قراءة في مؤشرات الجدية وحدود التصعيد

حين تُعقد جولة تفاوضية بين دولتين تتنازعان على تعريف الأمن والسيادة والنظام الإقليمي، فإن السؤال لا يكون فقط: هل سينجح التفاوض أم ستندلع الحرب؟ بل: كيف يُبنى الإدراك العام حول هذين الاحتمالين؟ ومن يملك سلطة ترجيح أحدهما في الوعي الجماعي قبل أن يُحسم على الطاولة السياسية؟

ما جرى في جنيف لم يكن مجرد محطة تقنية في مسار التفاوض النووي بين طهران واشنطن، بل كان اختبارًا لبنية القوة التي تحكم العلاقة بين الدبلوماسية والإعلام والعسكرة. فبينما كانت القاعات المغلقة تناقش نسب التخصيب وآليات رفع العقوبات وضوابط الرقابة، كانت شاشات كثيرة تُشيّد سردية مغايرة: سردية “النافذة الأخيرة” و”حتمية المواجهة” و”الضربة المحدودة” التي قد تتدحرج إلى حرب شاملة.

أولًا: مؤشرات الجدية… ما الذي تغيّر؟

تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقب الجولة الثالثة لم تكن خطابًا تعبويًا بقدر ما كانت إعلانًا عن انتقال التفاوض إلى مستوى مختلف: بدءُ المباحثات الفنية في فيينا يوم الاثنين المقبل، بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل غروسي. في المنطق التفاوضي، الانتقال إلى المستوى التقني يعني أن نقاش المبادئ لم يعد مغلقًا بالكامل، وأن هناك حدًا أدنى من التفاهم يسمح بتفكيك العقد التفصيلية.

التفاوض هنا لم يُختزل في “نعم” أو “لا” بشأن التخصيب، بل في تعريف حدوده، نسبه، آلياته، ومدته. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جوهر أي اتفاق قابل للحياة. فالدبلوماسية، بخلاف الخطاب الإعلامي، لا تعمل بمنطق الشعارات المطلقة، بل بمنطق التدرج والضبط المتبادل.

إيران، وفق هذا المسار، حاولت تثبيت معادلة مزدوجة:

– حصر التفاوض في البرنامج النووي، واستبعاد الملفات الأخرى (الصواريخ، العلاقات الإقليمية).

– إبقاء “الخطوط الحمر” داخل الملف نفسه، مع فتح هوامش مرونة تكتيكية (تخفيض نسب التخصيب، ترتيبات زمنية مؤقتة).

هذا النمط من التفاوض ليس جديدًا في السياسة الدولية. إنه يعكس فهمًا لقاعدة أساسية: حين تكون ميزان القوى غير متكافئ، تصبح إدارة الملف أكثر أهمية من حسمه دفعة واحدة.

ثانيًا: حدود التصعيد… من يضغط على الزناد؟

في المقابل، لا يمكن تجاهل التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة. الحشود، القواعد، حاملات الطائرات، وإشارات الردع ليست ديكورًا. لكنها أيضًا ليست إعلان حرب تلقائيًا. في كثير من الأحيان، تُستخدم القوة كأداة تفاوض، لا كبديل عنه.

تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تعكس هذا التوتر. فهو لم يستبعد الخيار العسكري، لكنه شدد على عدم الرغبة في حرب طويلة. هذا ليس موقفًا أخلاقيًا، بل حسابًا استراتيجيًا: الحروب الممتدة تستنزف الإمبراطوريات أكثر مما تعززها.

الرئيس دونالد ترامب، الذي بنى جزءًا من خطابه الداخلي على رفض “الحروب التي لا تنتهي”، يجد نفسه أمام معادلة معقدة:

– التراجع دون إنجاز يُقرأ كضعف.

– الذهاب إلى حرب مفتوحة قد يتحول إلى مأزق استنزافي.

هذا التردد ليس دليل حيرة شخصية، بل انعكاس لانقسام بنيوي داخل مراكز القرار الأمريكية بين من يرى في الضربة المحدودة أداة ضغط، ومن يخشى انزلاقها إلى مواجهة أوسع لا يمكن ضبطها.

ثالثًا: الإعلام وصناعة الاحتمال

هنا تتكشف مسألة جوهرية: لماذا جرى تضخيم احتمال الحرب إلى هذا الحد في بعض التغطيات، مقابل تهميش مؤشرات التقدم التفاوضي؟

في النظم السياسية المعاصرة، الإعلام ليس مجرد ناقل للحدث، بل مساهم في تشكيله. حين يُخصَّص الحيز الأكبر لتحليل تحركات حاملات الطائرات، وللحديث عن “خيبة أمل” هذا المبعوث أو ذاك، مقابل تجاهل إعلان بدء مباحثات فنية، فإن ما يُبنى ليس تحليلًا، بل مناخًا.

المناخ المتوتر لا يضغط فقط على الرأي العام، بل على صانع القرار نفسه. فالحرب، قبل أن تكون قرارًا عسكريًا، تحتاج إلى تهيئة نفسية. وتهيئة كهذه تُصنع عبر تكرار مفردات بعينها: “الفرصة الأخيرة”، “الاختراق الفاشل”، “الضربة الحتمية”.

هذا النمط ليس استثناءً في الحالة الإيرانية. إنه جزء من آلية أوسع في السياسة الدولية، حيث يُعاد إنتاج سرديات التهديد لتبرير توسيع هامش القوة.

رابعًا: السيناريوهات الواقعية

في القراءة الباردة، الاحتمالات الثلاثة قائمة:

– حرب مستعجلة تقطع مسار التفاوض.

– حرب مؤجلة تُستخدم فيها سياسة “الخطوة خطوة”، على غرار مقاربات هنري كيسنجر، حيث يُعالج النووي أولًا ثم تُفتح الملفات الأخرى.

– اتفاق محدود يخفف التصعيد ويفتح مسارًا أوسع للدبلوماسية.

لكن ترجيح أحد هذه السيناريوهات لا يُبنى على الرغبات، بل على حسابات الكلفة. والحرب الشاملة، لا تضمن نتائج سريعة أو حاسمة، خصوصًا إذا تحولت إلى استنزاف إقليمي متعدد الجبهات.

كما أن أي مواجهة مفتوحة ستعيد رسم توازنات أوسع، في ظل عالم لم يعد أحادي القطبية بالكامل، حيث تراقب قوى كبرى مسار الأحداث بعيون استراتيجية.

خامسًا: ما وراء النووي

النزاع هنا ليس تقنيًا بحتًا. إنه يتعلق بتعريف السيادة وحدودها. هل يحق لدولة أن تمتلك برنامجًا نوويًا سلميًا ضمن ضوابط دولية؟ أم أن تعريف “التهديد” يبقى حكرًا على القوى الكبرى وحلفائها؟

إذا تحولت المعركة إلى إسقاط نظام أو إعادة تشكيل جيوسياسي بالقوة، فإن الأمر يتجاوز البرنامج النووي إلى سؤال أوسع: هل ما يزال النظام الدولي قائمًا على قواعد عامة، أم على استثناءات دائمة تُفرض بالقوة؟

مفاوضات جنيف كشفت مفارقة مركزية: كلما اقترب التفاوض من التفاصيل التقنية، ارتفع الضجيج حول الحرب. هذا لا يعني أن الحرب مستبعدة، بل أن استخدامها كأداة ضغط يبلغ ذروته عند لحظات الحسم.

الجدية لا تُقاس بالتصريحات فقط، بل بالانتقال إلى المباحثات الفنية، وبالاعتراف الضمني بأن البديل عن التفاهم ليس نصرًا سريعًا، بل فوضى مفتوحة.

وحدود التصعيد، في النهاية، لا ترسمها الرغبات الأيديولوجية ولا الحسابات الإعلامية، بل إدراك بسيط: في عالم متشابك المصالح، قد يكون إشعال الحرب أسهل من إنهائها.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version