في الخامس والعشرين من فبراير (شباط) عام 2022، حين عبرت الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية، ظن كثيرون أن ما يحدث هو “عملية عسكرية محدودة” ستنتهي خلال أسابيع. ثلاث سنوات مرت، وما زال العالم يقارع ذات السؤال: كيف تظل روسيا قائمة رغم كل شيء؟ الجواب بسيط: لأن السؤال نفسه كان خاطئا من البداية. نحن لم نكن نواجه “أزمة”، ولا “عدوانا” يمكن احتواؤه بالعقوبات والإدانات، بل كنا نواجه نموذجا مختلفا للقوة في عالم يتشكل من جديد.
لم تصمم العقوبات الغربية لتدمير الاقتصاد الروسي فحسب، كما دمرت اقتصاد دول أخرى، بل عملت على إعادة صياغة السلوك الروسي من خلال الألم الاقتصادي. ووفقا للمنطق الكلاسيكي، كان يفترض أن يتسبب حظر النفط والغاز وقطع الروابط المالية في انهيار الروبل وانهيار الصادرات، ومن ثم الضغط السياسي الداخلي. لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل حدث العكس تماما. نما الاقتصاد الروسي بنسبة 3.6% في عام 2023، متجاوزا كل دول مجموعة السبع. وأعادت موسكو توجيه 90% من صادرات نفطها نحو آسيا، وبنت نظاما ماليا بديلا يضم 177 مؤسسة من 24 دولة عبر نظام “إس بي إف إس” البديل لـ”سويفت”، ورفعت حصة الذهب في احتياطياتها من 13% إلى 44%، وبنت نظام دفع محليا يغطي نحو نصف السوق الداخلية. هذه ليست بقايا دولة منكفئة، بل دولة تعيد بناء مؤسساتها بسرعة مذهلة.
لكن الاقتصاد ليس سوى وجه واحد من مكعب أكبر تعيد روسيا رصف حوافه.
المفهوم الجيوستراتيجي الذي يحكم التفكير الروسي ليس “النفوذ” بمعناه الغربي، بل السيادة بمعناها الوجودي. فبالنسبة إلى موسكو، السيادة ليست أداة دبلوماسية تفاوض بها، بل شرعية تاريخية تستمدها من جغرافيا القارة. روسيا تتحكم بـ”هارتلاند” أوراسيا، تلك المساحة الهائلة البالغة 17.1 مليون كيلومتر مربع، وهي الأولى عالميا في احتياطيات الغاز. هذا ليس تبجحا جغرافيا، بل حقيقة تترجم إلى رقعة شطرنج يصعب على أي لاعب تجاوزها. الجغرافيا هنا ليست خلفية للسياسة، بل هي السياسة نفسها.
هذا ما أعمى صناع القرار الغربي عن رؤيته. فدراسة مركز “إتش سي سي إس” الهولندي لعام 2025 حددت سبع تحيزات معرفية سيطرت على التحليل الغربي للمشهد الروسي، أبرزها افتراض أن “العقلانية” تعني الشيء نفسه في موسكو وواشنطن. بينما يفكر صانع القرار الغربي في أفق انتخابي لا يتجاوز أربع سنوات، يفكر Vladimir Putin في أفق تاريخي يمتد لعقود. الزمن الروسي ليس زمن الغرب. وهذا ليس تفضيلا أيديولوجيا، بل اختلاف في بنية الدولة وطبيعة الشرعية السياسية. فالدولة الروسية لا تشتري شرعيتها من الناخبين كل أربع سنوات فحسب، بل من “التاريخ” و”الإمبراطورية” و”الحماية” التي تقدمها للشعوب الخاضعة لنفوذها.
التجارة الروسية الصينية نموذج بارز على هذا التحول. ففي عام 2024، بلغ حجم التبادل 244.8 مليار دولار، سويت 99.1% منها بالروبل واليوان، خارج منظومة الدولار تماما. لكن الاعتماد المتبادل هنا غير متوازن: 57% من الواردات الروسية تأتي من الصين، ما يخلق تبعية مقلقة لموسكو. فروسيا لم تنتقل من “تبعية الغرب” إلى “سيادة مطلقة”، بل إلى “تبعية جديدة” ذات هيكل مختلف. وهذا هو جوهر المأزق الروسي: دولة قوية عسكريا وجيوستراتيجيا، لكنها ضعيفة اقتصاديا نسبيا، وعليها أن تتنقل بين محاور القوة ببراغماتية صارمة.
إلا أن ما يجري ليس مجرد إعادة توجيه تجارية، بل إعادة بناء لبنية النظام المالي العالمي من قاعدته. فنظام “إس بي إف إس” الروسي، ونظام “سي آي بي إس” الصيني، ومشروع “بريكس بريدج” الذي أجرى أكثر من أربعين معاملة تجريبية، كلها ليست بدائل تقنية عابرة، بل خطوات متدرجة نحو شبكة مالية موازية. وحتى الروبل الرقمي، الذي وصل إلى 2500 محفظة، يقرأ في سياق أوسع: موسكو تبني البنية التحتية لعالم يمكن فيه للدول أن تتبادل السلع دون المرور عبر واشنطن. هذا الطموح لا يعني أن النظام البديل جاهز اليوم، لكنه يعني أن البذرة قد زرعت، والوقت وحده كفيل بإنمائها.
في الشرق الأوسط، تحولت روسيا من “لاعب هامشي” إلى “حكم” لا يمكن تجاهله. فدول الخليج لم تنضم إلى العقوبات الغربية. لماذا؟ لأنها ترى في موسكو شريكا لا يتدخل في شؤونها الداخلية، ولا يفرض عليها شروطا حقوقية، ويقدم لها سلاحا واستقرارا سياسيا في أزماتها. الروسي هنا لا يبيع “القيم”، بل يبيع “الخدمات”: أمن، سلاح، تنسيق، حماية من العقوبات. هذه الصفقة البسيطة تجعل من موسكو لاعبا مرغوبا في منطقة تعبت من “الخطاب التبشيري” الغربي. والأهم من ذلك، فإن دول الخليج التي تبنت حيادا إيجابيا تجاه موسكو لا تعكس مجرد موقف عابر، بل إدراكا عميقا بأن النظام الدولي القادم لن يكون أحادي القطب. فالرياض وأبوظبي والدوحة تستثمر في علاقة مع روسيا ليست بديلا عن واشنطن، بل ضمانة ضد يوم قد لا يكون فيه الغرب اللاعب الوحيد على الطاولة.
لكن روسيا لم تنتصر اقتصاديا، وإنما نجت. فقد خسرت أكثر من 380 ألف جندي في أوكرانيا، وتراجعت صادراتها 13.5%، ويبلغ الإنفاق العسكري 40% من الميزانية العامة، ما يعني أن الاقتصاد يعمل بمحرك عسكري بحت، وهو نموذج يعرف بـ”الكينزية العسكرية”. هذا النموذج يولد قوة نارية هائلة، لكنه لا يبني اقتصادا تنافسيا مستداما. روسيا اليوم دولة “محاصرة ومنتصرة في الوقت نفسه”، وهذا التناقض هو جوهر حالتها.
هذا التناقض يتجاوز الميدان إلى الإعلام والوعي الجمعي. فالإعلام الغربي يرسم صورة نمطية لروسيا على مدار العام: دولة قمعية معزولة، محاصرة بأعداء، بلا حلفاء حقيقيين. وهذه “متلازمة الحصن المحاصر” التي يروجها الخطاب الغربي ليست مجرد تشويه إعلامي، بل أداة لإلغاء التعقيد. والأخطر أنها تعكس هشاشة في التفكير الاستراتيجي؛ فبدلا من محاولة فهم الخصم، يبسط الإعلام صورته حتى يصبح بلا أبعاد. لكن القوة التي تسيطر على أكبر كتلة جغرافية في العالم، وتمتلك أكبر ترسانة نووية، وتبني بديلا ماليا عالميا، ليست “دولة محاصرة” بأي مقياس واقعي، بل دولة تختار ألا تلعب بالقواعد القديمة، وهذا اختيار مختلف تماما عن الانهيار.
فروسيا ليست “محاصرة”، بل دولة تبني تحالفات بديلة بسرعة. ففي الأمم المتحدة، رفضت 52 دولة إدانة روسيا. كما أن مجموعة بريكس، التي انضمت إليها دول جديدة عام 2024، أصبحت منصة فعلية لنظام متعدد الأقطاب. وفي الخطاب الروسي الرسمي، لم يعد “العالم الجنوبي” هامشا، بل “الأغلبية العالمية”.
الفكرة الأهم التي يجب استيعابها هي أن روسيا ليست “مشكلة” في النظام الدولي، بل “عرضا” من أعراض تحول أعمق. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية لا يهيمن فيها أحد، وروسيا ليست سوى أحد أوجه هذا التحول. حين ننظر إليها كـ”دولة معزولة ومنكفئة”، نخطئ في تشخيص العصر نفسه. روسيا ليست منكفئة، بل هي ببساطة لا تلعب بالقواعد التي كتبها الغرب. وهذا ليس انسحابا، بل مقاومة منظمة لنموذج عالمي يراه الروس منتهي الصلاحية.
عتبة استخدام القوة الروسية أقل بكثير من الغرب. فموسكو لا تتردد في المخاطرة بما لا يتردد الغرب في تجنبه. هذا ليس جنونا، بل منطق مختلف: فالدولة التي تملك 17.1 مليون كيلومتر مربع، و47.8 تريليون متر مكعب من الغاز، وستة آلاف رأس نووي، لا تحتاج لأن “تتفاوض” على مكانتها، بل تفرضها بالأمر الواقع. ومن يريد فهم ما يجري في أوكرانيا أو سوريا أو غزة أو حتى في حرب الغاز والعملات، عليه أولا أن يفهم هذه البساطة المروعة: روسيا لا تطلب الإذن. وكل الذين ينتظرون انهيارها سينتظرون طويلا. لأن روسيا التي تحاصرها الجغرافيا والتاريخ والعقوبات معا، هي روسيا التي تعلمت على مدى خمسة قرون أن الضغط الخارجي لا يضعفها، بل يعيد لحمتها الوطنية صلابة الحديد.
هذا لا يعني أن روسيا بلا هشاشات. فالتبعية الصينية، والاستنزاف البشري، والاقتصاد الحربي غير المستدام، كلها تحديات حقيقية. لكن من يراهن على انهيارها، يراهن على شيء لم يحدث في التاريخ. والمؤكد أن روسيا التي تخرج من هذه المرحلة لن تكون روسيا التي دخلتها. فهي دولة أقل انفتاحا، وأكثر توجها شرقا، وأقل ارتباطا بالنظام المالي الغربي. وهذا تحول لا يخص روسيا وحدها، بل يخص العالم بأسره. فالنظام الدولي الذي ولد عام 1945 وترعرع على أنقاض الحرب الباردة، يتلاشى اليوم أمام أعيننا. ولن يكون آخر من يلاحظ ذلك من اعتاد رؤية العالم من نافذة واحدة فقط.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-21 18:38:00
الكاتب: ديميتري بريجع
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-21 18:38:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
