فالتوترات الحاصلة الآن بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ليست مجرد صراع إقليمي؛ بل تكشف عن مواطن ضعف في نظام ما بعد الحرب الباردة.
فقد غدت المفاهيم التقليدية، من قبيل الردع والتحالفات المستقرة والأهداف الإستراتيجية الواضحة، ركائز لا يعول عليها في عالم تشكله أطراف متعددة، وتتداخل فيه الخطوط الفاصلة بين حالة الحرب والسلم، وتتصاعد فيه مخاطر الانفجار باستمرار.
وفي الوقت نفسه، تظهر التطورات السياسية كحال الانتخابات المجرية الأخيرة، أن التصنيفات المعهودة مثل “ليبرالية” و”يمين” لم تعد كافية لتفسير آليات عمل الحكومات، أو أسباب اختيار الناخبين لها؛ إذ باتت النماذج الهجينة التي تمزج بين القومية والتدخل الاقتصادي والهوية الثقافية تكتسب زخما متزايدا.
تؤشر هذه الاتجاهات مجتمعة إلى تحول أوسع نطاقا، يتمثل في تراجع كل من الليبرالية واليسارية في سياقها الأوروبي بوصفهما أيدولوجيات مهيمنة وناظمة للمجتمعات. وعوضا عنهما، نشهد بزوغ عالم يتسم بحالة من عدم اليقين، حيث تصعب التنبؤات، وتصاغ السياسات تحت وطأة الضغوط الآنية بدلا من النظريات بعيدة المدى.
هنا يلوح السؤال الرئيس عن مفهوم الأمن في عالم هذه طبيعته، حيث لم تعد مسؤوليته شأنا فرديا معزولا لكل دولة، بل إن الاستقرار الدائم بات رهينا بإعادة النظر في آليات التعاون العالمي، وتبني مقاربات جماعية مرنة قادرة على التكيف مع المخاطر المشتركة.
الحرب على إيران وانهيار اليقين الإستراتيجي
أفضت قراءات حديثة لمحللين من وزن كريس هيدجز، ودوغلاس ماكغريغور، ولاري جونسون، ولورانس ويلكرسون، وغلين ديزن، إلى خلاصة قطعية مفادها أن المواجهة المحتدمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليست مجرد أزمة إقليمية أخرى، بل هي انعكاس لتمزق عالمي أعمق يكشف هشاشة النظام الأمني الذي أعقب الحرب الباردة.
فمن خلال حواراتهم ونقاشاتهم العامة، يصف هؤلاء المحللون صراعا لا يحركه عقل إستراتيجي ورؤية متماسكة واضحة، بل نحن في خضم سلسلة تحكمها ردود أفعال تصعيدية متبادلة.
وبخلاف حقبة الحرب الباردة التي كان الردع الإستراتيجي فيها منظما وقابلا للتنبؤ، تبدو الديناميكيات الصراعية اليوم متغيرة ومتعددة الأطراف، وغير متكافئة في أدواتها إلى حد كبير.
ففي حين يبدو أن إيران تنتهج إستراتيجية “الردع المنضبط” عبر توظيف الحلفاء الإقليميين والقدرات الصاروخية لرفع الكلفة على الخصم دون الانزلاق إلى حرب شاملة، نجد أن إسرائيل، في المقابل، تتبنى نهجا استباقيا على نحو متزايد، يقدم استئصال ما تراه “تهديدات وجودية” على المساعي الدبلوماسية.
وفي سياق ذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة بين التزاماتها تجاه حلفائها، وبين الرغبة في تجنب تورط عسكري أعمق.
ولعل مكمن الخطر الأكبر الذي يترتب على هذا النزاع العجيب، يتمثل في تآكل مبدأ الردع بكل مفاهيمه العسكرية والإستراتيجية؛ فكما يوضح ويلكرسون وماكغريغور، لا يقوم الردع على القوة العسكرية فحسب، بل على القدرة على التنبؤ بسلوك الخصم.
واليوم، وفي سياق قتالي غير مفهوم الأطر والأهداف ولا تسوقه رؤية واضحة، تتباين فيها تقديرات التهديد، وتغدو الرسائل المتبادلة بين الأطراف المتحاربة مشوشة، مما يرفع من احتمالات سوء التقدير، وردود الفعل الخطيرة غير المحسوبة. كما أن الدور المتنامي للجهات غير الدولتية وحروب الهجين، زاد من ضبابية الحدود الفاصلة بين السلم والحرب.
لكن من جهة أخرى فإن كريس هيدجز، يضع الصراع الحالي في إطار تقييم أخلاقي، مجادلا بأنه يعكس فشل النظام العالمي القائم على الهيمنة لا على الأمن المشترك. ووفقا لهذا المنظور، اختزل مفهوم “الأمن” ليصبح مجرد مبرر لعسكرة مستمرة، بدلا من كونه منظومة حقيقية للسلامة الجماعية.
وبذلك، يسلط هذا الصراع الضوء على الإخفاق الواسع للمؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، في إنفاذ المعايير أو الوساطة الفعالة. فلا يزال عالمنا حبيس الأمن بمعناه البدائي، بعد كل هذه القرون، وبعد كل هذا التقدم.
بيد أن جونسون وديزن يضعان هذا الصراع ضمن سياق توازن قوى عالمي متغير، مع الإشارة إلى تنامي نفوذ أطراف صاعدة مثل روسيا والصين؛ حيث ينظر إلى التورط الأمريكي كجزء من صراع أوسع للحفاظ على النفوذ في عالم يتجه حثيثا نحو التعددية القطبية.
وإجمالا، يعكس المشهد تخبطا إستراتيجيا عميقا؛ فالصراع لا هو قابل للاحتواء المحكم ولا يمضي نحو التصعيد الصريح، ولا هو بالذي يحسم عسكريا ولا الذي يحل دبلوماسيا بسهولة.
لقد أثبتت الأدوات التقليدية -مثل الردع والاحتواء وتماسك التحالفات- قصورها، وهذا بطبيعة الحال يولد مخاطر جسيمة، ذلك أن غياب حدود واضحة للصراع يزيد من احتمال تصعيد غير مقصود.
وفي مستوى أعمق، يكشف الصراع عن تناقض جوهري في النظام الدولي، فالمساعي الرامية لتأمين المصالح الوطنية، أو مصالح التحالفات غالبا ما تقوض الأمن الجماعي. والنتيجة هي حلقة مفرغة يصبح فيها “الأمن للبعض” سببا في “انعدام الأمن للآخرين”.
لذا، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست استثناء، بل عرضا لحالة عالمية عامة، أضحى الأمن فيها مسألة محصلتها صفر، رغم أن التهديدات نفسها مشتركة.
ثانيا: التحول الانتخابي في المجر والاستقرار “غير الليبرالي”
توحي نتائج الانتخابات الأخيرة في المجر، وفقا لتحليلات نشرتها دوريات كبرى مثل “فورين بوليسي” و”نيويورك تايمز” و”الغارديان”، بأن التصنيفات السياسية التقليدية باتت تفقد جدواها.
فاستمرار قوة رئيس الوزراء فيكتور أوربان لا يعكس نجاحا انتخابيا فحسب، بل يمثل ترسيخا لما يعرف بـ”الديمقراطية غير الليبرالية”.
تبرز هنا ثلاث ديناميكيات أساسية:
- أولا، يجمع أوربان في خطابه بين القومية والبراغماتية الاقتصادية والمحافظة الثقافية، وهو مزيج لا ينضبط وفق ثنائية “اليمين واليسار” التقليدية؛ إذ انتهجت حكومته سياسات تدخلية في الاقتصاد وبرامج رفاه اجتماعي تحسب عادة على اليسار، بينما تتبنى في الوقت ذاته سياسات مناهضة للهجرة، وانتقادات حادة للعولمة الليبرالية تحسب على اليمين.
- ثانيا، يبدو أن الناخبين باتوا يقدمون الاستقرار والسيادة الوطنية على الاتساق الأيديولوجي. وفي زمن يتسم بالاضطراب الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية، أثبت تركيز أوربان على السيادة الوطنية ومقاومة الضغوط الخارجية- لاسيما القادمة من الاتحاد الأوروبي- فاعلية كبيرة.
- ثالثا، وجدت إستراتيجيات المعارضة القائمة على القيم الليبرالية التقليدية صعوبة في إحداث صدى لدى الشارع؛ فالدعوات إلى المعايير الديمقراطية ونزاهة المؤسسات كانت أقل جذبا من السرديات التي تتمحور حول الهوية، والأمن، والحماية الاقتصادية.
ويعكس مسار المجر توجها عالميا أوسع: وهو صعود أنظمة سياسية هجينة تستعير عناصر من أيدولوجيات مختلفة. هذه الأنظمة لا تعنى بالنقاء الأيديولوجي بقدر ما تركز على الاستجابة البراغماتية لهواجس الناخبين بشأن الاستقرار، والهوية، والقدرة على التحكم في المصير.
ثالثا: ما بعد الليبرالية والاشتراكية.. عصر عدم اليقين
يشي التمازج بين الاضطراب الجيوسياسي كما في حرب الخليج والتحول السياسي الذي يحدث في أوروبا عن تغير بنيوي أعمق، يتمثل في أفول الأطر الأيديولوجية التي صاغت السياسة العالمية لأكثر من قرن. فإذا كان سقوط الاتحاد السوفيتي قد اعتبر على نطاق واسع نهاية للماركسية كنموذج للحكم وانتصارا لليبرالية، فإن الليبرالية نفسها تبدو اليوم في حالة وهن.
ويمكن إرجاع هذا التحول جزئيا إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي كشفت مواطن الخلل في النظم الاقتصادية الليبرالية، وزعزعت الثقة في العولمة. وما يزيد من حدة هذه المخاوف، هو شبح ركود عالمي جديد يلوح في الأفق.
وفي الوقت ذاته، لا تزال الأفكار المرتبطة بالاشتراكية تطل برأسها في قوالب جديدة؛ فشخصيات مثل زهران ممداني تعكس اهتماما متجددا بالاشتراكية الديمقراطية، خاصة في أوساط الشباب وسكان الحضر. ومع ذلك، لا نرى هنا عودة للاشتراكية التقليدية، بل استخداما انتقائيا لأفكارها ضمن أنظمة سياسية أكثر تعقيدا.
ونتيجة لذلك، غدت الفوارق التقليدية بين الليبرالية والاشتراكية أقل جدوى في فهم الواقع؛ إذ تتسم الأنظمة السياسية والاقتصادية المعاصرة بالهجنة والتجريب والتكيف، وغالبا ما تملى السياسات وفق الحاجات الآنية، لا وفق أطر أيديولوجية متسقة.
وينسجم هذا الواقع مع ما يصفه جون كينيث غالبريث وجون كاي وميرفين كينغ بـ “اللايقين الجذري”. وكما يجادل كاي وكينغ، فإن المستقبل ليس مجرد مجهول، بل لا يمكن التنبؤ به بشكل موثوق عبر النماذج التقليدية. وفي عالم يتسم بالتعقيد والتغيرات المتسارعة، تصبح المقاربات الكلاسيكية لتقدير المخاطر والتنبؤ بها غير كافية على نحو متزايد.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن هذا يعني أن صناع السياسات لم يعد بإمكانهم الركون إلى عقائد راسخة أو نتائج متوقعة. فصراع (إيران-أمريكا-إسرائيل)، والتطور السياسي في المجر، والتحولات العالمية الأشمل، كلها شواهد على عالم محكوم بعدم اليقين والمفاجآت.
ولكل ذلك تداعيات جوهرية؛ فإذا لم يكن بالإمكان التنبؤ بالمستقبل بثقة، فلا بد من إعادة التفكير في مفهوم الأمن ليس بوصفه سيطرة أو هيمنة، بل كقدرة على الصمود والتكيف.
وهنا تصبح مقولة “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد” أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ ففي عالم مترابط، فإن أي مسعى من جانب طرف ما لتحقيق مكاسب أمنية على حساب الآخرين من شأنه أن يولد اضطرابا يطال الجميع في نهاية المطاف.
إن النظام العالمي الناشئ يتجاوز التصنيفات السياسية التقليدية، ليس لأن الأيديولوجيا لم تعد مهمة، بل لأنها لم تعد كافية. والمطلوب هو مقاربة جديدة تقبل باللايقين، وتتعامل مع التعقيد، وتضع الأمن الجماعي على رأس الأولويات. ولهذا السبب، يغدو التعاون متعدد الأطراف ضرورة قصوى لا مجرد ترف.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-04-28 02:17:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
