صحافة

كيف ترى تل أبيب احتجاجات إيران؟ حسابات الحذر واستراتيجية الانتظار

بتوقيت بيروت — كيف ترى تل أبيب احتجاجات إيران؟ حسابات الحذر واستراتيجية الانتظار

منذ اندلاع الحرب التي فرضها الكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران في حزيران 2025، لم يتوقف التفكير داخل الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بل انتقل سريعاً إلى البحث فيما يمكن تسميته بـ”الحرب الثانية”، أي استثمار الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية والتوترات الداخلية بوصفها أدوات موازية لإضعاف إيران من الداخل. وقد تولّت الولايات المتحدة في هذا السياق إدارة جانب الحرب الاقتصادية عبر تشديد العقوبات، في محاولة لإحداث إنهاك تراكمي ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

مع تفشي المرض الاحتجاجات الأخيرة في طهران وعدد من المدن الإيرانية أواخر كانون الأول 2025، بدا واضحاً أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى هذه التطورات باعتبارها فرصة محتملة، لكن هذه الفرصة لم تُقابل بحماسة اندفاعية، بل بحذر شديد وترقب دقيق لمسار الأحداث. فالتقديرات الإسرائيلية لا تفترض سقوطاً وشيكاً للنظام، بل ترى أن ما يجري حتى اللحظة لا يتجاوز كونه ضغطاً داخلياً لم يصل إلى مستوى التهديد الوجودي.

تعكس هذه القراءة تشكيكاً واضحاً في قدرة الاحتجاجات الحالية على إسقاط النظام الإيراني، إذ تؤكد التحليلات الإسرائيلية أن النظام ما زال يمتلك أدوات قمع فعالة ومتماسكة، وعلى رأسها الحرس الثوري وقوات الباسيج، اللتين تشكلان ما يشبه الدرع العقائدي الصلب المرتبط عضوياً ببقاء النظام. وعلى عكس ما جرى في ثورة عام 1979، لا تظهر هذه الأجهزة أي مؤشرات على التردد أو الانقسام، بل تتصرف بوصفها جزءاً من المعركة على الوجود السياسي للنظام.

كما تشير التقديرات إلى أن الاحتجاجات، رغم اتساع رقعتها الجغرافية، لم تبلغ بعد “الكتلة الحرجة” اللازمة لإحداث تحوّل ثوري شامل. فغياب الحشود المليونية الموحدة، وعدم توافر قيادة سياسية جامعة، واستمرار تماسك النخبة الحاكمة، كلها عوامل تجعل من الصعب ترجمة الغضب الشعبي إلى مسار إسقاط فعلي. لذلك تلتقي القراءة الإسرائيلية مع تقديرات الاستخبارات الأميركية على أن ما يجري يمثل تحدياً جدياً للنظام، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى الانهيار.

في المقابل، يبرز هاجس آخر لا يقل أهمية في التفكير الإسرائيلي، وهو خطر سوء التقدير. فالاحتجاجات الداخلية تخلق بيئة مشحونة بالشكوك المتبادلة، حيث قد يفسر أي تحرك عسكري أو أمني إسرائيلي على أنه استغلال لحالة الاضطراب الداخلي، فيما قد تُفسَّر أي خطوة إيرانية دفاعية أو استعراضية على أنها محاولة للهروب إلى الأمام. هذه الديناميكية تجعل احتمال الحرب مرتبطاً بخطأ في الحسابات أكثر مما هو مرتبط بقرار استراتيجي واعٍ من أي من الطرفين.

وتزداد خطورة هذا السيناريو مع تراجع القدرة على التنبؤ بالسلوك الإيراني في ظل الضغوط الداخلية، الأمر الذي يرفع من حساسية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجاه أي تحرك ميداني إيراني، سواء كان مناورة عسكرية أو نشاطاً للحرس الثوري. وبهذا المعنى، تتحول الأزمة الداخلية الإيرانية إلى عامل قد يشعل مواجهة إقليمية غير مقصودة، نتيجة سوء القراءة أو التقدير الخاطئ.

على هذا الأساس، تميل القراءة الإسرائيلية إلى تبني سياسة الاحتواء وتجنب الهجوم المباشر في هذه المرحلة. فالتقدير السائد يرى أن أي ضربة عسكرية خارجية ستؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ ستدفع الشارع الإيراني إلى الالتفاف حول النظام تحت عنوان الدفاع عن السيادة الوطنية، ما يمنح السلطة شرعية قمعية جديدة ويقضي حتى على الفرص المحدودة لإضعافها من الداخل. لذلك يُنظر إلى “الصمت العسكري” باعتباره أداة استراتيجية بحد ذاته، تسمح بترك الأزمة تتفاعل داخلياً دون تقديم طوق نجاة للنظام.

في هذا السياق، يتحول التركيز من العمل العسكري إلى الحرب النفسية والتأثير في الوعي. فالنشاط الإعلامي والأمني الموجّه، ولا سيما عبر المنصات الرقمية الناطقة بالفارسية، يسعى إلى ضرب الروح المعنوية داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية، وتشجيع فكرة الانشقاق أو على الأقل زعزعة الثقة بالنظام. كما يُنظر إلى مساعي توفير بدائل للإنترنت الخاضع لرقابة الدولة، مثل الشبكات الفضائية، على أنها وسيلة لتعزيز قدرة المتظاهرين على التنظيم والتواصل، بما يتجاوز أدوات السيطرة التقليدية.

وتلفت التقديرات الإسرائيلية أيضاً إلى أن الاحتجاجات الحالية تختلف في طبيعتها عن موجات سابقة، إذ باتت أقرب إلى نمط لامركزي منظم ينتشر في عشرات، بل مئات النقاط المتزامنة. هذا الشكل يرهق الأجهزة الأمنية ويشتت جهودها، لكنه في الوقت ذاته يعاني من ضعف بنيوي يتمثل في تعدد المطالب وغياب القيادة الموحدة، ما يمنع تحوله إلى بديل سياسي متكامل، ويجعله حركة استنزاف أكثر منه مشروع تغيير جذري.

وأخيراً، تربط القراءة الإسرائيلية بين الاضطرابات الداخلية في إيران وبين قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين. فالضغط الاقتصادي والشعبي يفرض على طهران إعادة ترتيب أولوياتها، ما قد يؤدي إلى تقليص الموارد المخصصة للتمدد الخارجي. هذا الواقع يُنظر إليه في إسرائيل على أنه فرصة لإضعاف نفوذ إيران الإقليمي، سواء عبر استنزاف حلفائها مالياً أو عبر استغلال انشغال القيادة الإيرانية بجبهتها الداخلية، بما ينعكس تآكلاً في صورتها الردعية وهيبتها الإقليمية.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى