صحافة

خيبة أمل ترامب في مضيق هرمز: أزمة قيادة وتحالفات في لحظة اختبار

خيبة أمل ترامب في مضيق هرمز: أزمة قيادة وتحالفات في لحظة اختبار

كتب محمد قاسم

تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بالأزمة في مضيق هرمز إلى تعقيدات سياسية وعسكرية عميقة واجهتها الولايات المتحدة في محاولتها تشكيل تحالف دولي سريع لتأمين الممر البحري الحيوي. فبعد الدعوة التي أطلقها الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى عدد من الدول الحليفة للمشاركة في قوة بحرية لفتح المضيق وضمان حرية الملاحة، ظهرت مواقف متحفظة أو رافضة من عدة عواصم رئيسية، الأمر الذي وضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب لقدرتها على حشد الدعم الدولي في أزمة حساسة تمس أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

مضيق هرمز: عقدة الطاقة العالمية

يُعد Strait of Hormuz أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً. هذا الموقع الجغرافي الضيق بين Iran و**Oman** جعله منذ عقود محوراً للتنافس الجيوسياسي، خصوصاً في ظل الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في الخليج.

مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، طرحت واشنطن فكرة تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لضمان بقاء الممر مفتوحاً أمام حركة السفن التجارية. غير أن الاستجابة الدولية جاءت أقل بكثير من التوقعات الأمريكية.

حلفاء يرفضون المشاركة

تشير المعطيات الصادرة عن مصادر إعلامية ومتابعات مفتوحة المصدر إلى أن عدة دول حليفة للولايات المتحدة فضّلت عدم الانخراط العسكري المباشر في مهمة تأمين المضيق.

فقد أعلنت France رفضها الانضمام إلى التحالف البحري المقترح، مفضّلة التركيز على المسار الدبلوماسي الأوروبي وخفض التصعيد الإقليمي. كما أبدت Japan تحفظاً واضحاً، معتبرة أن إرسال قوات بحرية إلى منطقة تشهد مواجهة محتملة مع إيران يمثل خطوة عالية المخاطر سياسياً وعسكرياً.

بدورها، أبدت Australia تردداً كبيراً، مع تقارير تشير إلى أن الحكومة الأسترالية لا تنوي إرسال سفن حربية إلى المنطقة في ظل محدودية قدراتها البحرية ومخاطر الانزلاق إلى صراع مباشر. أما United Kingdom فقد اتخذت موقفاً أكثر حذراً، حيث فضّلت التركيز على إجراءات محدودة مثل تقنيات كشف الألغام بدلاً من المشاركة في قوة قتالية واسعة.

هذه المواقف مجتمعة شكّلت ضربة سياسية غير متوقعة للمبادرة الأمريكية، إذ بدت واشنطن عاجزة عن حشد التحالف الدولي الذي كانت تعوّل عليه لتقاسم عبء العمليات في الخليج.

تهديدات للناتو وتصاعد التوتر

في خضم هذه التطورات، صدرت تصريحات حادة من الرئيس الأمريكي Donald Trump عبّر فيها عن استيائه من تردد الحلفاء. وقد لوّح بإعادة النظر في التزامات الولايات المتحدة تجاه NATO، مذكّراً الدول الأوروبية بأن واشنطن تتحمل منذ سنوات العبء الأكبر في الدفاع عن الحلف.

هذا التلميح إلى احتمال تقليص الالتزامات الأمريكية داخل الناتو اعتُبر رسالة ضغط واضحة، مفادها أن واشنطن تتوقع من حلفائها إظهار قدر أكبر من التضامن عندما تتعرض المصالح الغربية المشتركة للتهديد.

غير أن هذه اللغة التصعيدية أثارت بدورها قلقاً داخل بعض العواصم الأوروبية، التي ترى أن ربط التحالفات الأمنية التقليدية بالأزمات الإقليمية قد يؤدي إلى توترات جديدة داخل الحلف نفسه.

حسابات الدول المترددة

تعكس مواقف الدول الرافضة أو المتحفظة جملة من الحسابات الاستراتيجية المعقدة. فمن جهة، تعتمد العديد من هذه الدول بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة، ما يجعلها حريصة على تجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى إغلاق المضيق فعلياً.

ومن جهة أخرى، تخشى الحكومات الغربية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهي دولة تمتلك قدرات عسكرية غير تقليدية في الخليج، تشمل الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام البحرية. هذه القدرات تمنح طهران إمكانية إلحاق أضرار كبيرة بحركة الملاحة حتى في مواجهة قوة بحرية متفوقة.

كما أن الرأي العام في العديد من الدول الأوروبية والآسيوية لا يميل إلى دعم عمليات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تجارب طويلة من الحروب المكلفة في المنطقة.

انعكاسات على ميزان القوى

إن فشل الولايات المتحدة في تشكيل تحالف واسع بسرعة قد يترك آثاراً أعمق على صورة القيادة الأمريكية في النظام الدولي. فواشنطن اعتادت خلال العقود الماضية على قيادة تحالفات عسكرية متعددة الجنسيات في الأزمات الكبرى، كما حدث في حرب الخليج أو في العمليات العسكرية في أفغانستان.

أما في الأزمة الحالية، فقد بدت الولايات المتحدة أكثر عزلة نسبياً، الأمر الذي قد يشجع خصومها الجيوسياسيين على اختبار حدود النفوذ الأمريكي في مناطق أخرى من العالم.

في المقابل، قد يدفع هذا الوضع الإدارة الأمريكية إلى الاعتماد بشكل أكبر على قدراتها العسكرية الخاصة في المنطقة، سواء من خلال الأسطول البحري أو القواعد المنتشرة في الخليج.

خلاصة

تُظهر أزمة مضيق هرمز الحالية أن التحالفات الدولية لم تعد تعمل بالسهولة نفسها التي كانت سائدة في العقود الماضية. فحتى الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة باتوا أكثر حذراً في الانخراط في عمليات عسكرية قد تؤدي إلى مواجهة إقليمية واسعة.

بالنسبة للرئيس الأمريكي Donald Trump، تمثل هذه التطورات خيبة أمل سياسية واضحة، إذ لم تلق دعوته إلى تشكيل قوة بحرية دولية الاستجابة التي كان يأملها. أما بالنسبة للنظام الدولي الأوسع، فقد تعكس الأزمة تحولاً تدريجياً في طبيعة التحالفات، حيث أصبحت المصالح الوطنية والحسابات الداخلية تلعب دوراً أكبر في تحديد مواقف الدول من النزاعات الإقليمية.

وفي ظل استمرار التوتر في Strait of Hormuz، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت واشنطن ستنجح لاحقاً في بناء تحالف أوسع، أم أن الأزمة ستدخل مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من العمل الأحادي والتوازنات الهشة في الخليج.