صحافة

مارك كارني عن تصدّع النظام العالمي: نهاية الوهم وبداية الصراحة

بتوقيت بيروت — مارك كارني عن تصدّع النظام العالمي: نهاية الوهم وبداية الصراحة

فيما يلي النص الكامل لخطاب رئيس الوزراء مارك كارني أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2026، والذي ترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.

فوفقاً لكارني، هناك تصدّع أصاب النظام العالمي، وأننا أمام نهاية “الوهم المريح” وأمام بزوغ “واقعٍ قاسٍ باتت فيه جيوسياسات القوى الكبرى” بلا قيود. مشيراً إلى أن القوى الكبرى تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح: التعريفات أداة ضغط؛ والبنى التحتية المالية وسيلة إكراه؛ وسلاسل الإمداد نقاط ضعف تُستغل (رغم جرأة خطاب كارني إلّا أنه لم يجرؤ على تسمية أمريكا بأنها هي القوة الكبرى الوحيدة التي تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح وأن بلاده تشارك في هذا الأمر).

فهل يا تُرى ستستيقظ بعض الشخصيات والقوى في لبنان وعالمنا العربي والإسلامية من هذا الوهم؟ أم سيظل خطابهم وسياساتهم، رهائن الإملاءات الخارجية التي تأتيهم من السفراء والمبعوثين الأمريكيين؟

النص المترجم:

يسرّني — ويقع على عاتقي واجب — أن أكون معكم في هذه اللحظة المفصلية لكندا وللعالم.

سأتحدث اليوم عن التصدّع الذي أصاب النظام العالمي، وعن نهاية الوهم المريح وبزوغ واقعٍ قاسٍ باتت فيه جيوسياسات القوى الكبرى بلا قيود.

غير أنّني أؤكد لكم، في الوقت ذاته، أنّ دولاً أخرى — ولا سيما القوى المتوسطة مثل كندا — ليست بلا حول ولا قوة. فهي تمتلك القدرة على بناء نظام جديد يدمج قيمنا، مثل احترام حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والتضامن، والسيادة، وسلامة أراضي الدول.

قوةُ الأقلّ قوة تبدأ بالصدق.

كل يوم يُذكّرنا بأننا نعيش عصر تنافس القوى الكبرى؛ وأن النظام القائم على القواعد آخذٌ في التلاشي؛ وأن القوي يفعل ما يشاء، فيما الضعيف يتحمّل ما لا بدّ أن يتحمّله.

هذه الحكمة المنسوبة إلى ثيوسيديدِس تُعرض بوصفها قدراً محتوماً — منطق العلاقات الدولية الطبيعي الذي يعاود فرض نفسه. وأمام هذا المنطق، تميل الدول بقوة إلى “المسايرة”: التكيّف، وتجنّب المتاعب، والأمل بأن يشتري الامتثال قدراً من الأمان.

لن يحدث ذلك.

فما خياراتنا إذن؟

في عام 1978، كتب المعارض التشيكي فاتسلاف هافل مقالاً بعنوان “قوة الضعفاء”. وطرح فيه سؤالاً بسيطاً: كيف حافظ النظام الشيوعي على نفسه؟

بدأ جوابه بقصّة بقّالٍ صغير. كل صباح يضع هذا البقال لافتة في واجهة متجره: “يا عمّال العالم، اتحدوا!”. هو لا يؤمن بها. ولا أحد يؤمن بها. لكنه يضعها لتجنّب المتاعب، وللإشارة إلى الامتثال، وللسير مع التيار. وبما أنّ كل بقال في كل شارع يفعل الأمر نفسه، يستمرّ النظام.

لا بالعنف وحده، بل بمشاركة الناس العاديين في طقوسٍ يعرفون في قرارة أنفسهم أنها زائفة.

سمّى هافل ذلك “العيش داخل كذبة”. فسلطة النظام لا تأتي من صدقه، بل من استعداد الجميع للتصرّف كما لو كان صادقاً. وهشاشته تنبع من المصدر ذاته: حين يتوقف شخص واحد عن أداء هذا الدور — حين يزيل البقال لافتته — يبدأ الوهم بالتصدّع.

لقد آن الأوان للشركات والدول أن تُنزل لافتاتها. فعقوداً طويلة، ازدهرت دول مثل كندا في ظل ما سمّيناه “النظام الدولي القائم على القواعد”. انضممنا إلى مؤسساته، وأثنينا على مبادئه، وانتفعنا من قابليته للتنبؤ. واستطعنا اتباع سياسات خارجية قائمة على القيم تحت مظلته.

كنّا نعلم أن رواية النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئياً زائفة: أن الأقوى يعفي نفسه عند الحاجة؛ وأن قواعد التجارة تُطبّق بانتقائية؛ وأن القانون الدولي يُنفَّذ بصرامة متفاوتة بحسب هوية المتهم أو الضحية.

كان هذا الوهم مفيداً، ولا سيما أنّ الهيمنة الأميركية ساعدت على توفير “منافع عامة”: ممرات بحرية مفتوحة، ونظاماً مالياً مستقراً، وأمناً جماعياً، ودعماً لأطر تسوية النزاعات.

لذا وضعنا اللافتة في النافذة. وشاركنا في الطقوس. وتجنّبنا إلى حدّ كبير فضح الفجوة بين الخطاب والواقع. غير أنّ هذه الصفقة لم تعد مجدية. دعوني أكون صريحاً: نحن في خضمّ تصدّع لا انتقال. فعلى مدى العقدين الماضيين، كشفت أزمات متتالية في المال والصحة والطاقة والجيوسياسة مخاطر الاندماج العالمي المفرط.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت القوى الكبرى تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح: التعريفات أداة ضغط؛ والبنى التحتية المالية وسيلة إكراه؛ وسلاسل الإمداد نقاط ضعف تُستغل. لا يمكنك “العيش داخل كذبة” المنفعة المتبادلة عبر الاندماج حين يصبح الاندماج نفسه مصدر خضوعك. والمؤسسات متعددة الأطراف التي اعتمدت عليها القوى المتوسطة — مثل منظمة التجارة العالمية، والأمم المتحدة، ومؤتمرات المناخ — قد تراجعت قدرتها إلى حدّ كبير.

وبنتيجة ذلك، تتوصل دول كثيرة إلى الاستنتاج نفسه: لا بدّ من تطوير قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية — في الطاقة والغذاء والمعادن الحيوية والتمويل وسلاسل الإمداد. هذا الدافع مفهوم. فالدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تزويد نفسها بالطاقة أو الدفاع عن نفسها تملك خيارات قليلة. وعندما لا تعود القواعد تحميك، يجب أن تحمي نفسك. لكن فلنكن واضحين بشأن ما يفضي إليه هذا المسار: عالم القلاع سيكون أفقر، وأكثر هشاشة، وأقل استدامة.

وثمّة حقيقة أخرى: إذا تخلّت القوى الكبرى حتى عن ادّعاء الالتزام بالقواعد والقيم، وسعت بلا عوائق وراء قوتها ومصالحها، فإن مكاسب “الصفقاتية” تصبح أصعب تكراراً. فلا يمكن للهيمنات تسليع علاقاتها على الدوام. سيسعى الحلفاء إلى التنويع للتحوّط من عدم اليقين؛ إلى شراء التأمين؛ إلى توسيع الخيارات. وهذا يعيد بناء السيادة — سيادة كانت ترتكز يوماً على القواعد — لكنها ستغدو أكثر ارتباطاً بالقدرة على تحمّل الضغط.

إن إدارة المخاطر هذه لها ثمن. لكن كلفة الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة يمكن تقاسمها. فالاستثمارات الجماعية في الصمود أقل كلفة من بناء كل طرف قلعةً خاصة به. والمعايير المشتركة تقلّل التشظّي. والتكاملات مكاسبها إيجابية للجميع.

السؤال المطروح على القوى المتوسطة، مثل كندا، ليس ما إذا كنّا سنتكيّف مع هذا الواقع الجديد — لا بدّ أن نفعل — بل كيف نتكيّف: هل نبني جدراناً أعلى فحسب، أم ننجز ما هو أكثر طموحاً؟

كانت كندا من أوائل من تلقّوا نداء اليقظة، ما قادنا إلى تغيير جوهري في وضعنا الاستراتيجي. يدرك الكنديون أن افتراضنا القديم والمريح بأن الجغرافيا وعضوية التحالفات تمنحنا تلقائياً الازدهار والأمن لم يعد صالحاً.

يرتكز نهجنا الجديد على ما سمّاه ألكسندر ستوب “الواقعية القائمة على القيم” — أي أن نكون مبدئيين وعمليين معاً. مبدئيين في التزامنا القيم الأساسية: السيادة وسلامة الأراضي، وحظر استخدام القوة إلا بما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة، واحترام حقوق الإنسان. وعمليين في إدراك أن التقدم غالباً تراكمي، وأن المصالح تتباين، وأن ليس كل شريك يتقاسم قيمنا.

نحن ننخرط على نطاق واسع وبشكل استراتيجي، بعيون مفتوحة. نتعامل مع العالم كما هو، لا ننتظر العالم كما نتمناه. ونعاير علاقاتنا بحيث يعكس عمقها قيمنا. ونعطي أولوية للانخراط الواسع لتعظيم نفوذنا في عالم سيّال عالي المخاطر وعالي الرهانات. لم نعد نعتمد على قوة قيمنا وحدها، بل أيضاً على قيمة قوتنا.

نبني هذه القوة في الداخل. فمنذ تولّي حكومتي، خفّضنا الضرائب على الدخل والأرباح الرأسمالية والاستثمار، وأزلنا كل الحواجز الفيدرالية أمام التجارة بين الأقاليم، ونعجّل باستثمارات تصل إلى تريليون دولار في الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وممرات تجارية جديدة وغيرها. ونضاعف إنفاقنا الدفاعي بحلول 2030 بطرق تعزّز صناعاتنا المحلية.

وننوّع شراكاتنا في الخارج بسرعة. أبرمنا شراكة استراتيجية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الانضمام إلى ترتيبات المشتريات الدفاعية الأوروبية. ووقّعنا 12 صفقة تجارة وأمن في 4 قارات خلال الأشهر الستة الماضية. وخلال الأيام القليلة الماضية، أبرمنا شراكات استراتيجية جديدة مع الصين وقطر. ونتفاوض على اتفاقات تجارة حرة مع الهند ورابطة آسيان وتايلاند والفلبين وتكتل ميركوسور.

وللمساعدة في حلّ المشكلات العالمية، نعتمد “هندسة متغيّرة” — تحالفات مختلفة لقضايا مختلفة، على أساس القيم والمصالح. ففي أوكرانيا، نحن عضو أساسي في “تحالف الراغبين” ومن أكبر المساهمين دفاعياً وأمنياً نسبةً إلى عدد السكان. وفي سيادة القطب الشمالي، نقف بحزم إلى جانب غرينلاند والدنمارك وندعم بالكامل حقهما الفريد في تقرير مستقبل غرينلاند.

التزامنا بالمادة الخامسة راسخ. ونعمل مع حلفائنا في الناتو لتأمين الأجنحة الشمالية والغربية للحلف، عبر استثمارات غير مسبوقة في الرادارات بعيدة المدى والغواصات والطائرات والقوات على الأرض.

وفي التجارة التعدّدية المصغّرة، نقود جهوداً لبناء جسر بين الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، بما يخلق تكتلاً تجارياً يضم 1.5 مليار نسمة. وفي المعادن الحيوية، نشكّل “نوادي مشترين” مرتكزة على مجموعة السبع لتنويع الإمدادات عالمياً. وفي الذكاء الاصطناعي، نتعاون مع ديمقراطيات متقاربة لضمان ألا نُجبَر في النهاية على الاختيار بين هيمنات عملاقة وشركات فائقة الحجم.

هذا ليس تعددية ساذجة، ولا اتكالاً على مؤسسات واهنة. إنه بناء تحالفات تعمل، قضيةً قضية، مع شركاء يجمعهم قدر كافٍ من الأرضية المشتركة للتحرك معاً. وفي بعض الحالات سيكون ذلك أغلبية دول العالم. وهو ينسج شبكة كثيفة من الروابط في التجارة والاستثمار والثقافة نستلهمها لمواجهة تحديات وفرص المستقبل. يجب على القوى المتوسطة أن تتحرك معاً، لأنك إن لم تكن على الطاولة، فأنت على القائمة.

تستطيع القوى الكبرى أن تمضي منفردة؛ لديها حجم السوق والقدرة العسكرية والنفوذ لفرض الشروط. أما القوى المتوسطة فلا.

وعندما نتفاوض ثنائياً فقط مع قوة مهيمنة، نتفاوض من موقع ضعف. نقبل بما يُعرض علينا. ونتنافس فيما بيننا لنكون الأكثر مهادنة. هذا ليس سيادة؛ إنه تمثيل للسيادة مع قبول الخضوع.

في عالم تنافس القوى الكبرى، أمام الدول الواقعة في الوسط خياران: التنافس على نيل الرضى، أو التكاتف لخلق مسار ثالث مؤثّر. لا ينبغي أن يعمينا صعود القوة الصلبة عن حقيقة أن قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستبقى مؤثرة — إذا اخترنا أن نمارسها معاً.

وهنا أعود إلى هافل: ماذا يعني أن “نعيش في الحقيقة” كقوى متوسطة؟

يعني تسمية الواقع باسمه. التوقف عن استدعاء “النظام الدولي القائم على القواعد” كما لو أنه يعمل كما هو معلن. وتسميته بما هو عليه: فترة تسعى فيها الأقوى إلى مصالحها مستخدمةً الاندماج الاقتصادي أداة إكراه.

ويعني الاتساق في الفعل: تطبيق المعايير نفسها على الحلفاء والخصوم. فعندما ننتقد الترهيب الاقتصادي من جهة ونصمت عنه من جهة أخرى، نكون قد أبقينا اللافتة في النافذة.

ويعني بناء ما نزعم الإيمان به. فبدلاً من انتظار أن تعيد الهيمنة نظاماً تفكّكه بيدها، علينا إنشاء مؤسسات واتفاقات تعمل كما هو موصوف. ويعني تقليص مواطن النفوذ التي تمكّن الإكراه.

إن بناء اقتصاد وطني قوي يجب أن يكون دائماً أولوية كل حكومة. والتنويع دولياً ليس مجرد حِكمة اقتصادية؛ إنه الأساس المادي لسياسة خارجية صادقة. تكسب الدول حق المواقف المبدئية عبر تقليل هشاشتها أمام الانتقام.

لدى كندا ما يريده العالم: نحن قوة عظمى في الطاقة؛ نملك احتياطيات هائلة من المعادن الحيوية؛ لدينا أكثر سكان العالم تعليماً؛ صناديق معاشاتنا من الأكبر والأكثر تطوراً عالمياً؛ نملك رأس المال والموهبة وحكومةً بقدرة مالية هائلة على التحرك الحاسم؛ ولدينا القيم التي يتطلع إليها كثيرون.

كندا مجتمع تعددي ناجح. ساحتنا العامة صاخبة ومتنوعة وحرة. ويظل الكنديون ملتزمين بالاستدامة. نحن شريك مستقر وموثوق — في عالم يندر فيه ذلك — شريك يبني العلاقات ويثمّنها على المدى الطويل.

ولدى كندا أمرٌ آخر: إدراك لما يجري وعزمٌ على التصرف وفقه. نفهم أن هذا التصدّع يتطلب أكثر من تكيّف؛ يتطلب صدقاً بشأن العالم كما هو.

نحن نزيل اللافتة من النافذة. النظام القديم لن يعود. لا ينبغي أن نرثيه؛ فالحنين ليس استراتيجية. لكن من الكسر يمكن أن نبني شيئاً أفضل وأقوى وأكثر عدلاً. هذه مهمة القوى المتوسطة، التي لديها أكثر ما تخسره في عالم القلاع، وأكثر ما تكسبه في عالم تعاون حقيقي.

للقوى القوية قوتها. لكن لدينا نحن أيضاً شيئاً: القدرة على التوقف عن التظاهر، وتسمية الواقع، وبناء قوتنا في الداخل، والعمل معاً. هذا هو مسار كندا. نختاره علناً وبثقة. وهو مسار مفتوح على مصراعيه لأي دولة ترغب في سلوكه معنا.

مارك كارني هو رئيس الوزراء الرابع والعشرون لكندا.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى