الدفاع والامن

منتدى أنطاليا.. قراءة في مسار التوازن الاستراتيجي في الشرق العربي

جاء انعقاد منتدى أنطاليا للدبلوماسية في توقيت بالغ الحساسية، تمر فيه منطقة الشرق العربي بمرحلة اضطراب عميق تفجرت مع اندلاع الحرب على إيران وما أفرزته من تداعيات امتدت لتطال المشهدين الإقليمي والدولي في آن واحد. فعلى المستوى الإقليمي، تضررت دول الخليج من حالة عدم الاستقرار المحيطة بها وتداعياتها على أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. وعلى المستوى الدولي، لم تسلم أوروبا وأمريكا بدورهما من تبعات هذا الاشتعال، سواء على صعيد أمن الطاقة أو على صعيد التوازنات الجيوسياسية التي طالما أدارتها واشنطن من موقع المهيمن على قرار المنطقة.

غير أن الأثر الأبرز لهذه الاضطرابات تجلى في التراجع الملحوظ للحضور الأمريكي وتأثيره في الشرق الأوسط، إذ كشفت هذه المرحلة أن القوة الأمريكية، رغم ثقلها، لم تعد قادرة على ضبط إيقاع المنطقة بالصورة التي اعتادت عليها في العقود الماضية. وقد فتح هذا التراجع فراغا استراتيجيا أعاد تحريك الحسابات لدى قوى إقليمية ودولية عدة.

في هذا السياق بالذات، جاء منتدى أنطاليا ليكتسب دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد لمثل هذه اللقاءات. فقد جمع المنتدى دولا ذات ثقل حقيقي في العالم الإسلامي، إلى جانب قوى دولية فاعلة ترى في إعادة رسم التوازنات الإقليمية مصلحة استراتيجية مشتركة، وكل ذلك في لحظة تاريخية تبدو فيها المنطقة أكثر استعدادا من أي وقت مضى لمراجعة معادلات التبعية الموروثة وبناء واقع أكثر توازنا واستقلالية.

فاعلون متحكمون في خارطة التأثير

ما يمنح منتدى أنطاليا ثقله الاستراتيجي الحقيقي هو طبيعة الدول المشاركة فيه، إذ يجمع في كثير من دوراته طيفا واسعا من القوى الإقليمية ذات الثقل في العالم الإسلامي.

على الصعيد العربي، تبرز مصر والجزائر بوصفهما ثقلين إقليميين لا يمكن تجاهلهما. فمصر، بحجمها الديموغرافي وموقعها المحوري في قلب المنطقة بين آسيا وإفريقيا، فضلا عن علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، تشكل حضورا لا غنى عنه في أي حوار جاد حول مستقبل الإقليم. أما الجزائر، فتمثل ثقلا عروبيا وإفريقيا وإسلاميا متميزا، وتحمل تاريخا طويلا في الدفاع عن مبادئ السيادة وعدم الانحياز، مما يجعل صوتها في هذه المنتديات صوتا ذا مصداقية خاصة.

وإلى جانب هذين القطبين العربيين، تحضر المملكة العربية السعودية التي تمر بمرحلة تحول داخلي عميق، ويضاف إليها الحضور الباكستاني والأذربيجاني، اللذان يمثلان رابطا بين الفضاء العربي والفضاء الآسيوي المسلم، فضلا عن دول إفريقية ذات أغلبية مسلمة تعيد اليوم رسم علاقاتها الدولية بصورة أكثر استقلالية.

أما تركيا، باقتصادها الصاعد وانفتاحها الأوراسي، فتمثل حالة انتقال استراتيجي حقيقي، في مشهد يعيد رسم خارطة التفاعل داخل الفضاء الإسلامي بعيدا عن الاستقطاب الأيديولوجي القديم. والجديد في هذه المعادلة أن هذه الدول لا تلتقي بناء على هوية دينية مشتركة بالمعنى السياسي، بل بناء على مصالح جيوسياسية تتقاطع في نقاط محورية، وهي رفض الأحادية القطبية، وبناء ممرات اقتصادية مستقلة، وتعظيم هامش المناورة في مواجهة الضغوط الغربية.

أما على الصعيد الدولي، فكان حضور الصين وروسيا لافتا ودالا، يقرأ في جوهره بوصفه مصلحة مشتركة في إعادة رسم التوازنات الدولية على أسس أكثر تعددية. إذ تعتبر الصين، القوة الاقتصادية الصاعدة، أن استقرار الشرق الأوسط وتنوع شراكاته ضرورة لأمن طرق الطاقة والممرات التجارية التي تقوم عليها مبادرة “الحزام والطريق”. كذلك روسيا بدورها تجد في دعم التوجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب امتدادا طبيعيا لاستراتيجيتها في كسر الأحادية القطبية الغربية.

سايكس-بيكو والانتداب: جذور الأزمة الإقليمية

في مايو (أيار) 1916، وقع الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج-بيكو على اتفاقية سرية وضعت المشرق العربي تحت الانتداب الأوروبي، فأخضعت سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، ومصر وفلسطين والأردن تحت سيطرة الانتداب البريطاني. ولم تكن هذه الانتدابات إلا أداة ممنهجة لإعادة تشكيل المنطقة قسرا وفق مصالح القوى الأوروبية، عن طريق محاولات تفكيك روابطها التاريخية وإحلال تبعيات جديدة محلها، مع الحرص على إبقاء كل وحدة سياسية ناشئة عاجزة عن بناء عمق استراتيجي يجعلها قادرة على الفعل المستقل.

وفي سياق هذا الانتداب تحديدا، أصدرت بريطانيا عام 1917 وعد بلفور الذي فتح الباب أمام الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين، ثم رعت عام 1948 قيام الكيان الصهيوني على أرضها، في أكبر عملية اقتلاع سكاني شهدها التاريخ الحديث. ولم يكن زرع هذا الكيان في قلب المنطقة العربية حدثا منفصلا عن مشروع سايكس-بيكو، بل كان امتدادا طبيعيا لمنطقه، إذ وفر وجوده عاملا دائما لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتبرير الحضور العسكري الغربي وتشتيت الطاقة العربية عن مشاريع التكامل والبناء الداخلي عبر عقود طويلة.

من التبعية إلى التوازن: ديناميكيات التحول في الشرق العربي

لم يكن التحول الذي تشهده المنطقة العربية اليوم وليد لحظة عابرة، بل هو نتاج تراكم متدرج من الخيبات والدروس والضغوط التي دفعت دولا عديدة إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية بصورة جذرية. فعلى مدى عقود، رهنت دول المنطقة أمنها بضمانات أمريكية تبين مع الوقت أنها مشروطة بمصالح واشنطن لا بمصالح شركائها، ورهنت اقتصاداتها بمنظومة مالية غربية أثبتت الأزمات المتتالية هشاشة الاعتماد عليها منفردة. والصحوة الاستراتيجية التي تعيشها المنطقة اليوم تقوم في جوهرها على إدراك أن الشراكة الحقيقية تختلف جوهريا عن التبعية المغلفة بخطاب التحالف.

أبرز ما يجسد هذا التحول هو الاتفاق السعودي الإيراني الذي أبرم في مارس (آذار) 2023 برعاية صينية، وأعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة دامت سبع سنوات. وهو ما مثل في حد ذاته رسالة واضحة بأن دول المنطقة باتت تبحث عن وسطاء ومرجعيات خارج الإطار الغربي التقليدي. وقد فتح هذا الاتفاق الباب أمام تساؤلات جدية حول إمكانية تسوية ملفات إقليمية أخرى بالمنطق ذاته.

وعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت السنوات الأخيرة تسارعا ملحوظا في انخراط دول الخليج ومصر والجزائر في مبادرات التكامل الجديدة. فالمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر انضمت عام 2024 إلى تكتل بريكس، في خطوة تعكس رغبة واضحة في التموضع ضمن منظومة اقتصادية متعددة الأقطاب بعيدا عن الهيمنة الغربية على المؤسسات المالية الدولية. كما تتوسع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية في المنطقة بوتيرة متصاعدة، إذ وقعت دول عربية عدة اتفاقيات بنية تحتية وطاقة مع بكين تشكل في مجموعها شبكة مصالح متشابكة تقلص تدريجيا حجم الاعتماد على الغرب.

وفي السياق ذاته، أظهرت التداعيات الإقليمية للحرب على إيران أن المنطقة تجاوزت مرحلة القبول السلبي بالقرارات الأمريكية، وباتت تمتلك إرادة التعبير عن رؤيتها بصوت أعلى وأوضح.

خاتمة

يقف الشرق العربي اليوم أمام لحظة مفصلية نادرا ما تتكرر في تاريخ الأمم؛ لحظة تتزامن فيها ثلاثة عوامل في آن واحد: تراجع القوة المهيمنة، وصعود قوى دولية بديلة، وتنامي الإرادة الإقليمية نحو الاستقلالية. وهو تزامن لم يحدث من قبل بهذه الصورة منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين رسمت خرائط النفوذ التي لا تزال بعض ملامحها قائمة حتى اليوم.

غير أن اللحظات المفصلية وحدها لا تصنع التحول، فالتاريخ يعلمنا أن الفرص الاستراتيجية الكبرى كثيرا ما أهدرت لغياب الإرادة الجماعية أو لتغليب الحسابات الضيقة على المصلحة الاستراتيجية البعيدة. والمنطقة العربية تحمل في ذاكرتها تجارب مؤلمة من هذا النوع، من فرص أتيحت ولم تستثمر، ومبادرات انطلقت ثم تلاشت أمام ثقل الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية.

فيما يثبت الواقع الراهن أن المنطقة تمتلك من عناصر القوة ما لم تتمكن من قبل من الاستثمار فيه، كالثروات والطاقة التي باتت أوراق ضغط حقيقية في سوق عالمية متقلبة، وموقع جغرافي طبيعي يربط ثلاث قارات ويتحكم في ممرات تجارية مصيرية، وكتلة بشرية شابة تمثل رأسمالا بشريا هائلا إن أحسن توجيهه. يضاف إلى ذلك أن التحولات الدولية الجارية تمنح دول المنطقة هامش مناورة لم يكن متاحا في عهد الأحادية القطبية.

لكن تحويل هذه العناصر إلى قوة فعلية يستلزم شرطا جوهريا واحدا، وهو التكامل. فالدول التي تتحرك منفردة، مهما بلغت قدراتها، ستظل عرضة للاستنزاف والضغط والاستقطاب. أما الدول التي تبني منظومة تكامل حقيقية، اقتصادية وأمنية وسياسية، فإنها تنتقل من موقع المتأثر بالتوازنات إلى موقع المؤثر في صياغتها. وهذا هو الفارق الجوهري بين مرحلة ما بعد سايكس-بيكو ومرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية التي تدخلها المنطقة اليوم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-04-19 22:18:00

الكاتب: مريم مايدي

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-19 22:18:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *