الدين والسياسة في أمريكا: ترمب.. مواجهة مفتوحة بين البيت الأبيض والكنيسة


لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة يوماً علاقة بسيطة أو أحادية الاتجاه، فهي من بين الروايات الأكثر جدلاً والمتجددة بين رؤيتين متعايشتين في توتر خلاق؛ الأولى ترى في الإيمان ركيزة أخلاقية لا غنى عنها لأي نظام حكم سليم، والأخرى تعتقد بأن الفصل بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة هو الشرط الجوهري الذي لا تقوم الحرية في غيابه. وقد آمن توماس جيفرسون وجيمس ماديسون وسواهم من الآباء المؤسسين بهذا الفصل، ولم يسعوا لإقصاء الدين من الحياة العامة بقدر ما سعوا إلى أن تظل الدولة محايدة تجاه جميع العقائد، دون تكريس أو تمييز في الإيمان.
على هذه المعادلة الدقيقة قامت الجمهورية الأمريكية وتطورت، محملة في داخلها توترات دينية لم تُحسم كلياً؛ يهدأ أوارها حيناً، ثم ما يلبث أن يتجدد حين تتحرك عوامل التاريخ بما تحمله من مخاوف الهوية ونزاعات الولاء. وقد كانت العلاقة بين البروتستانتية والكاثوليكية في هذا السياق خطاً من أكثر خطوط التوتر دواماً وعمقاً؛ فالكاثوليكية التي كانت في الوجدان البروتستانتي الأمريكي مذهباً لاهوتياً مغايراً، اعتُبرت لقرون طويلة رمزاً لسلطة أجنبية، وولاء مشكوك فيه، وتهديداً صامتاً لمشروع الأمة الجديدة الناشئة. وحين يقف المرء اليوم أمام مشهد رئيس أمريكي يصطدم بالفاتيكان ويهاجم بابا أمريكي النشأة، فإن الحدث يُقرأ في حلقة ضمن سلسلة طويلة من التوترات التي شكّلت هوية هذه الأمة وأعادت تشكيلها مراراً وتكراراً، منذ أن رست سفن المهاجرين الأوائل على شواطئ العالم الجديد وهم يحملون في نواصيهم أحلاماً وواجباً مقدساً يجب الشروع فيه.
صدام السلطة والسياسة: حين يتحدى دونالد ترمب الفاتيكان ويستفز إرث البابوية
لعل المفارقة الأكثر إيلاماً في هذا المشهد أن ترمب لم يكتفِ بتوظيف الدين لحشد أنصاره، بل وجّه سهامه نحو أعلى سلطة دينية في العالم المسيحي. فمنذ حملته الانتخابية الأولى عام 2016، حين وصف تصريحات البابا فرنسيس بشأن جدار الحدود المكسيكية بأنها “مخزية”، أخذ ترمب يراكم سجلاً استثنائياً في مواجهة روما. غير أن ما جرى في أبريل (نيسان) 2026 تجاوز كل ما سبق؛ إذ لم يعد الأمر اختلافاً في السياسة، بل غدا إعلان حرب على مؤسسة دينية عمرها ألفا عام. ذلك أن البابا ليو الرابع عشر، أمريكي المولد شيكاغي الأصل، لم يُدر ظهره لوطنه حين انتقد الحرب على إيران، بل تحدّث بلغة الإنجيل التي آمن بها، رافضاً أن يُستحضر اسم الله في تبرير القتل. ولم يُسمِّ ترمب بالاسم، لكن رسالته كانت أبلغ من أن تحتاج إلى توضيح.
فجاء رد الرئيس الأمريكي كاسراً كل تقليد دبلوماسي وديني وأخلاقي في آن واحد؛ حين ادعى رئيس دولة عظمى الفضل في تعيين خليفة القديس بطرس، وطالبه بأن “يرتب أوراقه”، ثم نشر صورة يُجسّد فيها نفسه في هيئة المسيح، في إشارة لا تحتمل التأويل إلى رغبة عميقة في احتلال مكانة تعلو على كل سلطة أرضية أو سماوية.
جذور العداء للكاثوليكية في التاريخ الأمريكي
ثمة مفارقة لا يمكن تجاوزها بسهولة في المشهد الراهن، مفادها أن ملايين الكاثوليك الأمريكيين الذين منحوا ترمب أصواتهم في انتخابات 2024، وجدوا أنفسهم اليوم في موقف بالغ الحرج؛ وهو أن رئيسهم الذي انتخبوه يُهين بابا أمريكي المولد، شيكاغي النشأة، يتكلم لغتهم ويفهم واقعهم، ويرفع صوته دفاعاً عن القيم ذاتها التي آمنوا بها طوال حياتهم. فإلى من يُدينون بالولاء؟ وهو السؤال الذي طُرح على أجدادهم قبل قرنين، وظنوا أنهم أجابوا عنه إلى الأبد.
غير أن الأمر يتجاوز مجرد الورطة الانتخابية؛ فما يكشفه هذا الصراع في حقيقته هو أن الانقسام الديني في أمريكا لم يعد يسير على خطوط طائفية كما كان في الماضي، بل انتقل إلى ما هو أعمق وأشد خطورة. فبينما يرى ستة من كل عشرة إنجيليين بيض أن الله قدّر لترمب الفوز، ويمنحونه بذلك تفويضاً يتجاوز حدود السياسة إلى حدود العقيدة، نجد في المقابل بابا يعلن أن الله لا يبارك الحروب ولا يسمع صلوات من تلطّخت أيديهم بالدم. وبين هذين الموقفين المتناقضين لا مساحة للحوار، لأن كليهما يتحدث “باسم السماء”.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي يتجاوز ترمب شخصه وزمنه؛ فحين يُحوَّل الدين من رسالة أخلاقية جامعة إلى هوية قبلية فارزة بين “نحن” و”هم”، فإنه يفقد وظيفته الأصيلة ويتحوّل إلى وقود للانقسام. وقد أدرك الآباء المؤسسون هذا الخطر جيداً، فأرسوا مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة حماية للجمهورية من أن يستأثر بها صوت ديني بعينه. واليوم يُقوَّض هذا المبدأ من رجل يدّعي التفويض الإلهي، ويُصوّر معارضيه أعداء لله قبل أن يكونوا خصوماً سياسيين.
أما البابا ليو الرابع عشر، الأمريكي الذي اختارته الكنيسة لعلّه يكون جسراً بين الفاتيكان والقوة الأمريكية العظمى، فقد وجد نفسه في مواجهة لم يسعَ إليها، لكنه لم يتهرب منها. قال بهدوء وهو على متن الطائرة الباباوية متجهاً إلى أفريقيا: “لست خائفاً من إدارة ترمب، وسأواصل الجهر برسالة الإنجيل”. جملة تحمل ثقل التاريخ كله؛ لأنها تُذكّر بأن السلطة الروحية حين تفقد خشيتها من السلطة السياسية، تكون قد استعادت معناها الأصيل.
الخاتمة
وفي نهاية المطاف، ربما كانت هذه المواجهة بين البيت الأبيض والفاتيكان تطرح السؤال الأكثر إلحاحاً على الأمريكيين أنفسهم، سواء مؤمنين أو غير مؤمنين: أيّ أمريكا يريدون؟ تلك التي بنى آباؤها المؤسسون أساسها على الفصل بين سلطة الروح وسلطة السياسة، أم تلك التي يُعيد فيها رئيس رسم حدود الإيمان والكفر وفق أجندته الخاصة؟
وعلى ما يبدو، وسط هذه المتغيرات الجيوسياسية، فإن هذا الصدام تعبير عن تحول عميق في طريقة توظيف الدين في السياسة الأمريكية. فطوال تاريخها، حرصت الولايات المتحدة على الفصل المبدئي بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة، وإن ظلت الحدود بينهما مرنة وقابلة للتفاوض. أما اليوم فقد بلغ الوضع درجة الخطر، إذ يستمد رئيس شرعيته من خطاب ديني يرى فيه مفتاح الحشد والنصر، بينما يرفض في الوقت ذاته أن تنتقده أعلى مرجعية دينية في العالم المسيحي.
والمشكل العويص في ذلك أن هذا التوظيف لا يوحّد المسيحيين الأمريكيين، بل يفرّقهم من جديد على خطوط طائفية بدت وكأنها أُسدل عليها الستار. فحين يختار الإنجيليون التضامن مع ترمب في هجومه على البابا، فإنهم يُعيدون إحياء الشك القديم في ولاء الكاثوليكي الأمريكي، ذلك الشك الذي أُرغم جون كينيدي قبل ستة وستين عاماً على أن يُقسم أمام الأمة بأنه بريء منه. والتاريخ لا يُعيد نفسه دائماً بنفس الوجوه والأسماء، لكنه أحياناً يُعيد نفسه بنفس الجراح.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-15 14:57:00
الكاتب: مريم مايدي
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-15 14:57:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
