صحافة

نهاية مشروع “قسد”. . من مظلة واشنطن إلى تسويات دمشق

بتوقيت بيروت — نهاية مشروع “قسد”. . من مظلة واشنطن إلى تسويات دمشق

شكل الكرد في سوريا قضية شديدة التعقيد منذ عقود، ليس فقط لأنهم مكوّن ديموغرافي واسع الانتشار بين الشمال الشرقي والحدود التركية، بل لأن موقعهم الجغرافي جعلهم دائماً في قلب معادلات الأمن الإقليمي. ومع اندلاع الحرب السورية وما تلاها من انهيارات في بنية الدولة والجيش والمؤسسات، ظهر العامل الكردي بوصفه أحد أبرز العناوين التي أعادت رسم الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد. وخلال سنوات قليلة، تحولت مناطق شرق الفرات إلى فضاء نفوذ مستقل نسبياً، تمتلك فيه القوى الكردية أدوات حكم وسلاح وموارد، وتستند إلى مظلة أمريكية مباشرة تحت عنوان محاربة تنظيم “داعش”، ما جعل مشروع “قسد” يتجاوز حدود كونه ترتيبات أمنية محلية إلى معادلة إقليمية تقلق أنقرة ودمشق في آن واحد.

السنوات الأولى من الصراع السوري حملت فرصاً غير مسبوقة لـ”وحدات حماية الشعب” التي أحسنت استثمار لحظة الفراغ، وراكمت قوة عسكرية بدعم واضح من الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضمن عملية “العزم الصلب”. كان الرهان الأمريكي قائماً على قوة برية منظمة تملأ الفراغ وتمنع عودة “داعش”، بينما رأت تركيا في هذا المسار تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لأن الصلة الأيديولوجية والتنظيمية بين “وحدات حماية الشعب” وحزب العمال الكردستاني بقيت واضحة في بنية القيادة والعقيدة والانتشار. هنا بدأ الاصطدام الحقيقي بين حسابات واشنطن البراغماتية وحساسية أنقرة التاريخية تجاه أي كيان كردي مسلح على حدودها.

لم يكن القلق التركي تفصيلاً عابراً، بل ارتبط برؤية استراتيجية ترى أن نشوء قوة كردية ثقيلة السلاح شرق الفرات يمنحها قدرة على المناورة بورقة الانفصال، أو الضغط السياسي من موقع القوة مستفيدة من حماس غربي لاستثمار هذه الورقة. ولذلك عادت أنقرة إلى استحضار خبرتها السابقة مع دمشق، وتاريخ “اتفاقية أضنة” عام 1998 التي أنهت عملياً نشاط حزب العمال الكردستاني على الأراضي السورية وأفضت إلى إخراج عبد الله أوجلان واعتقاله. هذا التاريخ كان بمثابة دليل عملي لتركيا بأن الملف الكردي يمكن أن يُحسم عندما تتوفر الإرادة السياسية والتفاهمات الأمنية المناسبة.

بين عامي 2011 و2019، طرحت تركيا مشروع “الحزام الآمن” على الحدود الشمالية كخط دفاعي يمنع تمدد المشروع الكردي ويعزز أوراق أنقرة التفاوضية في الملف السوري، لكنها اصطدمت حينها بتحفظ أمريكي واضح. لاحقاً، وبعد محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016 وتبدل موازين القوى مع التدخل الروسي، انفتح الباب أمام مسار آستانة الذي جمع روسيا وتركيا وإيران، ليكوّن مساراً ميدانياً وسياسياً موازياً للنفوذ الأمريكي. وفي سياق هذا المسار نفذت تركيا عمليات عسكرية متعددة قطعت شرايين تمدد “قسد” وعرقلت إمكانية وصل الجغرافيا الكردية من شرق الفرات إلى عفرين وشمال إدلب. ومع كل عملية كانت رسالة أنقرة تتبلور: لن يُسمح بقيام كيان كردي مسلح متصل على حدودها مهما كانت الأغطية الدولية.

لكن التحول الأخطر لم يأت فقط من البندقية، بل من التغيّر في المركز السياسي داخل دمشق. بعد التطورات الكبرى التي شهدتها سوريا وصولاً إلى كانون الأول 2024 وبروز سلطة جديدة تحاول الإمساك بمفاصل الدولة وإعادة بناء الجيش، أصبح ملف “قسد” محكوماً بمعادلة مختلفة: دولة تسعى لاستعادة احتكار السلاح، وتركيا تريد إنهاء التهديد الحدودي، وواشنطن تحاول إدارة التوازن بأقل كلفة ممكنة. بدأت الحكومة السورية الجديدة خطوات منظمة عبر جمع السلاح من الفصائل ومعالجة ملفات “التسويات” وإعادة دمج التشكيلات المسلحة ضمن هيكل “الجيش السوري الجديد”، مع محاولة إنتاج مشهد دولة لا ميليشيات، وهي خطوة بدت لبعض المكونات بوصفها بوابة الاستقرار، بينما رأتها أقليات أخرى كمدخل للتطويع القسري.

الصدامات العنيفة التي شهدها الساحل السوري وما تبعها من مخاوف داخل البيئة الدرزية والكردية رسمت صورة ثقيلة عن المستقبل المحتمل لمن لا ينخرط سريعاً في مشروع المركز الجديد. فالعنف، واتهامات التغيير الديموغرافي، والذاكرة القريبة للحرب الأهلية، كلها عوامل دفعت “قسد” إلى البحث عن تسوية سياسية تضمن الحد الأدنى من الخصوصية. من هنا جاءت “اتفاقية العاشر من آذار 2025” التي نصت على الاندماج والتسوية تحت مظلة الشرعية الجديدة بحلول كانون الأول من العام ذاته، أي ضمن فترة انتقالية قصيرة نسبياً. ورغم أن الاتفاق حمل لغة سياسية واضحة، إلا أنه لم يُترجم ميدانياً إلا بخطوات محدودة، أبرزها اتفاق أمني في حلب لنقل السلاح الثقيل من الشيخ مقصود والأشرفية مع إبقاء “الأسايش” للحماية المحلية.

انتهاء المهلة الزمنية للاتفاق في نهاية كانون الأول 2025 فتح الباب أمام موجة جديدة من المتغيرات. فبين حديث عن تمديد محتمل ستة أشهر، وبين تصاعد الخطاب السياسي، طرأ عنصر شديد التأثير تمثل في تقاطعات أمنية إقليمية جديدة، انعكست سريعاً على الأرض. مع مطلع 2026 بدأت تحشيدات عسكرية سورية تستهدف حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وما هي إلا أيام حتى تحولت التحشيدات إلى مواجهات دامية انتهت بسيطرة القوات السورية على الحيين وإخراج القوات الكردية منهما، مع سقوط ضحايا مدنيين في مشاهد أعادت إلى الواجهة هواجس الحرب الداخلية. كانت هذه الضربة رمزياً أكثر من كونها معركة محلية، لأنها تعني أن “قسد” بدأت تفقد مواقع غرب الفرات، وأن ميزان القوة يميل لمصلحة دمشق وأنقرة في لحظة تفاهمات أوسع.

في قراءة موقف “قسد”، ظهرت علامات ارتباك لافتة بين محاولة إخلاء مقاتلي “الأسايش” عبر وسطاء، وبين خيار المواجهة الذي اختاره المقاتلون في الميدان رغم الحصار والضغط. هذا التناقض أعطى انطباعاً بأن القيادة السياسية والعسكرية تدرك مسبقاً صعوبة الدفاع عن تلك الجيوب، أو تحاول سحب الذرائع التركية عبر انسحاب محسوب، لكن النتائج ارتدت سلباً على صورتها داخل المجتمع الكردي، خصوصاً مع انتشار مشاهد رمزية حساسة خلال المعارك. وما إن طُوي ملف حلب حتى فُتحت معارك جديدة في محيط دير حافر والمسكنة ومطار الطبقة، وسط تحركات تركية أكثر وضوحاً، الأمر الذي أوحى بأن التدخل لم يكن ليحدث بهذه العلنية دون غطاء دولي أو تفاهمات ما بعد 2025.

على المستوى السياسي، صارت “قسد” أمام خيارين كلاهما صعب: إما الدخول في اندماج كامل ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، وهو ما تراه دمشق شرط السيادة واستعادة الدولة، وإما مواجهة عسكرية مرهقة تتآكل فيها قدرتها تدريجياً مع تقلص مساحة المناورة. وفي الخلفية، برز تحول لافت في الخطاب الكردي الإقليمي بعد مبادرة عبد الله أوجلان الداعية إلى إلقاء السلاح، وهي دعوة أحدثت أثراً رمزياً لأنها تسحب منطق “الشرعية الثورية” من الفصائل المسلحة وتعيد تعريف الممكن السياسي للأكراد في سوريا ضمن معادلات أقل عسكرة. وفي المقابل يحاول “مجلس سوريا الديمقراطية” لعب دور الموازن بين الحفاظ على الإدارة الذاتية وبين الحد الأدنى من شروط الدولة المركزية، لكن هامش هذا التوازن يبدو ضيقاً في ظل التحولات الميدانية المتسارعة.

أعمق ما يكشفه هذا المسار أن “قسد” كانت تعتمد بنيوياً على المظلة الأمريكية كرافعة وجود، لكن هذه المظلة نفسها بدأت تُنتج خطاباً مزدوجاً: دعم لفظي معلن يقابله غض طرف عملي عن خسائر ميدانية مفصلية. وهذا ما دفع كثيرين لاعتبار أن واشنطن تمارس نوعاً من “الاحتواء القسري”: تفكيك القوة الصلبة لـ”قسد” تدريجياً، ودفعها نحو إعادة تموضع سياسي تحت سقف الدولة السورية، وربما ضمن مسمى جديد أقل حساسية لأنقرة، مع إبقاء المصالح الأمريكية الأساسية مثل القواعد ونقاط النفوذ وملف السجون. وفي الوقت ذاته ظهر دور أربيل كمرجعية كردية بديلة أكثر قبولاً إقليمياً، بما قد يعني أن مستقبل الكرد السوريين يتجه نحو نموذج “تمثيل سياسي مضبوط” لا نموذج “قوة عسكرية مستقلة”.

بالنتيجة، تبدو ملامح “نهاية مشروع قسد” أقرب إلى نهاية صيغته القديمة لا نهاية الوجود الكردي ذاته. فالدولة السورية الجديدة تسعى لتكريس صورة استعادة السيطرة بوصفها إنجازاً يؤسس للشرعية، وتركيا ترى في تراجع “قسد” انتصاراً أمنياً ومعنوياً ينعكس على الداخل التركي وملف اللاجئين، بينما تتحرك الولايات المتحدة وفق منطق إعادة الهيكلة بأقل كلفة ممكنة. وبين هذه القوى تتغير خرائط النفوذ بسرعة، ويُعاد تعريف ما هو ممكن للكرد السوريين: من مشروع عسكري عابر للحدود، إلى خيارات سياسية أكثر ضيقاً لكنها ربما أكثر قابلية للاستمرار في زمن التسويات الكبرى.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى