برنامج إيران الصاروخي.. كيف امتلكت طهران هذه القدرة؟




موقع الدفاع العربي – 8 أبريل 2026: لم تكن أزمة إيران في سنوات الحرب مع العراق مجرد نقص في السلاح، بل كانت صدمة وجودية كشفت هشاشة قدرتها على الردع. هذه الحقيقة استحضرها المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في منشور له عام 2018 على منصة “إكس”، حين أشار بوضوح إلى مرحلة لم تكن فيها بلاده تملك ما يكفي من الصواريخ للدفاع عن نفسها. ومن رحم تلك التجربة، وُلدت لدى طهران قناعة استراتيجية حاسمة: لا بقاء من دون قوة صاروخية. هكذا بدأ المسار الذي قاد إيران لاحقًا إلى تشييد واحد من أكثر برامج الصواريخ توسعًا وإثارةً للجدل في العالم.
المفارقة الكبرى تكمن في أن جذور البرنامج الصاروخي الإيراني بدأت على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تقودان اليوم جهودًا كبيرة لتدميره. ففي عهد الشاه، الحليف الأبرز لواشنطن، كان هناك طموح لبناء قوة عسكرية لا تضاهى، ما دفعه لاستيراد صواريخ “تاو” و”مافريك” و”فينكس” وغيرها من واشنطن. ولكن هذه الصواريخ لم تُشبع طموحه، فبدأ في عام 1977 تحالف سري مع إسرائيل عُرف باسم “مشروع الزهرة”، تعاون فيه الطرفان لبناء نسخة إيرانية من صاروخ “أريحا 2” الإسرائيلي الذي بلغ مداه 1300 كيلومتر، مقابل شحنات نفطية بلا مقابل.
مع تقدم المشروع وإنشاء مواقع تجريبية في سرجان ورفسنجان، اندلعت الثورة الإسلامية غيرت كل شيء. بحلول يوليو 1978، أدركت إسرائيل أن الشاه على طريق السقوط، فأمرت بسحب جميع مهندسيها المشاركين وجمعت المخططات والرسومات الهندسية، ونقلتها عبر حقيبة دبلوماسية محمية بإحكام.


مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، أدرك النظام الجديد مدى حاجته لمشروع مماثل للزهرة بعد أن ألحقت الصواريخ العراقية “سكود” خسائر كبيرة بالمدن الداخلية، مما استدعى ردًا سريعًا لتجنب تفاقم الأوضاع. ومع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة وأوروبا، توجّه الإيرانيون إلى الدول التي حافظت على علاقاتها معهم، ومن بينها ليبيا، التي أرسل القذافي 30 صاروخ “سكود بي” مع فنيين لتدريب الإيرانيين على استخدامها. وفي مارس 1985، أُطلق أول صاروخ إيراني نحو العراق ودمر مصنعًا في كركوك، معلنًا تعديل مسار الصراع.
لكن الدعم الليبي لم يدم طويلًا بسبب خلافات، ما أتاح للضابط الشاب حسن طهراني مقدم قيادة جهود إصلاح الصواريخ المعطلة باستخدام الهندسة العكسية، وإدارة نحو 100 صاروخ مستورد من كوريا الشمالية. وفي مارس 1988، وخلال خطبة الجمعة في طهران، عبرت صواريخ عراقية فوق المصلين، ما دفعهم لهتافات مؤيدة للرد، ليبدأ ما عُرف بـ”حرب المدن”، التي خلفت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.
كما صرح محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، بأن الصواريخ التي “زرعناها كشتل خلال الحرب مع العراق”، كانت ثمارها الحقيقية بعد انتهاء الحرب، إذ قررت طهران الاستمرار في الاعتماد على الصواريخ كعنصر استراتيجي أساسي، والتحول من شراء الصواريخ إلى صناعتها محليًا.


تم إنشاء مجمع شهيد همت وتلقي الدعم الفني من كوريا الشمالية والصين، ليقود حسن طهراني مقدم جهود توطين صناعة الصواريخ محليًا، وبدأت عائلة صواريخ “شهاب” بالظهور، من “شهاب 1” المستنسخ من سكود بي بمدى 300 كم، إلى “شهاب 2″ المستنسخ من سكود سي بمدى 500 كم، و”تندر 69” المستنسخ من الصاروخ الصيني CSS-8 بمدى 150 كم. كما ظهرت عائلة “زلزال” المستندة إلى تكنولوجيا صاروخ FRAG الروسي بمدى 200 كم، إلى جانب تطوير صواريخ قصيرة المدى مثل “نازعات” و”فجر” لمعارك القرب.
رغم ضعف الدقة في النماذج المبكرة، اعتمدت طهران على موسكو لتوفير أجهزة تقنية متقدمة، وتدريب عشرات المهندسين الإيرانيين، وتقديم النصائح المباشرة لتجاوز الصعوبات الفنية. خلال الألفية الجديدة، لم يكتف الإيرانيون بتلقي التكنولوجيا بل ساهموا في تصنيعها، فمولوا برنامج صاروخ “نودونغ” الكوري بـ500 مليون دولار، ليخرجوا منه “شهاب 3” بمدى يتجاوز 1200 كم، ودخل الخدمة العسكرية رسميًا في يوليو 2003، ليصبح الحرس الثوري قادرًا لأول مرة على ضرب إسرائيل.
لاحقًا تم تطوير نسخة “شهاب 3 إم” أو “قدر 1” بمدى 1600 كم، والتحول تدريجيًا من الوقود السائل إلى الوقود الصلب الذي يختصر زمن الإطلاق لدقائق معدودة، وظهرت صواريخ “فاتح 110” عام 2001 بمدى 300 كم وحمولة تفجيرية تصل إلى 500 كغ كما زُود بأنظمة توجيه متقدمة جعلته أحد أدق صواريخ الترسانة الإيرانية آنذاك. وبعدها ابتُكر صاروخ “سجيل” أو “عاشوراء” بمدى 2200 كم وتجاوزت حمولته التفجيرية 700 كلغ، لتصبح إيران الدولة غير النووية الوحيدة بقدرة صاروخية بهذا المدى.


رغم حادث 2011 الذي أودى بحياة طهراني وعدد من كبار المهندسين، استمر البرنامج، فظهرت صواريخ “فاتح 313″ بمدى 500 كم، و”ذو الفقار” بمدى 700 كم وراس متفجر 500 غ، و”ديزفول” بمدى يتجاوز 1000 كم، و”رعد 500″ بمحرك من ألياف الكربون، وصولًا إلى “خيبر شيكن” في فبراير 2022 بمدى 1400 كم وقدرة على المناورة ورأس عنقودي.
واصلت إيران تطوير عائلة “شهاب” لإنتاج نسخ متقدمة بالوقود السائل مثل “قيام 1″ بمدى 700 كم، و”عماد” بمدى 1700 كم، و”خرمشهر” بمدى تجاوز 2000 كم. معظم هذه الصواريخ خبئت ضمن “مدن الصواريخ” التي بدأت ببنائها في عهد محمد باقر قاليباف، ما منح طهران القدرة على توجيه ضربات دقيقة ضد أعدائها، مثل ضرب مقرات داعش في ديرزور عام 2017، وقاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق مطلع 2020، وصولًا إلى المواجهات مع إسرائيل بين 2024 و2026، التي شهدت إطلاق نحو 800 صاروخ ضمن عمليات “الوعد الصادق”، والتي تُجرى نسختها الرابعة حاليًا ويُقدر عدد الصواريخ المشاركة فيها بنحو ألف صاروخ.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-04-08 14:13:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-04-08 14:13:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
