حرب المليار يوميا.. كيف تحولت إيران إلى فخ مكلف لواشنطن؟


مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران اليوم الأول من شهرها الثالث، الأربعاء 29 أبريل (نيسان) 2026، تجاوزت تكلفتها بالنسبة للجاني الأمريكي وحده، وفق تقديرات مفتوحة المصدر مثل ما يقدمه لنا موقع (Iran War Cost Tracker)، أكثر من 65 مليار دولار، وبذلك تكون قد كسرت حاجز المليار يوميا.
هذا الرقم، وحتى مع التحفظ على كونه تقديرا غير رسمي، إلا أنه تقره وتتناقله حتى مواقع مقربة من صنع القرار الأمريكي، وهو يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران بهدف إخضاعها وتغيير نظامها وتفكيك وحدة أراضيها لتلبي السيناريو الذي كان يدور في خيال نتنياهو المريض، ولا يزال، باتت تكلف خزينة الدولة الأمريكية تكلفة مباشرة مرتفعة يوما بعد آخر، خاصة مع عدم امتلاك القيادة الأمريكية، حتى لحظة كتابة هذه السطور، رؤية واضحة لكيفية حسمها أو إنهائها أو حتى الخروج منها بشكل يحفظ ماء الوجه.
كنت قد قدمت في منشور كتبته في اليوم السابع للحرب ضد إيران، نقلا عن مصادر موثوقة، أن الأيام الستة الأولى من الحرب كلفت واشنطن 11.3 مليار دولار، وبذلك يبدو رقم الـ 65 مليار رقما مقبولا ومنطقيا للتكلفة خلال شهرين من الحرب، بل لأكون أكثر دقة، للأربعين يوما الأولى من الحرب، فمنذ عشرين يوما هناك هدنة سارية مددها ترامب طوعيا دون أن يطلب منه الإيرانيون ذلك، لا تنفق الولايات المتحدة خلالها، أي فترة الهدنة، ذخائر أو أسلحة أو وقودا للمجهود الحربي، إلخ.
ونحن بذلك نتحدث هنا عن الكلفة المباشرة، أي قيمة الأسلحة والذخائر وطلعات الطيران الحربي وتحريك القطع البحرية، إلخ.. ولا نتحدث عن الخسائر البشرية أو الكلفة الداخلية من ارتفاع أسعار المحروقات، وبالتالي أسعار السلع والخدمات بالنسبة للمستهلك الأمريكي.
والسؤال المنطقي بعد هذا التقديم الذي افتتحت به المقال لا يكون: كم تنفق واشنطن على حرب ليست حربها؟ ولكن: ماذا تشتري واشنطن بهذا الإنفاق؟
ونحن في هذا الصدد نجد أنفسنا، احتراما للموضوعية، مضطرين للنظر إلى هذه الحرب وما آلت إليه من زاوية مختلفة، فبلا شك لم تحقق واشنطن أهدافها العسكرية من الحرب، وهنا نتساءل: لماذا إذن يستمر الإنفاق؟
والجواب على هذا السؤال، والذي سبقه، من وجهة نظري الشخصية طبعا، هو: يدفع ترامب كل هذه الأموال من خزينة الولايات المتحدة من أجل منع الاعتراف بأن هذه الحرب لم تحقق شيئا من أهدافها.
وهنا مربط الفرس، وهذه هي النقطة الأهم، فترامب جر الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في الحرب بمنطق الضغط السريع، منخدعا بما أقنعه به نتنياهو ورئيس الموساد وبيت هيغست وماركو روبيو، فكان يعتقد أن القوات الأمريكية سوف تشن ضربات جوية مكثفة، وتتبعها بحصار على إيران، ثم عبر لغة التهديد والتخويف تتفاوض مع من سوف يتبقى في السلطة الإيرانية من موقع قوة.
غير أن ما تكشفه الأرقام التي نتحدث عنها في هذا المقال هو أن الحرب الأمريكية على إيران لا يمكن وصفها بالعملية محدودة التكلفة كما حاول ترامب إقناع الأمريكيين بذلك لحظة إطلاقه لها وهو يرتدي كاب “أمريكا العظيمة”.
لقد تحولت إيران إلى استنزاف يومي لأمريكا.
وحتى لا يظن أحد أننا نستند إلى معلومات مصدر مجهول أو موقع مغرض، نقول إن الموقع الذي ننقل عنه (Iran War Cost Tracker) هو بوابة إلكترونية تتبع الكلفة اليومية للحرب بناء على التقديرات الأولية التي تنقلها إحاطات البنتاغون أمام الكونغرس.
والمهم في هذا السياق، حتى لو افترضنا أن منهجية الحساب مبالغ فيها، أنها بلا شك تعكس حقيقة سياسية واضحة وعميقة، وهي أن استمرار الحرب ليس مجانيا ولا رمزيا، بل كبيرا ومؤلما، وإن كان ترامب يخرج يوميا ليسخر من إيران ونخبتها السياسية التي تعاني، حسب كلامه، تخبطا وانقساما، فإن الكلفة المالية له ولدولته تبدو أكثر إيلاما مقارنة بما حققه من الحرب، أو بالقياس على ما لم يحققه لأكون أدق في التعبير.
وبالتالي نحن أمام مفارقة، فترامب وإدارته يتحدثان عن الحسم والتفوق، ولكنه هو نفسه من يمدد الهدن دون أن نسمع من الإيرانيين أنهم طالبوا أو يطالبون بذلك. وكل لبيب بالإشارة يفهم، فما بالك لو كان ذلك يحدث أمام أعيننا بالصوت والصورة.
ترامب وهيغست يتحدثان عن السيطرة، لكنهما مضطران للإبقاء على الحصار الخارجي. ويتحدثان لعشرات المرات عن تدمير القدرات الإيرانية، ثم تظهر تقييمات وتقديرات الاستخبارات التابعة لهما والمرؤوسة منهما وتقول بوضوح لا لبس فيه إن إيران وحرسها الثوري ما زالا قادرين على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وإلحاق الضرر بمصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة.
لذلك فإننا عندما نتحدث عن الكلفة المالية في هذا السياق لا يكون هدفنا الإشارة إلى أرقام أو حسابات، وإنما ما نبغي قوله هو أن هذا الرقم مؤشر صارخ في وجوهنا على فشل تحويل القوة العسكرية الغاشمة إلى نتيجة سياسية واضحة ومفيدة.
إن رقم 65 مليار دولار، بالنسبة لي، هو دليل إضافي وليس وحيدا على أن ترامب وواشنطن عالقان في حرب لا يستطيعان حسمها، وليس في يده الآن الخروج منها بسهولة.. لذلك نراه يناور ويكذب علنا ويستهين ويهين خصمه في الإعلام.. بينما هو من يمدد الهدن دون إطار أو حدود زمنية واضحة ومحددة.
وكل يوم إضافي من عمر الحرب يعني سفنا أكثر للحصار، وحماية أكثر، وتورطا أوسع في منطقة لا تضمن فيها الولايات المتحدة النتائج. والأهم، في رأيي، أن هذا أيضا معناه أموالا أكثر، وهذا أكثر ما يؤلمه ويجن جنونه، فهو عبد مخلص تماما للمال.
والأكثر أهمية أن هذا النزيف المالي يتزامن مع أزمات ثلاث متوازية، وأقصد بها أزمة مضيق هرمز، حيث لم تنجح واشنطن حتى الآن في ضمان مرور طبيعي عبره، ولم تنجح طهران هي الأخرى في فرض سيطرتها الكاملة بإغلاقه تماما.
والأزمة الثانية هي أزمة الداخل الأمريكي، حيث تتحول أسعار الوقود والمحروقات والأسواق والإنفاق العسكري إلى عوامل ضغط سياسي مباشر، خصوصا على الحزب الجمهوري الذي يمثله ترامب، فضلا عن الانقلابات التي تحدث في صفوف حركة ماغا، وأقصد هنا شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون ومارغريت تايلور غرين.
والأزمة الثالثة في المعسكر الغربي نفسه، فنرى كيف بدأت أوروبا نفسها تقرأ الحرب بوصفها عبئا أمريكيا لا تريد التورط فيه، ولنا في تجرؤ المستشار الألماني فريدريك ميرتس وتصريحاته، أو للدقة انتقاداته اللاذعة لترامب والحرب مؤخرا، خير شاهد ودليل.
وفي هذا السياق لا يبدو رقم 65 مليار دولار مقابل شهرين من الحرب مجرد تكلفة لها، وإنما هو ثمن ارتباك القرار الأمريكي.
لأن أدبيات العلوم العسكرية تخبرنا أن الحرب التي لا تنتج حسما تتحول بسرعة إلى اختبار لصلابة الدولة التي تخوضها. والولايات المتحدة، نعم وبلا جدال، تملك المال وتملك القوة، لكنها تواجه مشكلة مختلفة.. تواجه، ممثلة في شخص كترامب، مشكلة القدرة على إقناع الداخل وكذلك الحلفاء بأن هذا الإنفاق يقود إلى نتيجة.
لكن مؤشرات تأييد ترامب التي انخفضت إلى أقل من 37%، وكلام ميرتس الذي أشرت إليه، فضلا عن المواقف المستجدة يوميا من حلفاء أمريكا الآخرين، كلها تقول لنا إن أحدا لا يقتنع ولا يصدق رئيس أمريكا المغرور.
إن ترامب وواشنطن الآن في موقف لا يُحسدان عليه، فإذا قرر مواصلة التصعيد، سوف ترتفع الكلفة المالية والسياسية، وليس لديه لا مؤشر ولا دليل أن ذلك سوف يأتي له بنتيجة إيجابية فيما يسعى لتحقيقه. وإذا قبل بتسوية جزئية أو على الطريقة الإيرانية المعروضة حاليا، فسوف يقال إنه دفع عشرات المليارات وانتهى إلى القبول بمقترح خامنئي الابن والحرس الثوري المرحلي.
وإذا بقي في منتصف الطريق، فسوف يستمر العداد في الحساب، وتستمر الكلفة في الارتفاع دون حسم.
وهذه هي الفولة، وهنا جوهر الحقيقة، لقد تحولت حرب ترامب ونتنياهو من أداة ضغط على إيران إلى عبء مستمر ومتزايد على الولايات المتحدة نفسها.
يكشف رقم 65 مليار دولار لكلفة شهرين من حرب غير مدروسة وغير مبررة في توقيتها عن لحظة الحقيقة وجوهرها. لا تدفع واشنطن، ومن ورائها الشعب الأمريكي بالطبع، ثمن عمليات شنت ولا تزال معلقة لتعود بين لحظة وأخرى.
وإنما يدفع الشعب الأمريكي ثمن غياب استراتيجية خروج واضحة من مستنقع حرب جر رئيسه، الذي انتخبه إيمانا بشعاراته بأن لا حروب أمريكية بعد الآن، فكانت حربا أسوأ من سابقاتها، وسيكون ضررها على مكانة وسمعة الولايات المتحدة أكبر مما خلفته حروب فيتنام وأفغانستان والعراق.
في الحروب الكبرى لا يكون الخطر في حجم ما يُنفق وحده، وإنما في أن تنفق أكثر يوما بعد يوم، ليس من أجل نصر منشود، ولكن كي تؤجل الاعتراف بأنك لم تعد تعرف كيف تنهي ما بدأت.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-04-29 17:08:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-04-29 17:08:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
