صحافة

لماذا العرب دون مستوى القضية الفلسطينية؟

بتوقيت بيروت — لماذا العرب دون مستوى القضية الفلسطينية؟

خاض العرب مع العدو الصهيوني ثلاثة حروب هي حرب عام ١٩٤٨-حرب عام ١٩٦٥-حرب عام ١٩٧٣ وجميع مدد هذه الحروب بالأيام، حيث تشتعل الساحة العربية بالتظاهرات والأناشيد والمسيرات والهتافات والاشعار التي تحرض الجيوش العربية على المزيد من القتال، ثم فجأة تنتهي الحرب، وبدلا من تحرير ارض فلسطين نفقد جزءً من أراضينا الفلسطينية والعربية، ونعود نفاوض الصهاينة من اجل عودة ولو جزء منها.

رغم كل الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية، لم تتوقف المقاومة الفلسطينية يوما، ووقعت بين مذبحتين الاولى مذبحة العدو الصهيوني والثانية مذبحة الدول العربية حيث تنقض على المقاومة وعلى اسرهم وتفتك بهم كلما اختلفوا معهم او بتحريض خارجي.

العرب هم الوحيدون الذين لم يتفهموا القضية الفلسطينية رغم انها من المفروض قضيتهم الاولى.. ترى ما السبب؟

حين نعود الى الارث الثقافي والفكري والسياسي والعسكري للكتاب العرب بشأن القضية الفلسطينية، نجد انه سفر يرقى الى مستوى حمل سفينة، حتى ان عددا كبيرا من الكتاب والادباء والشعراء وغيرهم اختصوا بهذا الضرب من الكتابة، فهناك شعراء عرب وفلسطينيون وادباء وموسوعيون والخ..

المشكلة ان الإرث الثقافي للقضية الفلسطينية تغلب عليه الهزيمة وجلد الذات العربية وصولا الى الشعور اننا أمة لا تملك ان تقاتل في معارك خاسرة. إن أعذار الهزيمة عديدة وفي مقدمتها أن اسرائيل مدعومة من امريكا ودول اوروبا، وسلاحها متقدم على سلاح العرب وايضا خيانة الحكام العرب، فيما انخرطت الولايات المتحدة في دعم اسرائيل بكل متملك من مصادر القوة والقرار، كان الاتحاد السوفيتي آنذاك لا يملك ذلك الحماس اتجاه القضية الفلسطينية، وكان اول من اعترف بدولة إسرائيل وظل موقفه مترددا حتى انهياره عام ١٩٩١، وكذلك فان الصين فيما بعد، فضّلت مصالحها الاقتصادية مع الكيان الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية وحتى مواقفها في مجلس الأمن  الدولي ليس لنصرة فلسطين ولكن لتوازنات دولية لا غير ..

إذن القضية الفلسطينية بقيت في مدى عمرها وصراعها مع العدو الصهيوني دون غطاء دولي، بسبب هيمنة الرواية الصهيونية على العالم وغياب رواية عربية فلسطينية. والدول العربية رغم تحررها من الاستعمار الاجنبي بعد الحرب العالمية الثانية، وخروج المستعمرين الاجانب من أراضيها فشلت في إدارة نفسها فلم تستطع ان تنتج تجربة سياسية ناجحة، رغم انها جربت أحزابا دينية وقومية ومحلية وعالمية وظهرت رموز وطنية وقومية ودينية سرعان ما تحولت الى حالة رومانسية وغابت بغياب اصحابها مثل جمال عبد الناصر وهواري بومدين وعبد الكريم قاسم وغيرهم..

لا شك فإن اسرائيل ساعدت في افشال اي تجربة سياسية ناجحة مستفيدة من تعاون دول الغرب معها.. دول الخليج لم تدخل المعترك السياسي ولم تحاول دول الغرب او الاتحاد السوفيتي تغيير نظام الحكم فيها سوى دعم الاتحاد السوفيتي او الصين حركة تحرر ظفار في عمان في ستينيات القرن الماضي، وايضا انتهت بسبب تكالب الجيوش والتآمر عليها..

إن التكلس في الأنظمة الخليجية يصب لصالح دول الغرب لأنه يبقي الدول مجرد عناوين دون جيوش او اسلحة ولا إدارات أمنية معقد، مما جعل هذه الدول دون قرار الا وفق تطلعات الغرب، بل الاستفادة من المال والاعلام الخليجي في تدمير القضية الفلسطينية، ومن يعمل دون ذلك يكون مصيره مصير الملك فيصل بن عبد العزيز الذي بسبب مواقفه ودعمه للقضية الفلسطينية وقراره استخدام سلاح النفط عام 1973تم اغتياله.

سهّلت هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية في الدول العربية على اسرائيل ان تخترقها وان تتدخل في صناعة حكامها فأفرغتها من أي موقف وقرار، خاصة بعد سلسلة التطبيع الاخيرة التي شملت دولا مثل السودان والبحرين والامارات، فباتت اسرائيل تمرق الى المساحات العربية عبر دولة الامارات العربية على سبيل المثال..

لقد أجملَ الكاتب والاعلامي الكويتي أحمد الجار الله الموقف العربي الخليجي ودول التطبيع بمقال في جريدة السياسة الكويتية قبل اسبوع من معركة طوفان الاقصى موجه الى ولي العهد السعودي عنوانه “محمد بن سلمان اعقلها وتوكل” يحث محمد بن سلمان الى الذهاب للتطبيع دون تردد، ويذكره ان القضية الفلسطينية لم تعد شأنا عربياً، بل شأن فلسطيني إسرائيلي خاصة بعد اتفاقية اوسلو بين جبهة التحرير واسرائيل عام ١٩٩٣.

حين انطلقت معركة طوفان الأقصى في العاشر من شهر تشرين عام ٢٠٢٣، بين المقاومة الفلسطينية حماس وبين العدو الصهيوني، تكون غزة قد دخلت في ست معارك مع جيش الاحتلال الصهيوني، كانت جميع مددها قليلة، وخسائرها ايضا، ثم تبدأ غزة بإعادة الإعمار ثانية.

بعد سيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس على قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007، أعلنت إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2007 غزة “كيانا معاديا”، وفي أكتوبر/تشرين الأول من السنة نفسها فرضت عليها حصارا شاملا.

كانت معركة طوفان الأقصى هي الأكثر تنظيما ودقة وتحقيق الاهداف التي انطلقت منها، وتفخر المقاومة بغزة حماس بأنها هي من نفذّتها بالتعاون مع الفصائل الاخرى بغزة.. في الأشهر الأولى للمعركة كان الخطاب العربي عاليا ومؤكدا ان المعركة رفعت القضية الفلسطينية من الرفوف وجعلتها محط انظار العالم. إنها المرة الاولى التي جاء فيها الاسناد من محاور مقاومة أخرى في لبنان والعراق وسوريا واليمن فكانت صدمة كبيرة للعدو الصهيوني الذي وجد نفسه يقاتل على سبع جبهات كما يقول.

الأمة الوحيدة التي تخلفت عن دعم غزة هم العرب واكتفوا بان قدموا مساعدات انسانية الى أهالي غزة وفق ما تسمح به “إسرائيل” وتعاملت دول مثل مصر والاردن مع المعركة وفقا لضغوطات الداخل والهتاف” نجنب شعبنا المعركة”..

بعد سلسلة اغتيالات لقادة المقاومة في لبنان والهجوم على المباني الدبلوماسية الايرانية بسوريا، والتغيير الذي حدث في سوريا بتخطيط اميركي تركي اسرائيلي خليجي سوّقَ الاعلام الخليجي والصهيوني ومعهم الاعلام الغربي ان المعركة انتهت، وان على جميع محاور المقاومة تسليم سلاحهم الى العدو الصهيوني باعتباره هو من انتصر!

منذ انطلاق الثورة الاسلامية في إيران عام ١٩٧٩ تكون القضية الفلسطينية من أولويات الثورة وقياداتها حيث تم تسليم مبنى السفارة الاسرائيلية في طهران الى جبهة التحرير الفلسطينية واستقبل ابو عمار ياسر عرفات بطهران كرمز للشعب الفلسطيني المقاوم. رغم الظروف الصعبة التي رافقت الثورة الإسلامية في إيران سواء على مستوى الداخل في الصراع مع بقايا النظام البائد او الحرب العراقية الايرانية التي امتدت لثمان سنوات ناهيك عن الاعلان عن مواجهة الاستكبار العالمي المتمثل بأميركا والغرب الا ان إيران حافظت على موقفها الثابت بدعم القضية الفلسطينية واعتبار ان اسرائيل تمثل خطرا على الامة ولابد من زوالها.

لم يقف الدعم الإيراني لفلسطين في حدود الاعلام او الدعم العام انما عملت إيران الى تطوير عمل المقاومة الاسلامية في لبنان واليمن ودول اخرى بالشكل الذي يؤهلها ان تواجه الآلة العسكرية الصهيونية مثلما صنعت مقاومة عقائدية ترى في الدفاع عن فلسطين، واجباً دينيا، واخلاقيا، وانسانيا. لم تخف إيران دعمها للمقاومة الاسلامية ودأبت ان تستقبل كبار قادة المقاومة على اراضيها فيما لم تخف قيادات المقاومة الاسلامية الدعم الايراني لها وتصرح به غالبا، اما الاعلام الغربي والخليجي فيذيّل اي خبر عن فصيل للمقاومة بعبارة “المدعوم من إيران”.

لا شك تحملت إيران وزر دعمها الدائم للمقاومة عبر سلسلة طويلة من العقوبات والحصار، وفي الدخول بحروب مباشرة مع العدو الصهيوني واميركا، ورأت ان التنازل عن المقاومة خيانة لمبادئ وقيم الثورة الاسلامية ودفاعا عن العمق الاستراتيجي للثورة. بالقدر الذي ترى فيه الدول العربية ان القضية الفلسطينية ملف معقد ويعرضها للمخاطر تراهن إيران على الزمن وترى ان اسرائيل ستزول في العشرين سنة المقبلة، وان داعمها الاول الولايات المتحدة بدأت حضارتها بالتآكل، وعليها ان تواصل الدعم للمقاومة وابعاد اميركا ودول الغرب عن منطقة غرب آسيا بالتمام.

إيران غير دولة تركيا بالتعامل مع القضية الفلسطينية حيث تتعامل تركيا مع هذه القضية ببراغماتية عالية وتحولها فرصة للاستفادة من الصراع الفلسطيني العربي، حيث في اوج معركة طوفان الاقصى فان حركة التجارة مع العدو الصهيوني لم تتوقف، كما تآمرت على سوريا الأسد وقادت التغيير الاخير والاتيان بشخصيات متهمة بالإرهاب بقيادة سوريا وكان اول تصريح لكبيرهم ابو محمد الجولاني “جئنا للقضاء على نفوذ إيران وحزب الله بسوريا”. وقال ايضا “لسنا في وارد حرب مع إسرائيل”، فاستطاعت اسرائيل في ظل هذه التداعيات ان تبدأ بقضم ارض الجولان من سوريا.

في وقت تخلت الدول العربية عن دعم معركة طوفان الاقصى وساهمت في قتل وتجويع اهالي غزة، وقف العالم الأبعد مع الشعب الفلسطيني في حربه العادلة ضد العدو الصهيوني، وذلك عبر التظاهرات والمسيرات وأساطيل الدعم العالمي

فيما كان لغزة وحربها ومعاناتها الأثر على جميع الانتخابات التي جرت في جميع بقاع الأرض في الجانب الآخر فان جميع القمم والمؤتمرات التي عقدتها الدول العربية عبّرت عن فشل الأمة في ان تقول كلمتها في القضية الفلسطينية، واكبر مطلب يتردد على لسان قادتها “حل الدولتين”، وهو مطلب يمنح العدو شرعية البقاء والوجود على ارض فلسطين المغتصبة..

نختم ان القضية الفلسطينية مازالت أكبر من دوائر الحكم العربي ومن العقل العربي بشكل عام، ونرى ان فلسطين سيحررها العالم الواعي والمتفهم لقضية شعبها سواء شارك العرب او لم يشاركوا لأنها قضية انسانية وليست قضية الشعب العربي والفلسطيني لوحده.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى