تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل.. الخطاب، التنافس الإقليمي، والصراع الاستراتيجي


في تصعيد حاد في الخطاب السياسي، اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل بمحاولة تصوير تركيا على أنها “عدو جديد” بعد إيران، وذلك في ظل تبادل متزايد للتصريحات المتوترة بين مسؤولي البلدين.
وأكد فيدان أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وضمان حماية المدنيين، يمثلان أولويات عاجلة لا يمكن تأجيلها. وحذر من أن استمرار التوسع الإسرائيلي وفرض أجندته الجيوسياسية سيجعل تحقيق السلام الدائم والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط أمراً مستحيلاً.
كما شدد على أهمية منع الحكومة الإسرائيلية، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من تقويض اتفاقيات وقف إطلاق النار أو عرقلة الجهود الدبلوماسية الجارية، مشيراً إلى ضرورة الحفاظ على الزخم الدولي لدعم خفض التصعيد.
ودعا أيضاً المجتمع الدولي إلى عدم إهمال القضية الفلسطينية، رغم التحولات الإقليمية، مشيراً إلى الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة، ومطالباً إسرائيل بالالتزام بشروط وقف إطلاق النار وبدء جهود إعادة الإعمار دون تأخير، مع تأكيد استعداد تركيا للمساهمة.
تصاعد التبادل السياسي
جاءت هذه التصريحات بعد انتقادات حادة من نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اللذين هاجما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب تصريحاته حول وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
وخلال حديثه في لقاء مع محرري وكالة الأناضول، قال فيدان: “لا يمكن لإسرائيل أن تعيش بدون عدو. نرى أن ليس فقط حكومة نتنياهو، بل أيضاً بعض أعضاء المعارضة، يحاولون تصنيف تركيا كعدو جديد.”
ووصف هذا التوجه بأنه ظاهرة حديثة نسبياً في السياسة الإسرائيلية، بدأت بدوافع داخلية ثم تحولت إلى استراتيجية على مستوى الدولة.
وعند سؤاله عن احتمال اندلاع صراع إقليمي أوسع، حذر قائلاً: “هذا ممكن. للأسف، نجد أنفسنا مرة أخرى في نفس الوضع.”
وأشار إلى أن السياسات التوسعية لإسرائيل منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واعتمادها أحياناً على الولايات المتحدة وأطراف أخرى لتحقيق أهدافها، زادت من زعزعة استقرار منطقة هشة أصلاً.
لبنان وغزة في قلب الأزمة
وفي حديثه عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بعد وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وصفها فيدان بأنها جزء من “مشروع توسع إقليمي”. وأشار إلى نمط متكرر من القصف المستمر الذي يستهدف مناطق محددة في لبنان، مما أدى إلى نزوح أكثر من مليون شخص.
وردت إسرائيل بقوة، حيث صرح نتنياهو عبر منصة “إكس” بأن إسرائيل ستواصل حملتها ضد إيران وحلفائها، متهماً أردوغان بدعمهم وبارتكاب انتهاكات ضد المواطنين الأكراد.
وذهب كاتس أبعد من ذلك، واصفاً تركيا بأنها “نمر من ورق”، ومتهماً أردوغان بتجنب مواجهة إيران واللجوء إلى خطاب معادٍ لإسرائيل وإجراءات قانونية ذات دوافع سياسية.
تصعيد قانوني تركي
في تطور لافت، أصدر المدعون الأتراك لائحة اتهام بحق 35 مسؤولاً إسرائيلياً، بينهم نتنياهو، على خلفية اعتراض سفن “أسطول الحرية العالمي” التي كانت تحاول إيصال مساعدات إلى غزة.
وتتضمن اللائحة اتهامات خطيرة مثل الجرائم ضد الإنسانية، والتعذيب، والاحتجاز غير القانوني، وتدمير الممتلكات، والإبادة الجماعية. ووصفت السلطات التركية عملية الاعتراض — التي جرت في المياه الدولية — بأنها غير قانونية ومنهجية، وتضمنت استخدام العنف ومعاملة مهينة للمدنيين.
وقد تحولت هذه الحادثة، التي شملت اعتراض 42 سفينة واحتجاز مئات الناشطين الدوليين، إلى نقطة خلاف رئيسية بين أنقرة وتل أبيب، مما زاد من حدة المواجهة الدبلوماسية والإعلامية.
جدل حول “تهديد الغزو“
أثار تقرير نشرته صحيفة “التلغراف” جدلاً واسعاً بعد زعمه أن أردوغان هدد بغزو إسرائيل. وسارعت السلطات التركية إلى نفي ذلك، مؤكدة أن التقرير استند إلى تصريحات قديمة أُخرجت من سياقها.
ورفض مركز مكافحة التضليل الإعلامي في تركيا هذه الادعاءات، معتبراً أنها روايات مضللة تهدف إلى تقويض الاستقرار الإقليمي، ومؤكداً أنها لا تعكس السياسة الرسمية.
ورغم النفي، سلط التقرير الضوء على أن خطاب أردوغان الحاد تجاه إسرائيل يواصل تأجيج التوترات، حتى مع سعي أنقرة لتجنب تصعيد غير محسوب.
تناقضات تاريخية في العلاقات
تُبرز الأزمة الحالية أيضاً التناقضات الطويلة في العلاقات التركية–الإسرائيلية. فعلى الرغم من الانتقادات الحادة التي يوجهها أردوغان لإسرائيل في السنوات الأخيرة، شهدت فترات سابقة تعاوناً وثيقاً وزيارات رفيعة المستوى.
وتعكس هذه التقلبات نمطاً أوسع لا تتطابق فيه دائماً الخطابات السياسية مع المصالح الاستراتيجية، خاصة في بيئة إقليمية متقلبة.
التنافس الاستراتيجي والطاقة
إلى جانب التوترات السياسية، يلعب التنافس الاستراتيجي دوراً مهماً. فمحاولات إسرائيل لتعزيز مكانتها كمصدر رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا — خصوصاً بعد تقليص اعتماد أوروبا على الغاز الروسي — وضعتها في منافسة غير مباشرة مع تركيا.
في المقابل، تعمل أنقرة على تعزيز علاقاتها مع دول إقليمية مثل مصر وسوريا وليبيا لتوسيع نفوذها في ممرات الطاقة والنقل. كما أن المشاريع التي تهدف إلى ربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، إلى جانب مبادرات السكك الحديدية، قد تقوض الخطط الإسرائيلية المنافسة.
إن تصاعد الاتهامات المتبادلة، والإجراءات القانونية، والتحركات الجيوسياسية بين تركيا وإسرائيل، يعكس صراعاً أعمق على النفوذ الإقليمي ومسارات الطاقة والشرعية السياسية.
ورغم استمرار الخطاب الحاد من الجانبين، تشير الحسابات الاستراتيجية إلى أن أياً من أنقرة أو تل أبيب لا يسعى حالياً إلى مواجهة شاملة. ومع ذلك، فإن استمرار هذه التوترات، إلى جانب هشاشة الوضع الإقليمي، يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد محتمل في المستقبل القريب.
مقابلة مع الصحفي علي أسمر
كانت العلاقات بين أنقرة وتل أبيب جيدة في الماضي. برأيك لماذا تغيرت ووصلت إلى هذا المستوى من التوتر؟ وهل يشمل ذلك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية؟
في الواقع، العلاقات التركية–الإسرائيلية تاريخية وكانت مستقرة نسبياً في معظم مراحلها. وكانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، ولكن ضمن حدود 1967، وليس وفق مشاريع توسعية. تقليدياً، رفضت تركيا استخدام الأزمات الإقليمية كذريعة للتوسع أو فرض الهيمنة.
يرتبط التوتر غالباً بصعود الحكومات اليمينية في إسرائيل، مثل حكومة نتنياهو، التي لا تقتصر خلافاتها على تركيا، بل تمتد إلى عدة دول بسبب سياساتها القائمة على التهديد والتصعيد العسكري.
منذ اندلاع حرب غزة، وجه أردوغان انتقادات مباشرة للحكومة الإسرائيلية، داعياً إياها إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم تجاوزه، سواء باستخدام الغذاء كأداة حصار أو استهداف المدنيين والصحفيين.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن المشكلة ليست في العلاقة نفسها، بل في سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية. ويُنظر إلى نتنياهو كعامل رئيسي في التوتر، يسعى لتوسيع الصراع وربما استخدامه لتجاوز أزماته الداخلية. وفي حال تغيرت الحكومة، قد نشهد عودة تدريجية للعلاقات، خاصة أن التوتر بدأ اقتصادياً قبل أن يتحول إلى سياسي واجتماعي.
هناك تصريحات وتهديدات متبادلة، منها أن تركيا قد تكون الهدف التالي بعد إيران. كيف سيكون الرد التركي؟ وهل ستلعب واشنطن دوراً في خفض التصعيد؟
هذه الرواية حول احتمال مواجهة عسكرية مباشرة تُكرر كثيراً في الإعلام، وغالباً ما تأتي ضمن سردية إسرائيلية تقوم على “الحاجة الدائمة لعدو”.
لكن عملياً، احتمال المواجهة المباشرة منخفض، رغم أنه ممكن نظرياً، لعدة أسباب:
أولاً، تركيا عضو في الناتو، ما يوفر لها مظلة استراتيجية معقدة.
ثانياً، هي حليف مهم للولايات المتحدة، وليست في وضع مشابه لإيران من حيث العزلة.
ثالثاً، تمتلك أدوات قوة متعددة — جغرافية وسياسية واقتصادية.
أي مواجهة مع تركيا قد تتوسع لتشمل الغرب، نظراً لدورها في قضايا حساسة مثل حرب روسيا–أوكرانيا وأزمة اللاجئين، إضافة إلى موقعها كممر طاقة استراتيجي وسيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل. كما يُعد جيشها من الأقوى عالمياً ويتمتع باستقلالية نسبية في الصناعات الدفاعية.
لذلك، من غير المرجح أن تدخل إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع تركيا. السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الاحتكاك غير المباشر، خاصة في الساحة السورية، دون الوصول إلى حرب شاملة.
أما من ناحية الضغط، فقد تحاول إسرائيل استخدام أدوات اقتصادية، لكنها محدودة الفاعلية بسبب تشابك المصالح وتعقيد العلاقات الدولية.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-17 17:45:00
الكاتب: ستيفن صهيوني
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-17 17:45:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
