كيف يحوّل ترامب اضطرابات إيران إلى سلاح سياسي وإعلامي؟
بتوقيت بيروت — كيف يحوّل ترامب اضطرابات إيران إلى سلاح سياسي وإعلامي؟
بين الثاني والثالث عشر من كانون الثاني 2026، ظهرت ملامح خطاب أميركي شديد التركيز تجاه إيران، تصدّره الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر تصريحات متلاحقة حملت طابعًا هجوميًا وتحريضيًا في آنٍ واحد. لم تكن تلك اللغة مجرّد ردود فعل عابرة على أحداث داخلية، بل بدت كجزء من هندسة سياسية مدروسة تستهدف إعادة تشكيل المشهد الإيراني نفسيًا وإعلاميًا، وإرسال رسائل متعددة المستويات إلى الداخل الإيراني والبيئة الإقليمية وحتى الحلفاء والخصوم في واشنطن.
اللافت في خطاب ترامب أنه لم يكتفِ بمفردات الإدانة أو التحذير، بل ذهب باتجاه بناء “سردية جاهزة” تُقدَّم للرأي العام الأميركي والدولي على أنها تفسير شامل لما يجري في إيران. هنا لا يعود الكلام مجرد موقف سياسي، بل يتحول إلى محاولة لصناعة تفسير واحد يُقصي أي تفسير آخر، ويجعل من الرواية الأميركية المرجع الأول لفهم الأحداث. هذا النوع من السرديات غالبًا ما يُستخدم كتمهيد سياسي وإعلامي لخطوات أكبر، سواء كانت ضغوطًا دبلوماسية أو عقوبات أو محاولة تفجير الداخل عبر رسائل مسمومة تُبث تحت عنوان “دعم الحرية”.
في جانب أساسي من تصريحاته، اعتمد ترامب ما يمكن توصيفه بلغة “التحريض المقنّع”، إذ خاطب المحتجين أو داعمي الاضطرابات بوصفهم جزءًا من مشروع “تحرير”، بينما حمل كلامه إشارات صريحة تتجاوز الدعم السياسي إلى ما يشبه الوعد بالمساندة. وفي هذا الإطار، لا يبدو الهدف الحقيقي تحسين صورة الولايات المتحدة أو الدفاع عن حقوق الإنسان كما يدّعي الخطاب الأميركي عادة، بل استخدام الشارع كأداة ضغط لإرباك الدولة من الداخل، وإشغال مؤسساتها في مواجهة التوتر بدل التفرغ لتثبيت المعادلات الإقليمية التي راكمتها طهران خلال السنوات الماضية.
الأكثر وضوحًا أن ترامب حاول تحويل الملف الإيراني من قضية سياسية قابلة للنقاش إلى قضية أخلاقية صلبة: “شعب مظلوم” في مواجهة “نظام قمعي”. هذه الثنائية البسيطة تمنح الخطاب قدرة كبيرة على الانتشار، لأنها تختصر الواقع المعقّد في معادلة سهلة الفهم، وتسمح لاحقًا بتبرير أي إجراءات عدائية باعتبارها “نصرة للناس”. الخطورة في هذا الأسلوب أنه يختزل إيران ككيان واحد متجانس، ويلغي الفوارق داخل المجتمع الإيراني، ويُسقط كل التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد تفسّر الاحتجاجات بعيدًا عن التفسير الأميركي الجاهز.
في الوقت نفسه، أظهر الخطاب لغة تلاعب عالية بالمصطلحات، إذ يجري تقديم أيّ اضطراب على أنه “ثورة”، وأيّ أزمة داخلية على أنها “انهيار وشيك”، وأيّ صوت معارض على أنه “أغلبية ساحقة”. هذه المبالغات ليست بريئة، بل تُستخدم لصناعة انطباع نفسي عام بأن النظام الإيراني فقد السيطرة، وأن إسقاطه بات مسألة وقت. وهنا يتضح أحد أهم أبعاد الحرب الإعلامية: ليست وظيفتها فقط نقل الحدث، بل توجيه الشعور العام تجاهه، ودفع المجتمع نحو اليأس من قدرة الدولة، أو دفع المعارضين نحو الاعتقاد بأن لديهم دعمًا دوليًا جاهزًا لإنجاز التغيير.
في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد على هذا النوع من الخطاب. فقد قدّمت القيادة الإيرانية، بمستويات سياسية وأمنية متعددة، رواية معاكسة تقوم على أن ما يجري ليس “حراكًا سلميًا” فقط، بل اختراق منظّم تقوده شبكات إرهاب وتخريب تعمل تحت مظلة الدعم الأميركي والإسرائيلي. هذا الرد يهدف إلى إبطال مفعول رواية ترامب أولًا، وثانيًا إلى إعادة تعريف المواجهة باعتبارها “حربًا هجينة” لا مجرّد احتجاجات داخلية. ولأن الحرب الهجينة تُدار بالأدوات النفسية والإعلامية كما تُدار بالسياسة والأمن، فإن الصراع هنا انتقل إلى ساحة الإدراك العام: من يملك رواية أقوى؟ ومن يستطيع احتكار تفسير الحدث؟
تتضح طبيعة خطاب ترامب أكثر عندما يُقرأ ضمن سياق أوسع يتجاوز إيران وحدها. فاللغة الأميركية تجاه طهران في هذا التوقيت تحمل إشارات تطمين لحلفاء واشنطن الإقليميين بأن “الضغط مستمر”، كما تحمل رسالة ضمنية للكيان الإسرائيلي بأن البيت الأبيض حاضر في المعركة السياسية ضد إيران حتى لو لم يعلن حربًا مباشرة. في المقابل، تحمل الرسائل أيضًا جانبًا داخليًا أميركيًا، لأن ترامب يستخدم الملف الإيراني لتغذية صورة “الرئيس القوي” الذي لا يتسامح مع خصوم الولايات المتحدة، خصوصًا في بيئة سياسية أميركية تتداخل فيها الاعتبارات الانتخابية مع ملفات الأمن القومي.
غير أن الجزء الأكثر حساسية في الخطاب هو توظيفه لفكرة “الوقت”، إذ تُطرح الأحداث وكأنها لحظة تاريخية لا تقبل التأجيل، وكأن النظام الإيراني يقف على حافة السقوط، وبالتالي يجب تسريع الضغط واستثمار اللحظة. هذا الأسلوب معروف في إدارة الحملات الإعلامية الكبرى، لأنه يُنتج استعجالًا نفسيًا لدى الجمهور، ويخلق مناخًا عامًا يقبل بقرارات قاسية تحت شعار “لا وقت للنقاش”. في هذه الحالة، يتحول الإعلام إلى آلة دفع نحو التصعيد بدل أن يكون مساحة لتفكيك الوقائع.
ومن زاوية أخرى، يمكن ملاحظة أن خطاب ترامب لم يُبنَ فقط على الهجوم، بل على الإغراء أيضًا. فالتلويح بـ”الدعم” و”المساعدة” يحمل وظيفة مزدوجة: تشجيع الداخل على الاستمرار، وفي الوقت ذاته زرع الشكوك داخل مؤسسات الدولة حول حجم الاختراقات والاتصالات الخارجية. وهذا أخطر ما في الحرب النفسية: ليست فقط في رفع معنويات طرف، بل في ضرب الثقة داخل الطرف الآخر، ودفعه إلى استنزاف نفسه في البحث عن خصوم داخليين حقيقيين أو متخيّلين.
في نهاية المطاف، تبدو تصريحات ترامب أقرب إلى عملية إدارة إدراكية شاملة، تتضمن رسم العدو، وتصميم رواية إعلامية سهلة، وتحريضًا غير مباشر، ورسائل إقليمية ودولية، ومحاولة استثمار لحظة الاضطراب لصالح مشروع سياسي أوسع، ولا تدعم البيانات الحالية فرضية أن خطاب صُمم كغطاء لضربة عسكرية وشيكة. الأرجح أننا أمام “خداع للردع والضغط النفسي”؛ يهدف إلى التأثير على حسابات الخصم أو الجمهور دون تنفيذ فعل عسكري فوري. وفي الأدبيات المعتمدة، إخفاء ضربة وشيكة لا يتم عبر التهديد العلني، بل عبر نمط أكثر هدوءًا وتعقيدًا: إنكار فعّال، فجوات معلوماتية غير مبررة، تقليل الضجيج الخطابي، وتناقضات مدروسة بين القول والفعل، مع توقيت صامت يتجنّب الضغط الزمني المعلن. هذه ليست افتراضات نظرية، بل أنماط متكررة في حالات خداع سبقت ضربات فعلية.
لكن عند إسقاط هذا النمط من الخداع والضغط النفسي على الملف الإيراني، نجد أن الخطاب الإعلامي يهدف إلى خلق حالة من الارتباك من خلال الوعود بـ كشف الحقيقة كاملة والحديث عن خيارات قوية، يتم وضع صانع القرار في طهران في حالة ترقب دائمة، مما قد يدفعه لاتخاذ قرارات دفاعية مكلفة أو تقديم تنازلات استباقية.
هذا الاستنتاج هو جزء من عملية تفكيك الخطاب ولا يهدف إلى نفي الخيار العسكري كاحتمال استراتيجي في الواقع، بل يوضح فقط أن المؤشرات الخطابية الحالية لا تدعم فرضية التمويه لضربة وشيكة.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.






