- Advertisement -

- Advertisement -

ياسين جمول يكتب: لا تأخذ إجازة!

10

- Advertisement -


صحيح ما يقال: (دوام الحال من المحال)، وهذا عام في سنن الكون وفي أمر المخلوقات؛ فمبنى الكون على ليلٍ ونهار، وصيفٍ وشتاءٍ. وكذا الناس تعركهم الأيام وتدور بهم رحاهم، فترتفع بهم للأعلى في جولة وتنخفض بهم للقاع أحيانًا في جولة أخرى.

لا يستمرّ المجتهد مجتهدًا، إنْ في عملٍ، وإنْ في علمٍ، وإنْ في عبادةٍ، بل لعل المجتهد حتى يبقى له اجتهاده ويدوم يرتاح بين فينة وأخرى، فيأخذ إجازة. والطالب لا تستمر المدرسة طيلة العام، فحتى لا يملّ ويكره الدراسة تكون في منتصف العام الدراسي إجازة يسيرة وفي نهاية كل عام إجازة طويلة. والموظف في كل المؤسسات حكوميةً كانت أو خاصةً يكون له في العام إجازة.

فلماذا لا يكون للمسلم إجازة من إسلامه؟ أكلَّ يوم يصلّي الخمس وكلَّ عام يصوم رمضان؛ أما منها إجازة؟ ولماذا لا يكون للزوج إجازة من زوجته يفارقها حينًا فيرجع إليها مرة أخرى بنشاط أكبر وحبّ متجدد؟ وكذا للزوجة من زوجها. لماذا لا يكون للشاب أو للفتاة إجازة من الأهل يذهبون إلى أهل آخرين يفعلون ما يحلو لهم دونهم ثم يعودون إليهم بعد حين..هل الأبوّة والبنوّة أبد سرمد؟

أسئلة تتناكر وتتقابح، لكن لها وجه إن لم نفهمه ونفقه لها جوابًا فقد ترد علينا من طفل فنقع فلا نخرج منها إلا بالصراخ أو الضرب وربما بالرمي بالكفر أو الجنون.

نعم، من الفطرة الإنسانية أن المرء يتعب، وأنه حقًا تلزمه كل حينٍ إجازة، لكن مفهوم الإجازة مختلف بين الناس؛ فهل الإجازة الخروج من بلد محافظ إلى آخر يتوهم فيه المتوهمون أن الله غائب غياب المعارف والأقارب فيحسُن كل قبيح ويحلّ كل محرَّم؟ أو الإجازة للطالب أن يرمي كتبه في نهاية العام الدراسي ويسافر فلا يقرأ حرفًا أو ينظر كتابًا إلى صباح أول يوم في المدرسة وصل بيتَه ليلتَه متعبًا من الإجازة، كأنما تلزمه إجازة ليرتاح من عناء الإجازة! أم أن الإجازة للمعلّم أن يغلق هاتفه في نهاية دوام آخر يوم في الأسبوع فلا يفتحه إلا حينما يفتح مكتبه بعد الدوام بساعة في أول أيام الأسبوع وقد تأخر لانشغاله في الإجازة! فإن وجبت الإجازة في العمل والدراسة والتدريس فلماذا لا تجوز في التكاليف الشرعية أيضًا؟ ما دامت العلّة هي التعب والمشقّة.

ليس للموظف في شركة خاصة أن يطالب بإجازة كإجازة الطالب في المدرسة لسبب يسير، وهو أن لكل دائرة منهما قانونها الذي ينظم شؤون العاملين فيها، وهو ما يوافق عليه من ينضم لهذه الدائرة أو تلك. القانون الذي يحدد لكل عنصر في الدائرة مهامه وامتيازاته، ويبيّن بوضوح لها واجباته وحقوقه، فيؤدي ما عليه ليأخذ ما له، ويشرح له أوقات دوامه وإجازته؛ وهو في كل ذلك راضٍ موافق، وإن كان مكرَهًا غير مقتنع.

ولله المثَل الأعلى؛ كذلك من التزم الإسلام وارتضاه دِينًا، فتقبل عن الله أوامره ونواهيه، ولا تنتقي من الدِّين ما يحلو لك، ولا تلتزم منه بما يناسب هواك؛ لكنّ فيه ما لا مناص من عمله وفيه ما أمره إليك؛ إن علمته فخيرٌ لك وإن تركته فلا حرج عليك. لكن ترتضي عن الله ما يحدده لك من فرائض وواجبات بأوقاتها كما جاءت، وعلى الكيفية التي وردت عن الله ورسوله، فترتاح في (مؤسسة الإسلام) إن فهمت قوانينها وأدّيت ما عليك لتحظى بما وعدك الله به يوم الجزاء والمكافأة.

فإن كنت تريد الإجازة أو الاستراحة في (مؤسسة الإسلام) فتأخذها منها، من قانونها الداخلي، لا من مؤسسة أخرى أو عن (مدير) آخر. وآمِن بالله الحكيم الذي خلق النفوس وهو أعلم بها وبما تحتاجه تجد راحة في قلبك وسكونًا في نفسك لا نظير له. فهل سمعت أو قرأت بعنايةٍ حديث النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سنَّتي، فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ؛ فهو عالم متميز بالنفس البشرية، يشرح لنا كيف أن لكل نفس فترةَ توهّجٍ ونشاطٍ وفترةَ خمولٍ وضعفٍ، وأن النفس يلزمها حقًا (إجازة) ولكن! لم يتركنا لأهوائنا فأكمل عقده اللؤلؤي بالضابط الموجِّه للإجازة خلال فترة الضعف أن الواجب ألا تخرج الإجازة عن خطّ المؤسسة الإسلامية عن خط مؤسسة محمّد عليه الصلاة والسلام؛ وإلا فإن المرء يهلك.

إن هذا الحديث عن رسول الله هو مفتاح (فقه الإجازة)، ومن لم يملك المفتاح فلا يُحسن دخول البيت من بابه، وكل التجاوزات التي تحصل في الإجازات والاستراحات مدارها مخالفة هذا الحديث.

فمن يسأل – أو تسأل – عن إجازة من الزوج هل وضع قانونًا لبيته الذي أسّسه؟ هل عرف كل واحد واجباته فقام بها حتى يطالب بحقوقه؟ فالبيت الذي يحرص كل واحد من أفراده على واجباته فيقوم بها تأتيه حقوقه من غير طلبٍ منه ولا إلحاح. ومن يلحّ أو يصرخ فإن عنده خللًا فلتفقّد أفراد بيته وأركانه، ففي شيء منها خلل فليراجعه. عندها يشعر الزوج أن إجازته أن يكون مع شريكه كأنهما في أول يوم بدأ تأسيس بيته فيه؛ ولنعم الإجازة حينها.

والطالب الذي تتعلق نفسه بالإجازة ويطلّق فيها الدراسة ثلاثًا، ثم يسترجعها كُرهًا بمحلّل مشكلته من طرفَين: من أهله، ومن معلِّميه. فأما الأهل فجريمتهم في ربط الجائزة بالإجازة؛ فمكافأة الطفل أن يلهو، وعقوبته أن نُلزمه بقراءةٍ أو حفظٍ، ولا يرى شيئًا مسليًا إلا في يوم العطلة، فتعلقت نفوس الأطفال بيوم العطلة لأن فيه الخروج من البيت واللعب مع الأصحاب وزيارة الأقارب وكل أنواع الترفيه. ومن جهة المدرسة والمعلّمين في أنهم جعلوا المدرسة سجنًا وتدرّعوا لبوس الجلّادين، فحقّ لمن كان عندهم أن ينتظر بفارغ الصبر فكاكًا منهم ومنها.

ولن تتغير نِظرة الطلاب للمدرسة وتتعلق بها نفوسهم حتى ننجح في تعليقهم بأنفسنا وبالعلم؛ بأنفسنا عندما تتحقق لنا المصداقية ويجد الطالب عندنا ما لا يجده عند غيرنا من (العلم) و(السَّمت) أو الهَدْي معًا ولا يغني واحد عن آخر. وبالعلم فيعرفون أن العلم ليس المنهاج المقرر الذي يجدون النظر فيه عقوبة والجائزة في الفكاك منه والنظر في الشاشات أو المناظر الطبيعية أو الصناعية، فلنحرر عقول الطلاب من هذا ليفهموا أن لا إجازة من العلم؛ فما تعبتَ منه فاصرف نظرك عنه لشيء آخر منه أيضًا فهو حديقة غنّاء فيها كل ما تشتهي وتحبّ، فإن تعبتَ من القراءة فاسمعْ وإن تعبتَ من التقليدي فالعبْ وتعلّمْ. وأن الحياة كلها خبرة ومعارف، فلا نغلق عيون الطلاب على العلوم مجردةً فيقعون يسبّوننا ويسبّون العلم عند أول حفرة تعترضهم في حياتهم العلمية، فالعلم الحق ما صوّر الحياة وصوّب ما فيها لا ما زيّفه وأوهم غير حقيقته، وما أجمل ما قاله المربّي الأديب علي الطنطاوي: هذه هي سنّة الحياة، وليس على الحياة ذنب، فهي سافرة لم تستتر ولم تخدع أحدًا عن نفسها، ولكن الذنب على الأدباء والمدرسين الذين وضعوا عيونهم في أوراقهم وحبسوا أنفسهم في مكاتبهم، وأرادوا أن يدرسوا الحياة فلم يفهموا منها شيئًا. فلنكن على ذُكر من هذا مع طلابنا نفرحْ وقتها أن سيتعلقون بالمدرسة أكثر من تعلقهم بالإجازة، وإن ذهبوا في إجازة رجعوا للمدرسة ليس بأقل مما غادروها من معارف وفوائد.

إن من (فقه الإجازة) ما رُوي من حكمة داود عليه السلام: حقٌّ على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربَّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما (يحلّ ويجمل)؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات. ومن شرعنا أننا لله في كل حينٍ: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وكان لنا الأجر فيما علمناه في الجدّ أو الاستراحة والإجازة؛ إن كان لا يخرج عن قوانين المؤسسة المحمدية ويحقق الهدف الأسمى الذي خُلق له كلُّ عبدٍ منّا.

لذا:

لا تأخذ إجازة لا ترجع منها أنشط مما كنت، ولا تأخذ إجازة تقطعك عن أمرٍ يفسد بالانقطاع كالبحث العلمي والتحقيق، ولا تأخذ إجازة تخالف فيها قانون مؤسستك وتعليمات مَن هو فوقك؛ فليس ثمة إجازة تذهب بك من الكون إلى اللاكون واللامحاسبة واللامعدود عليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست





Source link

- Advertisement -

Get real time updates directly on you device, subscribe now.