لماذا تريد واشنطن دمج الأردن ولبنان في خطة نزع السلاح؟
بتوقيت بيروت — لماذا تريد واشنطن دمج الأردن ولبنان في خطة نزع السلاح؟
لم يكن التعديل المطروح في الكونغرس الأميركي حول المساعدات العسكرية للبنان خطوة معزولة، بل حلقة جديدة في مقاربة أميركية أوسع تُعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، تضع لبنان والأردن في سلة واحدة تحت عنوان “تعزيز الشراكة الأمنية لنزع سلاح الجماعة الإرهابية”. هذه الصياغة، تحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ تشير إلى انتقال واشنطن من سياسة إدارة التصعيد إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى من داخل الدول المستهدفة نفسها، عبر تحويل مؤسساتها العسكرية إلى أدوات تنفيذية لمشاريعها.
الأردن وظيفة إقليمية قيد التوسيع
السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا الأردن بالذات؟ ولماذا تتعامل واشنطن معه كطرف محوري في خطة تستهدف حزب الله الموجود في لبنان؟
الجواب يكمن في الدور الوظيفي المتنامي الذي بدأ الأردن يلعبه منذ بداية الحرب على غزة. فالمملكة تحوّلت إلى عقدة لوجستية وعسكرية أساسية بالنسبة لواشنطن، سواء فيما يتعلق بعمليات الإسناد، أو متابعة ما يجري على حدود الضفة الغربية، أو مراقبة التحولات في محور المقاومة. كما أن موقع الأردن جنوب سورية وشرق فلسطين يمنحه قدرة استثنائية على لعب دور “بيئة عازلة” بين كيان الاحتلال وأي تحرك قد يهدده من الجبهتين الشمالية والشرقية.
لكن ما تريده الولايات المتحدة اليوم يتجاوز الدور التقليدي للأردن بوصفه “حاجزاً وقائياً”. فالمشروع الجديد يربطه مباشرة بالملف اللبناني بهدف خلق بنية تعاون أمني تُستخدم عند الحاجة كمنصة للضغط على بيروت، سواء عبر تبادل المعلومات أو عبر تدريبات مشتركة “تعيد تأهيل الجيش اللبناني وضبط خياراته”. واللافت أن واشنطن تتعامل مع الأردن باعتباره الشريك الأكثر قابلية للاستجابة، لأنه مرتبط بها باتفاقيات أمنية طويلة الأمد، ولأن بنيته السياسية أكثر انسجاماً مع المنظور الأميركي.
المساعدات العسكرية كأداة ابتزاز سياسي
في مقابل ذلك، تستخدم واشنطن المساعدات المقدمة إلى لبنان لتوجيه المؤسسة العسكرية نحو مسار محدد مسبقاً. فالمطلوب هو أن تُظهر القوات المسلحة “تقدماً في مسألة نزع سلاح حزب الله”، وإلا فإن المساعدة ستُعلّق. هذه الصيغة لا تحمل أي التباس فالدعم الأميركي مشروط، ومصمم مسبقاً كي يضع الجيش أمام معادلة مستحيلة، إما مواجهة داخلية لا يريدها ولا يستطيع تحمل نتائجها، أو خسارة ما يسميه البعض “ورقة الدعم الدولي”.
يتجاوز هذا الضغط البعد العسكري، لأنه يحوّل الجيش إلى ساحة اختبار سياسي. فواشنطن تدرك أن المؤسسة العسكرية هي آخر مؤسسات الدولة التي بقيت خارج الاستقطاب الحاد، وبالتالي فإن وضعها تحت الضغط يخلق حالة من الاهتزاز الداخلي، قد يُراد لها أن تُستثمر في اتجاهين دفع بعض القوى اللبنانية للقبول بتنازلات سياسية، أو تعزيز رواية أن الجيش غير قادر على بسط هيبة الدولة، وبالتالي يجب إدخاله في ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز حدود القرار الوطني.
ما يزيد خطورة هذه السياسة أن واشنطن تتعاطى مع الجيش اللبناني وكأنه ذراع يمكن تسييرها عند الحاجة، متجاهلة تماماً تركيبته، وحساسيته، وهشاشة الوضع الداخلي. فالمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتحمّل عبء مواجهة داخلية ينتج عنها المزيد من عدم الاستقرار، خصوصاً أن أفراد هذه المؤسسة هم بالدرجة الأولى من الشعب اللبناني ولا يمكنهم الدخول في مواجهة مع أبناء بلدهم وفتح صفحة جديدة للحرب الأهلية.
الدبلوماسية بالقوة
إلى جانب الضغط الأمني، تعمل الولايات المتحدة على استثمار المسار الدبلوماسي المتعلق بوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني لفرض وقائع جديدة. فرفع مستوى تمثيل لبنان في اللجنة المشرفة على تطبيق الاتفاق الميكانيزم قُدّم “كخطوة إيجابية”، لكن واشنطن تستخدمه لتبرير مزيد من التدخل في تفاصيل عمل الجيش ومهامه. وما يجري حالياً من تحركات فرنسية وسعودية وأميركية يصبّ في هذا الإطار، إذ يجري العمل على صياغة دور جديد للجيش ضمن معادلة “ضبط الحدود”، بما ينسجم مع التوجه الأميركي الذي يريد تحويل الاتفاق من فرصة للتهدئة إلى آلية مراقبة وضبط سياسيين.
وبينما تُظهر بعض الأطراف الغربية رغبة ظاهرة في دعم الجيش، إلا أن الدعم نفسه مشروط بسلوك سياسي محدد، يهدف إلى جعل المؤسسة العسكرية مسؤولة عن تنفيذ التزامات لا علاقة لها بقدرتها ولا بمهامها. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة يُراد فيها إضعاف المقاومة عبر اختراق الدولة نفسها، لا عبر المواجهة المباشرة التي فشلت “إسرائيل” في تحقيق أهدافها عبرها.
الخطة الأميركية التي تجمع بين لبنان والأردن لنزع سلاح حزب الله ليست مشروعاً لدعم الاستقرار بتاتاً، بل محاولة لإعادة تعريف دور الجيوش في خدمة مصالح الدول المهيمنة. بالنسبة للبنان، ما يجري ليس أكثر من محاولة ابتزاز ممنهج عبر ربط المساعدات بملف داخلي شديد الحساسية. وبالنسبة للأردن، يتم توسيع دوره ليصبح جزءاً من منظومة إقليمية تعمل على حماية “إسرائيل” وتحقيق الأهداف الأميركية.
في المحصلة، تتحرك واشنطن ضمن استراتيجية ترفض الاعتراف بفشل الرهان العسكري، وتبحث عن ساحات جديدة للضغط على حزب الله، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار دول وتوازناتها الداخلية.
تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





