من أخطر ما يحدث في لبنان، تحوّل المراجع الدينيّة إلى أفرقاء سياسيين ومقرّرين (جورج عبيد)

5

بتوقيت بيروت اخبار لبنان و العالم

من أخطر ما يحدث في لبنان، تحوّل المراجع الدينيّة إلى أفرقاء سياسيين ومقرّرين (جورج عبيد)

سطا على عقل اللبنانيين سؤال مريب بدأوا يطرحونه في السرّ والعلن، هل بدأنا نشهد تغييرًا جذريًّا في بنيتنا اللبنانيّة، بل في جوهر نظامنا الديمقراطيّ والميثقيّ ليتحوّل إلى نظام دينيّ يسوسه بطاركة وأساقفة ومفتون ومشايخ، ويتشاركون في اقتسامه وتعيين وكلاء لهم في هذا الموقع أو ذاك، وانتقاد هذا أو ذاك؟ ليس هذا بسؤال طرح ولا يزال مطروحًا في حمأة التطوّرات والتبدّلات، وفي لجج المناورات والاضطرابات، بل أمسى هاجسًا حقيقيًّا نتيجة تدخّل مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان بصورة مباشرة وحازمة وجازمة، وأخذه موقفًا متطرّفًا إلى جانب المصطفى إلى موقع رئاسة الحكومة من قبله ومن قبل طائفته، كما أعلن المهندس سمير الخطيب في تصريحه من على منبر دار الفتوى والذي عليه قرّر الانسحاب من بيت الوسط لمصلحة “المصطفى” من قبل المفتي ومن قبل طائفته أي الرئيس سعد الحريري.
 
موقف مفتي الجمهوريّة خطير ليس على المستوى البنيويّ داخل الطائفة السنيّة الكريمة، بل على مستوى النظام السياسيّ، وعلاقة الدين وليس الطائفة كطائفة بتكوين هذا النظام، أو علاقة رجل الدين بالتأثير المطلق بجوهر التوجهات السياسيّة في قلب الدولة والنظام والكيان، ليبدو كلامه منزلاً، غير قابل للنقاش، من الآخرين أو من داخل طائفته. وأخطر ما يمكن لحظه في هذا المجال، أن يبدو البطريرك أو الأسقف أو المفتي أو الشيخ… في “الموقع المقدّس” الذي لا يناقش ولا يواجه ولا يردّ عليه، ذلك أنّ الموقف الصادر من على باب الهيكل الملوكيّ أو من أمام المحراب يجعل صاحبه، أو يبدو هكذا، “معصومًا عن الخطأ وربّما الخطيئة”، وإن حاول بعضهم الردّ على الأقلّ لمجرّد التوضيح أو التصويب أو التقويم والتقييم فيكفّر ويصير مارقًا. فالنقد الموضوعيّ، إذا سما، والسموّ ناتج من التلاقي الوضعيّ بين عالم القيم بأصالتها والحريّة بتجلياتها ومثلها، يتحوّل عند من اختطفتهم ثقافة الحروف المغلقة إلى مسّ بالدين، فيما المستوي والمتقدّم في موقع الرئاسة والصدارة في هذه الطائفة أو تلك، وهو الحِرفيّ والمحترف في آن، لكون الدين، وكما قال المفكّر الراحل السيّد هاني فحص “قد أمسى حرفة”، يحمي تحت عباءته وفي طيّات حروفه وجمله اللصوص والسارقين والناهبين والفاسدين والملتوين وأصحاب المصالح النتنة والمجرمين الملوَّثة أياديهم بالدماء على حساب الأبرياء والفقراء والبؤساء والجائعين من أبناء طائفته. ألم يتحالف الإكليروس المارونيّ بوجه جبران خليل جبران (إبن المعّاز) كما نعتوه آنذاك، لأنّه تجرّأ وأحبّ في مراهقته الجميلة ابنة الحسب والنسب حلا الضاهر من قريته بشرّي؟ المؤسف في هذا المشهد يوم الأحد الماضي أنّه أعاد حركيّة الطوائف اللبنانيّة إلى واقعيّة هذا التحالف المقيت بين الأثرياء والإقطاعيين والمراجع الدينيّة على حساب الناس، كلّ الناس المؤمنين بالله الواحد غير الممزّق في صراع الحضارات والجهالات.
 
موقف المفتي عبد اللطيف دريان كشف هذا العطب الخطير، إذا ما تمّ حصر القرارات السياسيّة به أو بسواه ن المراجع الروحيّة الأخرى، في وطن لا يستوي فيه المزج بين الدين والدنيا، بسبب تعدديته الروحيّة والثقافيّة. فموقفه بهذه الفجاجة الواضحة المنقولة من قبل سمير الخطيب، والذي لم ينفه بدوره، يؤشّر إلى إمكانيّة استيلاد لحظة، قد تنسحق تحت محدلتها المعادلات الدستوريّة والمقوّمات الميثاقيّة والمنطلقات السياسيّة، فيتخطّى البطريرك الماورنيّ على سبيل المثال لا الحصر تلك المقوّمات والمعادلات والمنطلقات، ويسمّي بدوره من يتبوّأ موقع رئاسة الدمهوريّة لكونها تخصّ الموارنة فتجيء التسمية وكأنها منزلة من فوق، أو صادرة من قدس الأقداس، كما يتخطّى المفتي الجعفريّ الممتاز أصوات المجلس النيابيّ ليسمي بدوره رئيسًا له لكونها تخصّ الشيعة… ما يخشاه كثيرون أن يكون موقف المفتي دريان الذي سمّى سعد الحريري على حساب آخرين من أبناء طائفته المؤشّر لهذا التوجّه، وكأن هذا الموقع يخصّ السنّة، فالعرف وإن دمج تلك المواقع بطوائف محدّدة ولكنّ المواقع تخصّ لبنان واللبنانيين، وهي دستوريّة وقانونيّة وشرعيّة، ولا تحدّدها حصرًا القوالب الطائفيّة أو تجعلها ملكًا خاصًّا “لأهل الموارنة” أو “أهل الشيعة” أو “أهل السنّة”. وبسبب من موقف المفتي، فقد انطلقت حركة اعتراضية واضحة المعالم والآفاق، من داخل طائفته رافضة وشاجبة لقراره مع الوزير حسن مراد ومن ثمّ اللقاء التشاوريّ، وكأنّه يماهي ويوحّد الطائفة بسعد، كما وحدّها بفؤاد السنيورة حين قال ردًّا على الادّعاء عليه بجرم الاختلاس الماليّ: الرئيس فؤاد السنيورة خطّ أحمر!!! ثمّة سؤال يفترض أن يطرح وفي هذا السياق: هل الدين أيّ دين يحمي الفاسد والقاتل أو يواجهه بالحقّ؟ هل الله محبّة ورحمة، أو هو ملك لمثل هؤلاء يستنزلونه ويجعلونه على مقاسهم ومن ثمّ يتكلمون باسمه كحماة لمن قتل أو سرق، والآية الكريمة تقول: “ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنّما تنذر الذين يخشون ربّهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه وإلى الله المصير” (فاطر 17-18)؟!
 
في بعض التفاصيل الواردة والمسبّبة لهذا الكلام، أن الرئيس سعد الحريري وكما بيّنا في هذا الموقع كان يناور بغية البلوغ نحو تلك اللحظة، لم يخرج من الحكومة لكي يبقى خارجها، وهو العارف ما ينتظره من الطرف السعوديّ على وجه التحديد من فنح ملفّات خاصّة بأعماله هناك وبعلاقته السيّئة مع الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعوديّ. وبواقعيّة تامّة، ليس سعد من كان ولا يزال يناور، بل كان يتلقّى مناهج المناورة وطرائقها من الأميركيين تارّة مباشرة وأخرى بصورة غير مباشرة من خلال الرئيس السابق فؤاد السنيورة وهو رجلهم الأبرز إذا لم يكن الأوّل في لبنان. إنطلق الرجل من ثلاثة أوعية واضحة هدفت إلى حرق معظم من شاء أو يشاء الترشّح في هذه اللحظة إلى هذا الموقع:
1-وعاء أميركيّ، اسهبنا في الشرح عن منطلقاته وأدواره في إنتاج اللحظات وتدوينها على الخريطة اللبنانيّة وفق منظومة مصالحهم، والرئيس الحريري إحدى المدوّنات التي يرونها في الموقع المتقدّم ويعملون على تبويبها وإسقاطها من جديد وبفعاليّة قويّة ضمن شروط يحاولون فرضها على الأطراف المعنيّة الأخرى منها ما هو داخليّ ومنها ما هو خارجيّ.

2-وعاء شعبيّ، متماه بمن قادوه نحوالتسييس بالوعاء الأوّل، ويظهر في الكثير من توجّهاته أنّه متصل به اتصالاً وثيقًا. وقد رأى الحريري مع فريق عمله بأنّ هذا الوعاء يسبغ عليه الشرعية العامّة بمتانتها، فتوكّأ بدوره على الحراك واستند عليه من أجل حرق معظم المرشّحين وتدوين شروطه ومحاولة فرضها، ومنها أنّه يطلب صلاحيات استثنائيّة موسّعة، ويرفض أن يتعاطى أحد سواه بعلاقات لبنان الخارجيّة، ومنها العلاقة اللبنانيّة-السوريّة، وحكومة تتناسب مع رؤيته وهي المتماهية كما يقول مع رؤية الحراك.

3-وعاء سنيّ وهو الجوهريّ بالنسبة إليه، وفي هذا اتفق مع رؤساء الحكومات السابقين بترشيحه لموقع رئاسة الحكومة والدفاع عن صلاحياته ضمن البيان الذي أصدروه، وتمّ بعد ذلك والاتفاق مع رؤساء الحكومات السابقين وعلى رأسهم الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة لكي يتولّى المفتي التسمية وإبلاغ المهندس سمير الخطيب بأنّ سعد الحريري هو المرشّح الوحيد، أو إستطرادًا إبلاغ كلّ من يشاء الترشّح إلى هذا الموقع بآحاديّة الترشيح من قبل مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة. فماذا على سبيل المثال لا الحصر لو قرّر فؤاد المخزومي أو جهاد الصمد أو فيصل كرامي أو أيّة شخصيّة أخرى من الطائفة السنيّة الكريمة الترشّح لهذا الموقع، رغم قرار المفتي، فهل يرمى الحرم عليه من قبل المفتي والمراجع الأخرى؟
 
لقد دخل لبنان في إشكاليّة خطيرة يفترض بالعقلاء والنخب التوقّف عندها ومواجهتها بقوّة العقل والفكر، عنوانها اختصار المؤسسات الدستوريّة والقانونيّة بفتاوى رجال الدين من كلّ الطوائف والمذاهب. ولنا إشكالية أخرى تقوم على اختصار الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة بمواقف انفعاليّة خالية من هدوء ولا تقرأ ما اصطلح على تسميته بالجيو-بوليتيك وعلاقة الأحداث به بكلّ أبعادها وتداعياتها.
 
المسألة تتطلّب وعيًا عند معظم النخب، حتى لا يصير لبنان تحت حروفيّة الأديان، وملعبًا لحِرفيّة رجال الدين. ومسك الختام كلام كتبه المطران العلاّمة جورج خضر في مقال له بعنوان الدين والسياسة: “إذا قبلت المرجعيّة الدينيّة أن تكون قيادة سياسيّة، أي أن تتدخّل في اليوميات الساسيّة، فيحقّ عندها للعلمانيّ والمدنيّ أن يعاملاها كفريق سياسيّ”. والسلام على من اتّبع الهدى.

ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

مصدرالخبر

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.