شبكة القواعد تحت الأرض تنقذ ثلثي الطائرات الإيرانية
موقع الدفاع العربي – 16 أبريل 2026: رغم التصريحات المتكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن سلاح الجو الإيراني قد تم تدميره أو أصبح غير قادر على تنفيذ مهام قتالية، فإن بيانات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) المؤكدة وشهادات ما بعد وقف إطلاق النار تشير الآن إلى أن طهران قامت عمداً بإخفاء الغالبية العظمى من طائراتها القابلة للطيران داخل قواعد محصنة تحت الأرض، ما سمح لها بالحفاظ على ما يُقدّر بنحو ثلثي أسطولها العملياتي، رغم تعرضها لحملة ضربات غير مسبوقة في شدتها.
عند اندلاع الأعمال القتالية في 28 فبراير 2026، عقب انهيار المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، سارع المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون إلى التأكيد بأن القوة الجوية الإيرانية قد تم تحييدها. وأعلن الرئيس ترامب والقيادة الإسرائيلية علناً أن سلاح الجو التابع للجمهورية الإسلامية قد دُمّر فعلياً خلال الأيام الأولى من العملية. لكن الواقع الذي تَشكّل بعد وقف إطلاق النار يبدو أكثر تعقيداً وأهمية من الناحية الاستراتيجية.
فبدلاً من الزج بطائراتها في قتال دفاعي ضد تحالف يتفوق تكنولوجياً، اختار القادة الإيرانيون سياسة الحفاظ على القوة بدلاً من الاشتباك. وتم نشر الأسطول القتالي القابل للاستخدام تقريباً بالكامل داخل شبكة من القواعد الجوية تحت الأرض، وظل هناك طوال فترة العمليات القتالية. ولم تبدأ الطائرات الإيرانية بالظهور مجدداً في المجال الجوي الإيراني إلا بعد إعلان وقف إطلاق النار، حيث سُجلت مشاهدات مؤكدة لطائرات F-4 فانتوم، وMiG-29، ومروحيات هجومية من طراز Mi-28 — التي تسلمتها إيران حديثاً من روسيا — وهي تحلق فوق الأراضي الإيرانية في الأيام التي تلت توقف الضربات.
وقد جعل حجم البنية التحتية الإيرانية للقواعد تحت الأرض هذه الاستراتيجية ممكنة. وتُعد منشأة “النسر 44” (Eagle 44) الأكثر توثيقاً، والتي كُشف عنها لأول مرة في الإعلام الإيراني الرسمي في فبراير 2023، وتقع في محافظة هرمزغان على بعد نحو 160 كيلومتراً شمال مضيق هرمز. ووفقاً للمسؤولين الإيرانيين، تضم المنشأة منطقة إنذار، ومركز قيادة، وحظائر للطائرات، ومراكز صيانة وإصلاح، ومعدات ملاحة ومطار، إضافة إلى مخازن وقود، مع وجود الطائرات داخل منشآت تحت الأرض محصنة ومجهزة بأنظمة حرب إلكترونية وأنواع مختلفة من القنابل والصواريخ. ويقدّر محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر أن قاعدة واحدة من هذا النوع يمكنها استيعاب وتشغيل نحو 24 طائرة مقاتلة، قادرة على تنفيذ مهام مباشرة من الموقع أو الاحتماء داخله أثناء القصف.
لكن نقطة الضعف الحاسمة في مفهوم القواعد تحت الأرض ظهرت خلال الحرب. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود حفر ناتجة عن ضربات عند مداخل أنفاق حظائر الطائرات في قاعدة عقاب 44، ويبدو أن الأضرار أدت إلى إغلاق الوصول بين الحظائر تحت الأرض والمدرج، ما حبس الطائرات داخل المنشأة فعلياً. كما تبين أن المدرج نفسه تم إغلاقه بعوائق أو تلال ترابية، يُرجح أن القوات الإيرانية وضعتها لمنع هبوط الطائرات المعادية. هذا الوضع يعكس المفارقة الأساسية في العقيدة الإيرانية: الطائرات داخل الأنفاق محمية، لكنها أيضاً غير قادرة على الحركة العملياتية. فلكي تنفذ أي مهمة، يجب أن تخرج الطائرة من النفق إلى مدرج مكشوف، حيث تصبح معرضة فوراً لمقاتلات التحالف والذخائر الموجهة، وهو ما جعل القيادة الإيرانية خلال الحرب تختار إبقاء الأسطول على الأرض بدل المخاطرة بخسارته.


كما طبق الحرس الإيراني نفس المفهوم على أنظمة الدفاع الجوي، حيث كشف خلال العمليات القتالية عن فيديو لمنشأة تحت الأرض تضم منظومات دفاع جوي متوسطة وبعيدة المدى، أظهر منصات إطلاق ومخازن لحاويات الصواريخ الاعتراضية. وقد أشار الصحفي المتخصص في هيئة الإذاعة البريطانية فرزاد سيفيكاران إلى هذا المقطع على منصة “إكس”، مؤكداً نقل جزء من شبكة الدفاع الجوي الإيرانية إلى الأنفاق لحمايتها من الضربات.
وبحسب بيانات التتبع المفتوحة المصدر، خسرت إيران ما مجموعه 38 طائرة خلال الصراع، بينها 36 طائرة دُمرت واثنتان تعرضتا لأضرار. وشملت الخسائر خمس طائرات نقل من طراز C-130، و12 مقاتلة Chengdu F-7، وطائرة F-4 Phantom II واحدة، وطائرتين F-5 Tiger II، وطائرتي F-14 Tomcat، وطائرة Il-76 للنقل، وطائرة تزويد بالوقود KC-747، وأربع طائرات MiG-29 (اثنتان دُمّرتا واثنتان تضررتا)، وطائرة P-3F Orion للاستطلاع البحري، وطائرتي Su-22، وثلاث نسخ Su-22M4، وطائرة تدريب Yak-130، وثلاث طائرات ثابتة الجناح غير محددة. كما شملت خسائر المروحيات مروحية Bell 214، ومروحيتين Mi-17، ومروحية RH-53D. وكانت الغالبية العظمى من هذه الخسائر لطائرات تم استهدافها على مدرجات مكشوفة أو أثناء التواجد الأرضي، وليس خلال قتال جوي فعلي.
وأشار محلل المصادر المفتوحة “Elmustek”، الذي أعد أحد أوائل التقييمات الميدانية المجمعة، إلى أن الضربات في المرحلة الأولى ركزت أساساً على أنظمة الصواريخ الإيرانية، والدفاعات الجوية، والرادارات، والطائرات القديمة، بهدف شل قدرات الكشف والإطلاق خلال التصعيد. وقد جعل هذا التوجه الطائرات المخبأة داخل القواعد الجبلية العميقة خارج نطاق الاستهداف الفعلي، نظراً لصعوبة وتكلفة الوصول إليها.
وتستند العقيدة الإيرانية في القواعد تحت الأرض إلى حسابات استراتيجية تراكمت عبر سنوات طويلة. فقد تبنت إيران ما يشبه “عقيدة القلعة”، عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية المخفية، بهدف حماية قدراتها من الضربات الإسرائيلية والأمريكية، وهو توجه تعزز خلال العقد الأخير بعد الحرب في سوريا، وصعود تنظيم داعش، وتصاعد المواجهة مع إسرائيل. الطائرات المتمركزة داخل منشأة عُقاب 44 والمنشآت المماثلة لا تُخفى لمجرد الحماية، بل صُممت للبقاء صامدة في مواجهة الضربة الأولى، مع إمكانية استئناف العمليات لاحقاً عندما تسمح الظروف الميدانية بذلك.
وبحسب وكالة “إرنا” الإيرانية الرسمية، فإن عُقاب 44 قادرة على تخزين وتشغيل طائرات مسيّرة ومقاتلات مجهزة بصواريخ كروز بعيدة المدى، وتُعد من أهم قواعد سلاح الجو الإيراني. وقد صرح رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية محمد باقري عند الكشف عنها عام 2023 بأن أي هجوم على إيران سيواجه برد من قواعدها الجوية المتعددة، بما في ذلك عُقاب 44، وهو تصريح يبدو اليوم أقرب إلى إعلان عقائدي تم اختباره عملياً لاحقاً.
إن عودة ظهور الطائرات الإيرانية في الأجواء عقب وقف إطلاق النار تشير إلى أن استراتيجية التحصين تحت الأرض حققت هدفها الرئيسي. فبحسب تقديرات مصادر الاستخبارات المفتوحة (OSINT)، تحتفظ إيران بنحو ثلثي أسطولها القابل للطيران، ما يعني استمرار امتلاكها لقدرة جوية معتبرة. غير أن التجربة القتالية أظهرت أن حماية الطائرات داخل الأنفاق لا تعني بالضرورة القدرة على تشغيلها فعلياً في المعركة، إذ يظل المدرج، وليس المخبأ تحت الأرض، هو العنصر الحاسم الذي يحدد القدرة العملياتية الفعلية.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-04-16 21:14:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.defense-arabic.com
بتاريخ: 2026-04-16 21:14:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
