الدفاع والامن

أوروبا التي تعاقب نفسها في عالم لم يعد ينتظرها

أقر مجلس الاتحاد الأوروبي مساء الخميس، 23 إبريل (نيسان) 2026، الحزمة العشرين من العقوبات ضد روسيا، كما تمكن من انتزاع الموافقة على تمويل أوكرانيا بقرض تبلغ قيمته 90 مليار يورو موزعة على عامي 2026 و2027، وذلك بعد تعثر طويل بسبب رئيس الوزراء المجري المنزاح عن الطريق الأوروبي فيكتور أوربان.

أعلن أنطونيو كوستا، بكل انتشاء، نجاح المجلس أخيرا في إلغاء حظر تخصيص الـ90 مليار يورو المذكورة، مؤكدا أن هذه الأموال ستخصص لسد احتياجات أوكرانيا العسكرية وميزانيتها للفترة 2026-2027.

لا يخفي القادة الأوروبيون أن هدف حزم العقوبات المتتالية والأموال المخصصة هو زيادة الضغط على روسيا ومساعدة كييف، فضلا عن إغراء أوكرانيا بالحفاظ على موقفها الرافض للحل السلمي الذي كانت تستهدفه مفاوضات السلام المعلقة حاليا بسبب الحرب الأمريكية على إيران.

كما يعتبر الاتحاد الأوروبي أن من حقه استخدام الأصول الروسية المجمدة لسداد ما يسميه “قرض التعويضات” البالغ 90 مليار يورو المقدم لأوكرانيا. وقد أدرجت في نص قرار الاتحاد الصياغة المتعلقة بسداد القرض على حساب ما وصفه القرار بـ”التعويضات الروسية”، بهدف العودة مستقبلا إلى مناقشة مصادرة الأصول الروسية، حيث لا تزال هذه المسألة إشكالية داخل المؤسسة البيروقراطية الأوروبية.

ما يهمني أكثر، وسوف أتناوله في هذا المقال، هو موقف الاتحاد الأوروبي من الصين في هذا التوقيت، وإلى أي مدى يبدو الاتحاد، في ضوء ما يحدث في العالم، عقلانيا أو متبعا لاستراتيجية سليمة فيما يتخذه من قرارات بهذا الشأن.

فحزمة العقوبات الجديدة على روسيا شملت شركات صينية، من بينها شركات من هونغ كونغ، يتهمها الاتحاد بتوريد مكونات إلكترونية وأشباه موصلات ومعدات أخرى إلى روسيا، بالإضافة إلى تقديم خدمات في مجال تطوير وإنتاج المسيرات.

لكن ما لفت انتباهي أكثر، وأنا أبحث في تطورات العلاقات الأوروبية الصينية، كان تصريح وزيرة الخارجية الفنلندية إيلينا فالتونين، الخميس 23 إبريل (نيسان)، حين قالت إن العلاقات الوثيقة بين الصين وروسيا يجب أن تكون عاملا مانعا أمام إطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين بكين وبروكسل، بصفتها الأوروبية لا البلجيكية.

اتهمت الوزيرة الصين بأنها تدعم روسيا، وأن هذا الدعم يمثل انتهاكا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولا يمكن قبوله أوروبيا. ويا للعجب، لم نسمع منها الموقف ذاته تجاه دعم دول أوروبية بعينها، مثل ألمانيا، دع عنك الولايات المتحدة، لإسرائيل بالمال والسلاح بشكل علني، بل وأحيانا بتفاخر، في حربها المدمرة وإبادتها الجماعية وتطهيرها العرقي ضد سكان غزة على مدار أكثر من عامين.

المهم في هذا السياق، بالطبع، هو أن موقف هلسنكي يمكن أن يتحول عمليا إلى ما يشبه الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي، لأن إطلاق مفاوضات تجارية بهذا الحجم يحتاج إلى موافقة الدول السبع والعشرين. وبالتالي يصبح هذا التصريح لا يخص الصين وحدها، ولا فنلندا وحدها، وإنما يكشف عن أزمة باتت متجذرة في العقل السياسي الأوروبي بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الأوكرانية.

ما أفهمه من هذا الموقف أن أوروبا تريد أن تتعامل مع الصين كخصم سياسي حين يتعلق الأمر بروسيا، لكنها في الوقت نفسه، وللمفارقة، لا ترغب، بل ولأكون أكثر دقة، لا تستطيع أن تتعامل معها كخصم اقتصادي كامل.

وفي الوقت نفسه، نرى أن الأوروبيين يريدون الاستمرار في مواجهة موسكو، لكنهم لا يستطيعون التخلي تماما عن آثار الاعتماد على الطاقة الروسية. وهنا أجدني مضطرا للعودة إلى الحزمة العشرين من العقوبات التي بدأت بها المقال، فمجلس الاتحاد الأوروبي لم يستطع حظر نقل النفط الروسي من قبل الشركات الغربية. وكانت هذه العقوبة مدرجة في مشروع الحزمة، لكنها لم تدرج في النهاية وظلت حديثا مطروحا خارجها.

كما تريد أوروبا أن تبدو طرفا مستقلا في نظام دولي متغير بشكل دراماتيكي، لكنها في لحظة الحقيقة، وعند كل منعطف أمني كبير، تعود مهرولة أكثر إلى المظلة الأمريكية.

وهنا تحديدا، في رأيي، تبدأ المشكلة الحقيقية، بمعنى أن الاتحاد الأوروبي يتصرف في الظاهر وكأنه ما زال يملك القدرة على وضع شروط قواعد اللعبة العالمية، أو على الأقل المشاركة في هذه العملية، كما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، لكنه لا يدرك أن العالم تغير فعلا.

الصين لم تعد دولة صاعدة تبحث عن اعتراف أوروبي. لقد تحول التنين الصيني إلى قوة اقتصادية عالمية كبرى قادرة على إعادة توجيه تجارتها ومراكمة نفوذها في أقاليم ومناطق شاسعة من العالم، بداية من آسيا، مرورا بالجنوب العالمي، وصولا إلى أمريكا اللاتينية.

وروسيا الضعيفة والهزيلة في التسعينيات، والباحثة عن منفذ لطاقتها في أوروبا في بدايات الألفية الجديدة، بل وحتى قبل سنوات قليلة، لم تعد مستعدة للعودة إلى موقع الشريك الطاقوي الذي يضبط أموره على الشروط الأوروبية. أما الولايات المتحدة نفسها، فلم تعد في ظل حكم ترمب الحليف الاقتصادي السهل، وإنما تحولت إلى طرف يتصرف بمنطق التعريفة والضغط والمساومة، بل والإخضاع القسري أحيانا.

وفي ضوء ما ذكرته في الفقرة أعلاه، فإن التهديد الأوروبي بتجميد أو تعطيل أي تقارب تجاري مع الصين بسبب علاقاتها مع روسيا، وإن كان الأوروبيون يقنعون أنفسهم بأنه موقف أخلاقي في ظاهره، إلا أنه في جوهره، إذا استمروا فيه، سيكون بمثابة اختبار صعب لقدرة القارة العجوز وشعوبها المنهكة من تبعات أزمة أوكرانيا على تحمل عواقب خطابها المفصول عن الواقع.

وهذا ليس مجرد تحليل، بل يستند إلى معلومات وبيانات، فبكين كانت قد أبدت منذ أواخر عام 2025، حسبما تقول التقارير الرسمية المنشورة، استعدادا لاستكشاف اتفاقات تجارة واستثمار مع الاتحاد الأوروبي، بل ورأينا القادة الأوروبيين يحجون واحدا تلو الآخر خلال الأشهر الأخيرة إلى بكين للقاء إمبراطورها شي جين بينغ، خصوصا على خلفية ما يمارسه عليهم ترمب من ضغوط متزايدة، إضافة إلى سياق عالمي يشهد اضطرابات تجارية متصاعدة.

وفي الوقت الذي ظل فيه ملف الاتفاق الاستثماري الأوروبي الصيني مجمدا منذ عام 2021، يطرح سؤال: هل تملك أوروبا فعلا الآن هامشا يسمح لها بإغلاق هذا الباب في وقت تتصاعد فيه كلفة الطاقة والصناعة والدفاع؟

في رأيي، لا تفرض أوروبا، ولا تستطيع أن تفرض، على الصين إملاءات، وإنما هي تحاول إخفاء محدودية خياراتها، بعدما حشرت نفسها في وضع لا تحسد عليه. فهي مرتبطة أمنيا بالولايات المتحدة، ومتصادمة سياسيا واقتصاديا مع روسيا، بل وعلى مشارف صدام عسكري معها، وهي في الوقت نفسه متشابكة اقتصاديا مع الصين. وهذه ثلاثية أزمات تمثل وصفة ناجعة لعدم الاستقرار.

وبالتالي، كلما شددت بروكسل موقفها تجاه بكين بسبب صداقتها مع موسكو، زادت عمليا حاجتها إلى واشنطن واعتماديتها عليها. وكلما زادت حاجتها إلى واشنطن، تراجعت قدرتها على الحديث عن استقلال استراتيجي أوروبي.

وهنا لب المفارقة، فأوروبا التي تريد تقليل تبعيتها للخارج، تجد نفسها، وبفعل يديها، تنتهي إلى تعميق تبعيتها للطرف الأمريكي تحديدا.

وهنا يحضرني قول لافت لنيقولاي باتروشيف، عندما كان لا يزال يشغل منصب سكرتير مجلس الأمن الروسي، حيث وصف القارة العجوز بقوله: “أوروبا اليوم أمم جاثية على ركبتيها أمام السيد الأمريكي”. وأراه كان محقا في هذا الوصف، ليس شماتة بالأوروبيين، وإنما توصيفا موضوعيا لواقع الأمم الأوروبية المعاصرة.

من المفهوم طبعا أن الحرب في أوكرانيا دفعت الاتحاد الأوروبي إلى جعل موقفه من روسيا معيارا لاختبار علاقاته مع القوى الأخرى، وعلى رأسها الصين. لكن الأوروبيين، بعد أكثر من أربع سنوات من عمر الحرب، لا يريدون أن يفهموا أن الصين لا تنظر إلى روسيا بالطريقة الأوروبية نفسها.

فبالنسبة لبكين، روسيا ليست فقط دولة خاضعة للعقوبات، لكنها كذلك شريك استراتيجي في إعادة توازن النظام الدولي، ومصدر مهم للطاقة والمواد الخام، فضلا عن كونها عمقا جيوسياسيا في مواجهة ضغط أمريكي متزايد على الصين.

لذلك، عندما تشترط أوروبا على الصين أن تفك ارتباطها مع روسيا أو تدفع ثمن علاقاتها مع موسكو، فهي لا تطلب تعديلا تجاريا بسيطا في اتفاقية منفعة متبادلة، وإنما تطلب من بكين تغيير موقعها في العالم.

وهذا بلا شك طلب منفصل عن الواقع، ليس لأن الصين لا تحسب مصالحها مع أوروبا، فالبيانات الإحصائية تخبرنا أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأوروبا بلغ 759 مليار يورو، وإنما لأن بكين ترى أن أوروبا نفسها لا تملك قرارها بشكل كامل، وهو ما يتماهى مع الرؤية الروسية وفقا لتصريح باتروشيف المشار إليه أعلاه.

وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالا عادلا: كيف يمكن لبروكسل، وبأي وجه حق، أن تطلب من بكين تقليص شراكتها مع موسكو، بينما تبدو أوروبا نفسها مصابة بشلل شبه تام، وعاجزة عن صياغة سياسة مستقلة عن واشنطن في الأمن والطاقة والعقوبات؟

بوتين وشي لا ينظران إلى أوروبا كفاعل مستقل، وبالتالي فهذا الطلب ليس صادرا عن قوة مستقلة، وإنما هو امتداد لضغط غربي تقوده الولايات المتحدة ولكن بصيغ أوروبية.

في هذا الإطار، يصبح ربط الملف الصيني بالملف الروسي الأوكراني جزءا من أزمة أوروبية أعمق. بمعنى أن الحرب الأوكرانية لم تعد فقط على خطوط التماس في دونباس أو زابوروجيا، لكنها أصبحت معيارا لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية العالمية.

فأوروبا، وهي تحاول معاقبة روسيا كما تتصور، تضغط على الصين، وتبحث عن بدائل طاقة في الشرق الأوسط وأمريكا والبحار البعيدة.

لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعا بالغ التعقيد يزداد ضبابية يوما بعد يوم، فخطوط الطاقة لا تتغير بالبيانات، والأسواق لا يعاد هندستها بالكامل بالخطاب الأخلاقي، والصناعات الأوروبية لا تستطيع العيش طويلا على أسعار طاقة أعلى ومخاطر تجارية تتصاعد كل يوم.

وقد كشفت تطورات البحر الأسود خلال الأيام الأخيرة هذا التناقض بوضوح. وما أرمي إليه أن الهجوم على ترمينال النفط في ميناء توابسيه بإقليم كراسنودار، وما ارتبط به من ضغوط على البنية الطاقوية واللوجستية الروسية، يشير بوضوح إلى أن الحرب دخلت مرحلة استهداف القدرة الإنتاجية لا الجبهة فقط. وهذا الحادث لم يأخذ حقه من التغطية الإعلامية الدولية، إذ كانت العدسات كلها موجهة صوب مضيق هرمز.

وفي الوقت ذاته، تستعد شركات أوروبية لاستئناف تدفقات النفط عبر خط “دروجبا”، بما يكشف أن جزءا من أوروبا ما زال مضطرا للتعامل مع حقائق الطاقة الروسية رغم كل القطيعة السياسية. وهنا لا تنتصر السياسة بالكامل على الجغرافيا، ولا تستطيع الجغرافيا وحدها إنهاء السياسة.

ثم يأتي الشرق الأوسط ليزيد الطين بلة. فكل اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز يرفع حساسية أوروبا تجاه مصادر الطاقة ويدفعها للبحث عن بدائل، لكنه يذكرها أيضا بأن الاستغناء عن روسيا لم يكن مجانيا، وأن الاعتماد على أسواق بعيدة وممرات بحرية مضطربة يجعل أمن الطاقة الأوروبي أكثر هشاشة.

وفي هذه اللحظة بالذات، تصبح العلاقة مع الصين أكثر أهمية، لا أقل، لأن بكين لاعب مركزي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة غير المباشرة.

ومع ذلك، ويا للعجب، تختار بعض العواصم الأوروبية تحويل العلاقة مع بكين إلى امتداد لمعادلات أزمة أوكرانيا.

بالطبع، هذا الكلام لا يعني أن المخاوف الأوروبية من الصين بلا أساس، فهناك قلق حقيقي داخل أوروبا من الدعم الصيني غير المباشر لروسيا، ومن اختلالات التجارة، ومن المنافسة الصناعية الصينية، خصوصا في السيارات الكهربائية والتقليدية، فضلا عن التكنولوجيا الخضراء.

لكن المشكلة ليست في وجود المخاوف، بل في طريقة إدارتها. ما أقصده، من واقع الرصد الموضوعي، أن أوروبا تتحدث بلغة القيم حين يناسبها ذلك، وبلغة السوق حين تحتاجها، وبلغة الأمن حين تضغط عليها واشنطن.

وهذه الازدواجية لا يمكن أن تصنع سياسة كبرى، وإنما تؤدي إلى ارتباك في كيفية بناء العلاقات معها، وخصوصا عند التخطيط لمشاريع طويلة الأمد.

بالنسبة لي، كمراقب من داخل موسكو، تبدو تصريحات الوزيرة الفنلندية دليلا إضافيا على أن أوروبا تتحول من شريك اقتصادي مستقل إلى جبهة سياسية داخل الصراع الأوسع مع روسيا والصين. ولا أعتقد أن بكين يمكنها قراءة مطالب الوزيرة إيلينا فالتونين إلا كدليل على أن الاتحاد الأوروبي يربط مصالحه الاقتصادية بحسابات أطلسية لا تخصه وحده. وهي بلا شك تستقبل من جانب دولة واشنطن العميقة كنجاح إضافي في دفع أوروبا إلى الاصطفاف في مواجهة الكتلة الأوراسية الصاعدة.

لكن الحقيقة الأكثر قسوة، في رأيي، هي أن أوروبا لم تعد تملك رفاهية إغضاب الجميع في وقت واحد. فإذا صعدت ضد روسيا، وضيقت على الصين، واعتمدت أكثر على الولايات المتحدة، فإنها لا تصبح أكثر استقلالا، بل تتقلص قدرتها على المناورة.

وبديهيات العلاقات الدولية تقول إنك إذا أردت أن تكون قطبا في عالم متعدد الأقطاب يتخلق الآن ويتشكل أمام ناظر من يرى، فعليك أن تتصرف كقطب، لا كامتداد تنظيمي للسياسة الأمريكية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-04-25 08:13:00

الكاتب: سعد خلف

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-25 08:13:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *