دعوات للفطام والتوجه شرقا.. هل حقا انقلبت أوروبا على إسرائيل؟ | سياسة

في لحظة تبدو فيها إسرائيل أكثر اعتمادا على الدعم الغربي سياسيا وعسكريا واقتصاديا، تكشف مقالتان منشورتان في صحيفتي هآرتس ويديعوت أحرونوت عن صورتين متقابلتين للعلاقة مع أوروبا: الأولى تحذر من أن القارة بدأت تفقد صبرها وأن خطر العقوبات لم يعد نظريا، والثانية تدعو صراحة إلى فطام إسرائيل عن أوروبا والتوجه شرقا.

وبين التحذير والدعوة إلى القطيعة، تبدو العلاقة بين الطرفين وكأنها تدخل طورا جديدا، لم يعد الخلاف فيه محصورا في الانتقاد السياسي، بل بات يمس بنية الشراكة نفسها وحدود احتمال استمرارها.

اقرأ أيضا

قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة

تكتسب هذه المقارنة أهميتها لأن الكاتبين ينتميان إلى موقعين مختلفين داخل المشهد الإسرائيلي. ليزا روزوفسكي، كاتبة الشؤون السياسية في هآرتس، تكتب من زاوية نقدية تحذر من الكلفة الدبلوماسية المتراكمة على إسرائيل في أوروبا.

السفير الإسرائيلي السابق مايك أورين لا يرى في أوروبا شريكا يتراجع، بل فضاء معاديا ينبغي تقليل الاعتماد عليه

أما مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق والمؤرخ المحسوب على التيار القومي المحافظ، فيكتب في يديعوت أحرونوت من موقع دفاعي، لا يرى في أوروبا شريكا يتراجع، بل فضاء معاديا ينبغي تقليل الاعتماد عليه.

هذا التباين يجعل المقالين معا مادة غنية لفهم كيف تنظر إسرائيل إلى أزمتها الأوروبية: هل هي أزمة سياسية قابلة للاحتواء، أم أزمة بنيوية تدفع نحو فك الارتباط؟

إيطاليا والإنذار

تنطلق روزوفسكي في مقالها الذي نشرته هآرتس اليوم من الحالة الإيطالية بوصفها المؤشر الأكثر دلالة على تغير المزاج الأوروبي.

فالأزمة، بحسب روايتها، لم تبدأ فقط من صورة غلاف مجلة “إل إسبيرسو”، بل من التوتر السياسي الذي تلا الهجمات الإسرائيلية الواسعة على لبنان، وصولا إلى إعلان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني تضامنه مع المدنيين إزاء ما وصفه بـ”الهجمات الإسرائيلية غير المقبولة”، ثم تعليق رئيسة الوزراء جورجا ميلوني مذكرة التفاهم مع إسرائيل.

إعلان

في هذا السياق، تورد الكاتبة اقتباسا بالغ الدلالة لأرتورو فيرفيلي، رئيس فرع روما في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يقول فيه إن الخطوة الإيطالية “رمزية أكثر منها ملموسة، لكنها تشير إلى أن إيطاليا تعتبر هذا السلوك غير مقبول”.

الكاتبة لا تعتبر الموقف الإيطالي بوصفه تفصيلا عابرا، بل بوصفه انتقالا من الصداقة التقليدية إلى لغة الإنذار السياسي، وهذه نقطة جوهرية، لأن إيطاليا لم تكن من الدول الأوروبية الأكثر حدة تجاه إسرائيل، بل كانت تصنف ضمن العواصم التي تمنحها هامشا أوسع.

لذلك فإن تغير لهجتها يعني أن التصدع لم يعد محصورا في دول مثل إسبانيا وأيرلندا، إنما امتد إلى دول كانت تعد أقرب إلى المعسكر المتفهم للموقف الإسرائيلي.

من النقد إلى الضغط

أهمية مقال هآرتس أنه لا يكتفي بتوصيف الغضب الأوروبي، بل يشرح كيف يمكن أن يتحول إلى أدوات ملموسة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

فالكاتبة تشير إلى أن فقدان إسرائيل المظلة المجرية، بعد هزيمة فيكتور أوربان، قد يفتح الباب لتوسيع العقوبات على مستوطنين ومنظمات يمينية متطرفة.

والأخطر من ذلك أن بعض الخطوات، مثل تعليق أجزاء من اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، “لا يتطلب إجماعا، بل أغلبية مؤهلة فقط”، هذه العبارة من أهم ما تضيفه روزوفسكي، لأنها تنقل النقاش من الانطباعات العامة إلى آليات الفعل الأوروبي الممكنة.

اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالإساءة إلى علاقات إسرائيل بحلفائها التقليديين (رويترز)

وتزداد خطورة هذا المسار مع الرسالة التي بعث بها وزراء خارجية إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حين اعتبروا قانون عقوبة الإعدام الذي أقره الكنيست مؤخرا “أحدث مثال” على “انتهاك صارخ لحقوق الإنسان“، و”خطوة أخرى في الاضطهاد والقمع والعنف والتمييز الممنهج ضد الشعب الفلسطيني”.

ولا تقف أهمية هذه اللغة عند حد التصعيد البلاغي، بل تكمن في أنها تعكس انتقالا أوروبيا من مقاربة إسرائيل بوصفها شريكا إشكاليا، إلى التعامل معها بوصفها طرفا يهدد القيم التي يقوم عليها المشروع الأوروبي نفسه، ولهذا جاء في الرسالة أيضا أن على الاتحاد “الاضطلاع بمسؤوليته الأخلاقية والسياسية والدفاع عن القيم الأساسية”.

المحصلة هنا أن أوروبا، في نظر هذا التيار الإسرائيلي الناقد، لا تتحرك فقط بدافع الغضب من الحرب، بل بدافع شعور متزايد بأن استمرار التغاضي عن إسرائيل يكلفها أخلاقيا ومؤسساتيا.

وهذه معرفة مهمة تضيفها المادة، لأنها تظهر أن الخلاف يتجاوز سياسات حكومة نتنياهو إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة أوروبا على التوفيق بين مصالحها وصورتها القيمية.

نفور الحلفاء

من أبرز ما يورده مقال روزوفسكي أيضا، أن جزءا من الأزمة لا يعود فقط إلى الوقائع الميدانية، بل إلى طريقة إدارة إسرائيل لخطابها الدبلوماسي.

فهي تنقل عن مصادر إسرائيلية انتقادها لنهج وزير الخارجية جدعون ساعر، باعتباره قائما على: “ترديد رواية دفاعية بدلا من الاعتراف بالأخطاء”، مع تجاهل حقائق صارخة بدل الإقرار بها.

إعلان

وتضيف أن التعبير عن الأسف لمقتل المدنيين في لبنان كان يمكن أن يوجه الحوار مع إيطاليا إلى “مسار أكثر إيجابية”.

فالأزمة، بحسب روزوفسكي، ليست فقط نتيجة الحرب في غزة أو لبنان أو إيران، إنما أيضا نتيجة عجز المؤسسة السياسية الإسرائيلية عن إنتاج خطاب يراعي حساسية الرأي العام الأوروبي ويخفف من الصدام مع صناع القرار.

الدعوات لمقاطعة إسرائيل لم تنته في أوروبا وباقي دول العالم (غيتي)

دعوة لفك الارتباط

على الجهة الأخرى، لا يحاول السفير السابق مايكل أورين احتواء الأزمة أو اقتراح لغة بديلة لإدارتها، بل يذهب مباشرة إلى استنتاج إستراتيجي: أوروبا لم تعد حليفا يمكن الركون إليه، وعلى إسرائيل أن تبدأ مرحلة الفطام.

ويصف إعلان جورجيا ميلوني بأنه “اعتراف ضمني بتقصير إسرائيل في علاقاتها مع القارة”، لكنه لا يبني على ذلك دعوة إلى تصحيح العلاقة، إنما إلى إعادة النظر فيها من الأساس.

فهو يعتبر أن الأوروبيين “اليوم ليسوا حلفاء يعتمد عليهم”، وأن كثيرا منهم يحاولون التخلص من عبء تاريخهم تجاه اليهود عبر اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.

وهنا تتجلى خلفية أورين الفكرية بوضوح، فهو لا يفسر الموقف الأوروبي بمنطق التحول السياسي الراهن فقط، بل يربطه بسردية تاريخية طويلة عن أوروبا واليهود، يقول إن هذه العداوة لا تقع “في فراغ”، بل تأتي بعد “قرابة ألفي عام” قدم فيها اليهود لأوروبا الفنون والعلوم والفلسفة والطب، ولم ينالوا في المقابل إلا الاضطهاد والمذابح.

وتبعا لذلك، يخلص أورين إلى دعوة واضحة: “حان وقت تغيير التوجه، حرفيا، التوجه شرقا”، وأن على إسرائيل تقليل اعتمادها على أوروبا والتركيز على تعزيز علاقاتها مع الهند ودول آسيوية أخرى، مع تنويع تحالفاتها في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

قطيعة؟

وبين القراءتين تظهر حقيقة مهمة وتتمثل في أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع أوروبا كخزان دعم مضمون، بل كمساحة قلق ومساءلة وضغط.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحديث عن قطيعة كاملة، فالعلاقات الاقتصادية والعلمية والأمنية بين الطرفين ما تزال عميقة، كما أن دولا مثل ألمانيا وإيطاليا لم تنتقل بعد إلى مربع كسر الشراكة.

لكن ما تغير هو أن إسرائيل باتت تواجه للمرة الأولى منذ زمن طويل احتمال أن تصبح أوروبا، أو أجزاء مؤثرة منها، عامل ضغط حقيقي لا مجرد طرف كثير الانتقاد قليل الفعل.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.aljazeera.net

تاريخ النشر: 2026-04-20 17:43:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-04-20 17:43:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version