ما الذي فعله الذكاء الاصطناعي في الحرب على إيران؟ | سياسة

شهدت الحرب على إيران تحولا نوعيا في استخدام الذكاء الاصطناعي، من أداة مساعدة إلى منظومة متكاملة تمتد من تحديد الأهداف إلى تنفيذ الضربات بشكل شبه آلي. هذا التحول جعل الحرب أسرع وأرخص، وقلص كلفتها النفسية والسياسية، ما سهل خوضها.

وفي المقابل، فتح الباب أمام دول أخرى للانخراط في هذا السباق، ليس فقط لتطوير أنظمة دفاعية، بل أيضا لتطوير “ذكاء مضاد”.

ما الجديد تقنيا؟

الجديد في هذه الحرب لم يكن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في توظيفه ضمن منظومة متكاملة تدير العملية العسكرية من الرصد إلى التنفيذ بشكل شبه آلي. فبعد أن كان يستخدم سابقا بشكل محدود ومجزأ، أصبح اليوم جزءا من سلسلة مترابطة تختصر الزمن.

فبحسب ما نشر مؤخرا، تم ربط أنظمة “ميفين” (Maven) الخاصة بجمع البيانات، بنماذج “كلود” (Claude) للتحليل، وبمسيرات “لوكاس” (LUCAS) التي تتولى تنفيذ الضربات.

تتولى أنظمة “ميفين” جمع كميات هائلة من البيانات وصور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والتقارير الاستخباراتية، ثم تبنى في صورة رقمية متكاملة لساحة المعركة، ويتم تحديد وتصنيف الموجودات على الأرض، وتحديد مواقعها، وتقييم درجة خطورتها، والتعرف على طبيعتها بشكل آلي.

ما استجد مؤخرا هو إضافة طبقة تحليلية متقدمة عبر ربط منظومة “ميفين” بنماذج “كلود” لتتولى تحليل البيانات، واستخلاص الأنماط، ومحاكاة سيناريوهات الحرب، وصولا إلى اقتراح خيارات للتعامل مع الأهداف. بذلك لم يعد دور الذكاء الاصطناعي يقتصر على الفهم، بل امتد إلى تحديد الأهداف واقتراح سيناريوهات التعامل معها، وفي وقت قياسي.

بعد ذلك تترجم هذه المخرجات إلى ضربات عبر أنظمة تنفيذ آلية، أبرزها المسيرات منخفضة التكلفة مثل “لوكاس”، وهي مسيرات جوّالة تبقى في الجو بانتظار الأوامر لتنفيذ ضربات، أو باستخدام قنابل رخيصة غير موجهة (تعرف بالقنابل الغبية).

القرار بين الإنسان والآلة.. ومسؤولية بلا صاحب

يشار إلى أنه جرى استهداف نحو 11 ألف هدف في الأسابيع الأولى من الحرب، منها قرابة 1000 هدف في اليوم الأول، وهي أرقام كانت مستحيلة في الحروب السابقة، وتكشف عن حجم التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي. لكن السؤال الأعمق ليس كم هدفا استهدف، بل من اتخذ القرار فعلا؟

لم يختفِ الإنسان من المعادلة، لكنه لم يعد صانع القرار، بل مصادقا عليه. وثمة فرق جوهري بين من يتخذ القرار، وبين من “يوافق” على توصية خوارزمية، دون وقت كاف لمساءلتها. ومع هذا التحول، تتلاشى المراجعة البشرية، وأصبح الإنسان منفذا ضمن سلسلة مؤتمتة.

وهذا يذكرنا باستخدام منظومة “لافِندر” (Lavender) الإسرائيلية التي كُشف أنها حددت 37 ألف هدف في إحدى مراحل الحرب على غزة، وقول أحد الضباط الإسرائيليين لمجلة (+972): ” كنت أخصص حوالي 20 ثانية لكل هدف، لم يكن لي أي قيمة مضافة كإنسان سوى أن أكون ختم موافقة”.

ويزداد الأمر تعقيدا حين نعلم أن هذه الأنظمة تدرب على بيانات منحازة بطبيعتها، ويكون الاشتباه هو القاعدة. فلا يكون الذكاء الاصطناعي محايدا، بل يعيد إنتاج هذا التحيز على نطاق أوسع.

في هذا النموذج الجديد، لا توزع مسؤولية القتل والأخطاء فحسب، بل توفر غطاء للسياسي والعسكري للاختباء وراء “قرار النظام” والتنصل من تبعاته.

تسريع عملية تحديد الأهداف لا يعني بالضرورة نجاحا

تعد حادثة استهداف مدرسة البنات في إيران- والتي أودت بحياة نحو 170 طفلة- مؤشرا صارخا على نمط أوسع في هذه الحرب. فقد أفاد الهلال الأحمر الإيراني بأن القصف ألحق كذلك أضرارا بحوالي 20 ألف مبنى مدني، و77 مؤسسة صحية، وطالت الضربات مستودعات نفط، وأسواقا شعبية، وملاعب رياضية، ومدارس، ومحطات تحلية المياه. هذه الأرقام لا تعكس كثافة الضربات فحسب، بل تطرح سؤالا جوهريا حول دقة وجدوى هذه العمليات.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يسرع العمليات العسكرية بشكل غير مسبوق، ويضاعف القدرة على الفعل- ضربات أكثر، بسرعة أعلى، وكلفة أقل- لكن هذا التسريع لا يعني بالضرورة نجاحا.

فمع تسارع “سلسلة القتل” (kill chain)، يتقلص هامش المراجعة إلى الحد الأدنى، ويغدو الخطأ جزءا من إيقاع المعركة. فالذكاء الاصطناعي لا “يفهم” الواقع، بل يعالجه عبر أنماط مستخرجة من بيانات قد تكون ناقصة أو متحيزة أو متقادمة، ما يجعل قراراته عرضة للخطأ، خاصة في بيئة متغيرة كساحة الحرب.

وأظهرت الحرب على غزة أن السرعة والكثافة، أو ما يسمى “الضغط العسكري”، لا تقودان بالضرورة إلى دقة أو تحقيق الأهداف، بل تفضيان إلى مزيد من التدمير دون نتائج إستراتيجية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي يجعل الحرب أسرع وأكثر كثافة، لكنه لا يجعلها أكثر دقة، بل قد يحولها إلى فوضى ودمار وكراهية وجرائم مؤجلة الحساب.

استسهال الحرب أخطر ما أضافه الذكاء الاصطناعي

هل أسهم التفوق التكنولوجي الأمريكي في استسهال قرار الحرب على إيران؟ وهل رسخت نجاحات سريعة سابقة – كعملية اختطاف رئيس فنزويلا- وهم أن الحروب يمكن إدارتها بالذكاء الاصطناعي وحده؟

وهل تحمل هذه الحرب بصمة إسرائيلية واضحة، استنادا إلى نموذج يقوم على إدارة الحروب بالتفوق التقني والقتل بالخوارزميات – نموذج اختبرته إسرائيل في غزة ولبنان قبل أن تصدِره إلى الحليف الأكبر؟

هذه الأسئلة ليست افتراضية.

فالذكاء الاصطناعي لا يجعل الحرب أكثر ذكاء فحسب، بل يجعل قرار خوضها أسهل سياسيا ونفسيا. معه تتقلص الكلفة البشرية، ويغدو تحديد الأهداف شبه فوري، ويتراجع الثقل الأخلاقي. وحين تبدو العمليات سريعة وحاسمة، يغري ذلك صانع القرار بأن الحروب يمكن إدارتها بسهولة، وهذا ما يجعلها أكثر احتمالا.

وكذلك الجنود، فبعد أن كانوا يواجهون تبعات أفعالهم النفسية بعد انتهاء الحرب، باتوا ينفذون القتل من خلف شاشات مستترين خلف توصيات الخوارزمية – تتحول معها إلى غطاء أخلاقي يخفف الشعور بالذنب ويحيل القتل إلى مجرد عملية تقنية.

وبهذا، لا يجعل الذكاء الاصطناعي الحرب أكثر كفاءة فحسب، بل يجعلها أسهل، وأكثر قابلية للتكرار.

هل ستلحق الدول الصغرى بركب الذكاء الاصطناعي عسكريا؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي العسكري حكرا على الكبار. فنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر باتت متاحة للدول الصغرى، ويمكن تبنيها بموارد محدودة، بل قد تكون الجيوش الصغيرة أسرع في التكيف من نظيراتها المثقلة بالبيروقراطية.

فقد طورت الولايات المتحدة مسيرة “لوكاس” على غرار المسيرات الإيرانية، فيما أنتجت أوكرانيا حلولا دفاعية وأنظمة تشويش لمواجهتها، وطورت تركيا والهند مسيرات منخفضة الكلفة مدمجة بتقنيات الرؤية الحاسوبية، كما استثمرت دول مثل ليتوانيا، وإستونيا في حلول سيبرانية وأنظمة غير مأهولة.

أما الدول العربية، فقد وجدت نفسها في قلب هذه الحرب، ما يفرض عليها التحرك الجاد نحو تطوير أنظمة دفاعية، خاصة تلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ لأن البقاء خارج هذا التحول بات أكثر كلفة.

والجدير بالذكر أن الذكاء الاصطناعي لم ينشأ في سياق عسكري، بل في بيئات تجارية خاصة؛ ما جعله في متناول الجميع. لذا فإن الدول التي تستثمر في قطاعاتها التكنولوجية المحلية لا تبني قدراتها الاقتصادية فحسب، بل ينعكس ذلك أيضا بشكل غير مباشر على قدراتها الإستراتيجية والعسكرية.

كيف تخدع الأنظمة الذكية؟

في مقابل هذا التوسع، يتشكل نوع جديد من “الذكاء المضاد”. فكما أن كل سلاح يولد سلاحا مضادا، بات فهم حدود الأنظمة الذكية سلاحا بحد ذاته.

يتجلى ذلك في التمويه وتغيير المظهر لإرباك أنظمة الرؤية الحاسوبية، عبر تغطية الأفراد والأهداف والمباني.

وقد أثبتت التجارب الميدانية فاعلية هذه الأساليب: في غزة سار المقاتلون تحت البطانيات وغطيت مواقع، وفي إيران استُخدمت أهداف وهمية ورسومات صواريخ ونماذج طائرات لتضليل أنظمة الاستهداف.

كما يمكن مواجهة تتبع الأفراد عبر بصمتهم الرقمية- من صور وتسجيلات منشورة- بإغراقها ببيانات كثيرة ومضللة، فيما يمكن التشويش على الاستشعار الحراري عبر الحركة المستمرة وخلق ضوضاء حرارية.

هذا يفتح سباقا رقميا جديدا لا يقل خطورة عن سباق التسلح التقليدي، ليعاد إنتاج منطق السلاح والسلاح المضاد رقميا.

وربما لن يكون السؤال الأهم في حروب المستقبل: من يمتلك النظام الأكثر تقدما؟ بل من يفهم حدوده أكثر؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-04-17 10:40:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-04-17 10:40:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version