يحاول البيت الأبيض رسم “صورة وردية” عن الخسائر الأمريكية في الحرب على إيران عبر التركيز على أن الجيش الأمريكي خسر عشرة جنود فقط، وجرح منه نحو أربعمئة جندي آخرين، خرج 90% منهم من المستشفى، مع نفقات تشغيل وذخائر لا تزيد على 60 مليار دولار، لكن الحقائق على الأرض تؤكد أن خسائر الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب مع إيران قد تفوق في قيمتها الاستراتيجية الخسائر الضخمة التي تكبدتها واشنطن في الحرب على الإرهاب، والتي استمرت عشرين عاما، وقتل فيها نحو سبعة آلاف أمريكي، وجرح فيها نحو تسعة وخمسين ألفا آخرين، ناهيك عن تكاليف مالية تجاوزت ثمانية تريليونات دولار في عشرين عاما.
أكثر الخسائر الأمريكية في الحرب على إيران تتعلق بسمعة وهيبة الولايات المتحدة والجيش الأمريكي، فعندما نجحت واشنطن في خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي خلال ساعات قليلة، روج البيت الأبيض بأن العملية العسكرية في إيران سوف تكون “سريعة وخاطفة” على غرار عملية “العزم المطلق” في فنزويلا، لكن بعد تسعة وثلاثين يوما من القصف، وأكثر من واحد وعشرين يوما من وقف إطلاق النار، لا تزال الولايات المتحدة “عالقة” في الحرب مع إيران، فهي لم تحقق النصر السريع والخاطف الذي وعد به الرئيس دونالد ترامب عندما انطلقت عملية “الغضب الملحمي” في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الجيش الأمريكي إنهاء الحرب، والانسحاب دون تحقيق أي هدف من الأهداف الكبيرة التي أعلنها المكتب البيضاوي في بداية العملية العسكرية مثل إسقاط النظام الإيراني، ونزع الأسلحة النووية، وتدمير الصواريخ الباليستية.
لسان حال خصوم ومنافسي الولايات المتحدة يقولون: إذا كانت واشنطن عاجزة عن تحقيق انتصار واضح على “دولة إقليمية” مثل إيران تتعرض لعقوبات منذ عشرين عاما، وخاضت حربا مع العراق لمدة ثماني سنوات، فكيف هو الحال إذا ما دخل الجيش الأمريكي في حرب مع قوى عظمى مثل روسيا أو الصين؟ فما هي الخسائر الاستراتيجية الكبيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب مع إيران؟ وما تداعيات تلك الخسائر على نتائج ومعادلات “اليوم التالي” لنهاية الحرب في إيران؟
عشر خسائر
سوف يكون “اليوم التالي” لوقف الحرب في إيران قاسيا على الولايات المتحدة الأمريكية بغض النظر عن نتيجة صراعها مع إيران، حيث سيواجه البيت الأبيض “الواقع الجيو-استراتيجي” الناتج عن خسائر واشنطن في كافة القطاعات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأبرز هذه الخسائر هي:
أولاً – تشقق “القبة الجيوسياسية“
سوف تعاني الولايات المتحدة طويلا إذا حاول من سيخلف الرئيس ترامب ترميم علاقات واشنطن مع حلفائها، خصوصا في أوروبا وآسيا، فالرئيس ترامب يرى في حلف دول شمال الأطلسي “نمرا من ورق”، ويعتقد أن روسيا والرئيس بوتن لا يقيمان وزنا “للناتو” بعد أن رفضت كل دول الحلف الانضمام للجيش الأمريكي في الحرب على إيران، ورغم محاولات واشنطن الحثيثة لتصوير الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية والأسطول العسكري الأمريكي بأنها تقع ضمن نطاق “المادة الخامسة” من ميثاق “الناتو” التي تلزم جميع دول الحلف بالدفاع عن أي دولة أطلسية تتعرض للهجوم من دول أخرى، لكن في نهاية الأمر رفضت إحدى وثلاثون دولة في الحلف “الأطلسي” دعم العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكان شعار الدول الأطلسية الكبيرة مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا بأن “هذه الحرب ليست حربنا”، ولهذا تسببت الحرب على إيران في أضرار جسيمة للعلاقات بين ضفتي الأطلسي أكثر من أي قضية خلافية أخرى، بما في ذلك نسبة الإنفاق العسكري التي طلب فيها الرئيس ترامب من جميع دول “الأطلسي” إنفاق 5% من الناتج القومي، بينما دول مثل إسبانيا لم يتجاوز إنفاقها الدفاعي نسبة 2%، وكشفت التسريبات الأخيرة بأن وزارة الحرب الأمريكية تستعد لمعاقبة الدول التي رفضت الانخراط بجانب الولايات المتحدة في الحرب على إيران، في ظل حديث أمريكي أن البيت الأبيض قد يسعى لطرد بعض الدول من حلف “الناتو”، وهو ما دفع إسبانيا للتأكيد على أن الرئيس ترامب لا يملك سلطة طرد دولة من دول الأطلسي وفق ميثاق تأسيس الحلف في أبريل (نيسان) 1949.
ليس هذا فقط، فالعلاقات الأمريكية الأوروبية في أسوأ حالاتها بعد أن رفضت الدول الأوروبية تشكيل تحالف عسكري لحماية الملاحة في مضيق هرمز وقت الحرب، وأكدت فقط استعدادها للمشاركة في حفظ الأمن في مضيق هرمز بعد نهاية الحرب على إيران، بل وتسعى هذه الدول لتدشين مبادرات أمنية وعسكرية خاصة بها بعد أن تأكد لها تفكك التحالف الأمريكي الأوروبي الذي بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وازداد قوة بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق في ديسمبر (كانون الأول) 1991.
ولا تقتصر خسائر تحالف الولايات المتحدة على “حلف الأطلسي” والدول الأوروبية، بل امتد خط الخسائر إلى آسيا حيث الحلفاء التقليديين لواشنطن في اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، بعد أن رفضت كل هذه الدول الانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يقول عمليا إن الولايات المتحدة تخسر كل تحالفاتها التي استثمرت فيها تريليونات الدولارات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي تحالفات “الناتو” و”أوكوس” و”العيون الخمس” و”كواد الرباعي”، وهو الأمر الذي يؤكد أن واشنطن تخسر أبرز عناصر تفوقها الاستراتيجي، حيث كانت تلك التحالفات -طوال ثمانية عقود- بمثابة “الداعم الكامل، وبلا أي شروط لكل الأهداف والحروب الأمريكية في جميع أرجاء العالم”، وكل ذلك خلق “فجوة استراتيجية” بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين والآسيويين.
ثانياً – أرباح للمنافسين
بينما تستنزف الحرب القدرات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية، تقف الصين من بعيد لتراقب وتسجل الأخطاء الأمريكية السياسية والميدانية العسكرية، فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى تأجيل تسليم صواريخ “توماهوك” لليابان، وسحبت جميع الصواريخ الشبحية من آسيا إلى الشرق الأوسط لتكون بالقرب من إيران، ناهيك عن سحب منظومات دفاعية مثل “ثاد” و”باتريوت” من قواعد أمريكية آسيوية في اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين، وهو ما يؤكد تآكل “قدرات الردع” الأمريكية في آسيا، وخصوصا في المناطق القريبة من الصين، ونظرا لأن ملء المخزونات من جديد بالأسلحة والذخيرة سوف يستغرق سنوات، وهو ما يمنح الصين “فرصة ذهبية” لتقليل الفجوة التكنولوجية مع الأسلحة الأمريكية، وكشفت هذه الحرب نوعية الخطط والتكتيكات والاستراتيجيات العسكرية التي يعتمد عليها الجيش الأمريكي، وباتت مكشوفة للجيشين الصيني والروسي، ووفرت هذه الحرب فرصة جديدة للصين وروسيا لمعرفة حدود وأبعاد الأسلحة والذخيرة الأمريكية في ظروف قتال حقيقية، وهي معلومات وأسرار كان يستحيل على روسيا والصين الحصول عليها بسهولة عبر الأجهزة والأدوات الاستخباراتية.
ثالثاً – التحالف المطلق إلى الاستقلال الدفاعي
أدى فشل البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني إلى تفكير ياباني كوري جنوبي في الخيارات الأمنية بعيدا عن الولايات المتحدة، وبات هناك تيارات معروفة تناقش علنا ضرورة امتلاك أسلحة نووية لحماية نفسها من الصين وكوريا الشمالية في ظل “تجريف الموارد الاستراتيجية” الأمريكية من اليابان وكوريا الجنوبية ونقلها للشرق الأوسط، وهو ما يمنح الصين “من وجهة النظر اليابانية والكورية الجنوبية فرصة غير مسبوقة” لتعزيز نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وبالقرب من خليج ملقا، وكل هذا دفع حلفاء واشنطن في آسيا للتفكير في التحول من “التحالف المطلق” مع واشنطن إلى “الاستقلال الدفاعي”.
رابعاً – الأنانية الأمريكية
بات حلفاء الولايات المتحدة في كل دول العالم ينظرون للسياسة الأمريكية باعتبارها تنطلق من “مصالح أمريكية” ذاتية وأنانية، ودون الأخذ في الاعتبار مصالح شركائها وحلفائها في العالم انطلاقا من شعار “أمريكا أولا”، ففي آسيا التي تشتري غالبية النفط الخليجي، يعتبرون السياسات الأمريكية بالدخول في حروب دون تنسيق معهم أو مراعاة لمصالحهم ضربا لكل أواصر التعاون والشراكة الأمريكية مع آسيا، ولهذا بدأت الدول الآسيوية تبحث عن مسارات للتواصل المباشر أو عبر وسيط مع إيران لضمان وصول النفط والغاز لهم، وضمان خروج آلاف من أطقم السفن المحتجزين داخل الخليج العربي، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو عشرين ألف بحار من الهند وحدها.
خامساً – العزلة الدبلوماسية
لم يستطع الرئيس ترامب الذهاب إلى مجلس الأمن للحصول على قرار لإعلان الحرب على إيران، لأن موقفه معزول عن باقي أعضاء مجلس الأمن بما فيهم حلفاء واشنطن التقليديون “بريطانيا وفرنسا” الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، وعمليا مواقف الأوروبيين وعدد كبير جدا من دول مجلس الأمن والجمعية العامة في الأمم المتحدة أقرب للموقف الروسي الصيني الداعي لوقف الحرب وحل الخلافات بالطرق السياسية والدبلوماسية، وهو ما يجعل الولايات المتحدة “معزولة تماما”، وهذا أمر غير مسبوق في التاريخ المعاصر.
سادساً – القبة الدفاعية
يقوم التقدير الروسي والصيني على أن “القبة الدفاعية” التي دخلت بها الولايات المتحدة الحرب على إيران بها “عيوب استراتيجية”، خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المسيرات الانتحارية “الكاميكازي” والصواريخ الجوالة الإيرانية، وكان الاعتقاد السائد بأن المنظومة الدفاعية الأمريكية أكثر كفاءة من ذلك بكثير، ونظرا لأن روسيا والصين تمتلكان تقنيات أكثر تطورا، فقد ساعدتهما الحرب على فهم نقاط الضعف في “القبة الدفاعية” الأمريكية وتطوير أساليب لإغراقها في أي صراع مستقبلي.
سابعاً – الحرب غير المتماثلة
كانت الهيمنة الأمريكية قبل الحرب على إيران ترتكز على مفهوم يقول بتفوق الأسلحة الأمريكية على أي دولة مهما كانت قدراتها العسكرية، لكن سمعة الأسلحة الأمريكية تضررت كثيرا في إيران لأنها لم تستطع أن تحقق الأهداف السياسية التي أعلنها الرئيس ترامب بتدمير البرنامجين النووي والصاروخي، فالولايات المتحدة لا تزال تعمل على التفاوض على هذه الملفات، بما يعني أن حرب الاثني عشر يوما التي بدأت في 13 يونيو (حزيران) 2025، والحرب الحالية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، لم تحقق هذه الأهداف، وهو ما يقلل من هيبة الأسلحة الأمريكية التي بات عليها طلب غير مسبوق منذ الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.
ثامناً – أطماع مستمرة
منذ نهاية الحرب على الإرهاب حاولت الولايات المتحدة أن تقنع الآخرين في العالم بعدم وجود أي أطماع لها في العالم، وأنها سوف تركز فقط على نصف الكرة الغربي، لكن ما يجري في إيران دفع الجميع للتأكيد على أطماع واشنطن في البترول والنفط الإيراني بعد أن استحوذت على النفط الفنزويلي، وأن سيطرتها على النفط الإيراني سوف يفتح الباب لمزيد من الاستحواذات الأمريكية على النفط والغاز في العالم، وكل هذا خلق رأيا عاما مناهضا لاستمرار الحرب في إيران، ورسم صورة للولايات المتحدة لا تختلف عن دول الاستعمار القديم التي كانت طامعة في ثروات الدول الإفريقية والآسيوية.
تاسعاً – قيادة متهورة
على مدار ثمانين عاما كان هناك ثقة في العالم الغربي في قيادة الولايات المتحدة للغرب، لكن الدخول في حرب على إيران دون أهداف واضحة، ودون إبلاغ الأوروبيين، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم في أوروبا لمستويات قياسية، بات الأوروبيون لا يثقون في “القيادة الأمريكية” ويعتبرون قراراتها متهورة، وهناك تخوف في أوروبا أن يؤدي نقص وقود الطائرات وارتفاع أسعار الغاز ليس فقط إلى ارتفاع التضخم، بل إلى توقف المصانع وارتفاع أسعار البضائع الأوروبية مقارنة بالبضائع الأمريكية والصينية، وهو ما يمكن أن يقود إلى ركود اقتصادي في أوروبا، وكل هذه دفعت الحكومات والأحزاب بل والشعوب الأوروبية للنظر بسلبية شديدة تجاه القيادة الأمريكية للعالم الغربي، ومن الصعب استعادة هذه الثقة حتى لو انتهت الحرب غدا، لأن الآثار السلبية للحرب سوف تستمر لفترة طويلة، ونتيجة لانعدام الثقة بدأ الأوروبيون يبحثون عن خيارات خاصة بهم، سواء في المبادرات الدفاعية مثل “سكاي شيلد” أو نشر طائرات فرنسية تستطيع أن تحمل قنابل نووية بعيدا عن الأراضي الفرنسية.
عاشراً – صورة نمطية سلبية
قيام الولايات المتحدة مع إسرائيل بتوجيه الضربة الأولى لإيران دفع الكثيرين، بما فيهم حلفاء الولايات المتحدة، إلى اعتبار الحرب على إيران “غير قانونية وغير أخلاقية”، في ذات الوقت قدمت الصين نفسها كـ “عامل استقرار” في العالم مقابل عدم الاستقرار الناتج عن السلوك الأمريكي، وهذا سوف يفسح المجال للصين لتعزيز حضورها في شرق وجنوب شرق آسيا، ويعزز من قوتها في الممرات المائية في منطقة “الإندو-باسيفك” وخليج ملقا، ومن خلال إغلاق مضيق هرمز لفتت الولايات المتحدة أنظار الصين للبحث عن ممرات تجارية برية بعيدة عن مضيق هرمز، وهو ما يقول إن الصين حققت نصرا دون أن تدخل حربا، في مسارات سياسية واقتصادية وجيوسياسية على الولايات المتحدة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-29 20:34:00
الكاتب: أيمن سمير
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-29 20:34:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
