تعطّل حركة الشحن في مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره يوميًا نحو ربع تجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد احتمال نظري، بل تحوّل إلى احتمال قائم بوضوح. وعلى الرغم من إعلان الجانب الإيراني يوم الجمعة أن الممر “مفتوح بالكامل” أمام جميع السفن التجارية، تماشيًا مع وقف إطلاق النار في لبنان، فإن الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تدفع الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة إلى البحث الجاد عن مسارات أكثر استقرارًا لتدفقات الطاقة العالمية.
ورغم أن نهاية هذا الصراع لا تبدو وشيكة، فالدافع الأقوى لإنهائه قد لا يكون تحقيق الاستقرار الإقليمي، بل السعي إلى تسجيل إنجاز سياسي جديد. فقد أعلن دونالد ترمب مؤخرًا أنه أنهى ثماني حروب خلال عشرة أشهر، وربما يأمل الآن إضافة هذه الحرب إلى القائمة. يبدو أن الرجل يريد أن يُذكر في كتب التاريخ كرجل سلام، حتى لو اضطر أحيانًا إلى إشعال بعض الحرائق قبل أن يتطوع بإطفائها.
بعيدًا عن هذه الحسابات، شكّل المؤتمر السنوي لمنتدى بواو الآسيوي لعام 2026، الذي عُقد في هاينان في أواخر مارس (آذار)، منصة مهمة لبحث مستقبل الطاقة في ظل التحولات الجارية. واكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء التقدم الكبير الذي أحرزته الصين في قطاعي الطاقة التقليدية والمتجددة، إلى جانب تنامي علاقاتها الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط. وتُعد منطقة الخليج ركيزة أساسية في منظومة الطاقة العالمية، حيث تمثّل دول الخليج وإيران من كبار منتجي النفط والغاز، بينما تتصدر المملكة العربية السعودية قائمة أكبر مصدّري النفط في العالم. وخلال السنوات الأخيرة، تبنّت الرياض نهجًا عمليًا في إدارة التحول في قطاع الطاقة ضمن رؤية 2030، يقوم على الحفاظ على الدور المحوري للنفط في الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط، بالتوازي مع التوسع التدريجي في الاستثمار في الطاقة النظيفة والتقنيات منخفضة الانبعاثات.
وتسير دول خليجية أخرى في الاتجاه نفسه، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت مركزًا إقليميًا للاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الكربون. أما مصر، فرغم أنها ليست من كبار منتجي الطاقة، فإن موقعها بوصفه عقدة جغرافية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط يمنحها فرصة مهمة للتحول إلى مركز إقليمي لنقل الطاقة وتخزينها، في ظل مشروعات البنية التحتية الكبرى التي أنجزتها خلال السنوات الأخيرة.
ومع تصاعد المخاطر الأمنية في محيط مضيق هرمز، لم تعد المسارات البديلة خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. في هذا السياق، يمكن للصين أن تبرز لاعبًا رئيسيًا في أي تصور جديد لأمن الطاقة العالمي، فهي أكبر مستورد للنفط في العالم، والشريك التجاري الأول لمعظم دول الشرق الأوسط.
انطلاقًا من ذلك، يمكن تصور إطار تعاوني رباعي قابل للتوسع، يجمع بين دول الخليج بقيادة السعودية، والصين باعتبارها مستهلكًا رئيسيًا وممولًا للبنية التحتية، ومصر بوصفها عقدة جغرافية لنقل الطاقة، وروسيا كأحد أكبر منتجي النفط وشريك محوري في آلية “أوبك بلس”. ويستند هذا التصور إلى أساس جغرافي واقعي؛ فالسعودية هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، فضلًا عن امتلاكها بنية تحتية تمكّنها من تجاوز مضيق هرمز عبر خط الأنابيب شرق–غرب، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ومن ميناء ينبع، يمكن نقل النفط عبر البحر الأحمر مرورًا بمضيق باب المندب إلى المحيط الهندي، ثم عبر مضيق ملقا إلى بحر الصين الجنوبي وصولًا إلى الموانئ الصينية. ورغم أن هذا المسار أطول قليلًا من الطريق التقليدي عبر مضيق هرمز، فإنه أكثر أمانًا في أوقات التوترات الجيوسياسية، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على ناقلات النفط خلال الأزمات.
أما بالنسبة للأسواق الأوروبية، فيمكن لمصر أن تضطلع بدور محوري من خلال توسيع خط أنابيب “سوميد” الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إلى جانب إنشاء مرافق كبرى لتخزين النفط على الساحل الشمالي، بما يعزز موقعها كمركز إقليمي لإعادة توزيع النفط بين أوروبا وآسيا.
وفي إطار هذا التعاون، تستطيع الصين أن تؤدي دورًا مهمًا في تمويل وتطوير البنية التحتية للطاقة، سواء عبر توسيع خطوط الأنابيب، أو تطوير الموانئ، أو إنشاء منشآت التخزين. وتمتلك الشركات الصينية خبرة واسعة في بناء خطوط الأنابيب وأنظمة المراقبة الرقمية، ما يعزز كفاءة وأمان شبكات نقل الطاقة الجديدة.
وبذلك، يمكن أن يتشكل ممران رئيسيان للطاقة: الأول يربط نفط الخليج مباشرة بالأسواق الآسيوية عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، والثاني يربط الخليج بالأسواق الأوروبية عبر مصر والبحر المتوسط. ومع توسع هذه المسارات، يمكن تقليص الاعتماد النسبي على مضيق هرمز، بحيث يتحول من نقطة اختناق رئيسية في تجارة النفط العالمية إلى واحد من عدة مسارات متاحة.
كما يمكن لروسيا أن تسهم في هذا التوجه من خلال خبرتها الواسعة في إنشاء وتشغيل خطوط الأنابيب، إلى جانب استمرار التنسيق بين كبار المنتجين ضمن إطار “أوبك بلس” لضمان استقرار سوق الطاقة العالمية.
وإلى جانب قطاع النفط، يمكن أن يشكل التعاون في مجال الطاقة النظيفة ركيزة ثانية لهذا التحالف. فالصين تتصدر عالميًا مجال الطاقة منخفضة الكربون، وتمتلك أكبر قدرة مركبة للطاقة المتجددة، كما تُعد أكبر منتج للألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات المستخدمة في تخزين الطاقة. وتزداد أهمية هذا التعاون في ضوء الإمكانات الطبيعية الكبيرة للطاقة الشمسية في دول المنطقة، حيث تعد السعودية ومصر من بين أكثر مناطق العالم سطوعًا للشمس.
غير أن هذا المشهد لا يخلو من بُعد أمني، فقد شهد مضيق باب المندب اضطرابات متكررة في حركة الملاحة الدولية خلال السنوات الأخيرة. وقد يتطلب تأمين هذا الممر شكلًا محدودًا من التعاون الدفاعي يركز على حماية خطوط الشحن وتدفقات الطاقة دون الانخراط في صراعات إقليمية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تعقيد المشهد بدلًا من تهدئته، مع وقف إطلاق نار لم ينهِ الصراع بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد، وفرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على المضيق، رغم بقائه مفتوحًا قبل الضربات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية.
وفي سياق موازٍ، ومع تحوّل الولايات المتحدة من دولة مستهلكة إلى منافس للدول المنتجة، تسعى إلى توسيع حصتها السوقية وتعزيز سيطرتها على تجارة الطاقة، مستخدمة ذلك كورقة ضغط في مواجهة الصين في ظل تنامي نفوذ بكين الاقتصادي، ليس في مجال الطاقة فحسب، بل أيضًا في التكنولوجيا والمعادن النادرة والطاقة النظيفة.
وقد يكمن المخرج في تبنّي نموذج جديد للتعاون يقوم على التنمية المشتركة، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي، بما ينسجم مع الرؤية الصينية القائمة على تشبيك المصالح بدلًا من تأجيج الصراعات.
المصدر: صحيفة الصين اليومية (China Daily) الصينية
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-18 17:50:00
الكاتب: أحمد دهشان
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-18 17:50:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
