر التقني
يُعدّ موقفًا سياديًا شجاعًا،
لا يقل أهمية عن استدعاء السفراء
أو إصدار بيانات الشجب.
ملاحظة:
في حال أعاد “الأمير” الوهمي الاتصال من رقم آخر،
تُعاد العملية من البداية
حفاظًا على التقاليد السيادية.
المشهد الأخير: الخطّ التالي
في المشهد الأخير،
يُغلق الخط.
لكن لا أحد يطمئن.
الجميع يعرف
أن خطًا آخر سيفتح،
باسم آخر،
وبلهجة أخرى،
وبنبرة أكثر ثقة.
والدولة؟
كما في كل مرة…
ستردّ.






