موقع الدفاع العربي – 29 أبريل 2026: في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد الطائرات المسيّرة الانتحارية وهي تضرب أهدافًا داخل العمق المعادي مشهدًا شبه يومي، خاصة مع الاستخدام المكثف للمسيّرة “شاهد 136” في الحرب الأوكرانية. هذه المسيّرة، التي تبنّتها روسيا وطوّرت منها نسخًا مثل Geran-2، لم تكتسب شهرتها بسبب تعقيدها التكنولوجي، بل على العكس، بسبب بساطتها وتكلفتها المنخفضة وقدرتها على إرباك أنظمة الدفاع الجوي عبر الهجمات الكثيفة. هذا التحول في طبيعة الاستخدام العسكري للمسيّرات أعاد تعريف مفهوم القوة الجوية، وفتح الباب أمام دول عديدة لتبني نفس الفلسفة، ومن بينها مصر.
في هذا السياق، جاء الكشف عن عائلة “جبار” من الطائرات المسيّرة خلال معرض إيديكس 2025، ضمن برنامج أوسع تقوده شركة “تورنيكس Tornex” لتطوير منظومات الطائرات بدون طيار والذخائر المتسكعة. هذا البرنامج لا يقتصر على نموذج واحد، بل يمثل توجهًا استراتيجيًا نحو بناء منظومة متكاملة تشمل الطائرات الهجومية والاستطلاعية، وأنظمة التوجيه الذكية، وحتى المروحيات بدون طيار، بما يعكس انتقالًا واضحًا من الاستيراد إلى التصنيع المحلي.
هذه العائلة تشمل نسخًا متعددة مثل جبار 150 و200 و250، تختلف في المدى والحمولة والقدرات التشغيلية، لكنها تنتمي إلى نفس الفلسفة العامة المعتمدة على الطائرات الانتحارية أو أحادية الاتجاه.
المسيّرة “جبار 150” تُعد النموذج الأبرز ضمن هذه العائلة، وهي في جوهرها تعكس نفس الفلسفة التي قامت عليها شاهد 136، أي الاعتماد على مكونات بسيطة ومتاحة تجاريًا لإنتاج سلاح منخفض التكلفة يمكن تصنيعه بأعداد كبيرة. ورغم التشابه في الشكل والمفهوم، فإن النسخة المصرية تركز بشكل أكبر على المكوّن المحلي، في إطار سياسة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاستقلالية الصناعية. هذه المسيّرة تحمل رأسًا حربيًا يقترب من 50 كغ، وتتمتع بمدى يتجاوز ألف كيلومتر، مع قدرة على التحليق لساعات، ما يجعلها أداة مناسبة للضربات التكتيكية متوسطة المدى.
وتشير المقارنات التقنية الأولية إلى وجود تشابه واضح بين هذه المنظومة المصرية وبين المسيّرات الإيرانية “شاهد 136”، التي اكتسبت شهرتها العالمية خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تم تطويرها لاحقًا في روسيا إلى نسخ أكثر تقدمًا مثل “جيرانيوم-2” وغيرها، والتي أصبحت بدورها عنصرًا مؤثرًا في استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية وإرباكها. هذا التطور لم يأتِ من فراغ، إذ تعود جذور هذا النوع من المسيّرات إلى نماذج قديمة طورتها عدة دول، من بينها ألمانيا وإسرائيل وروسيا والصين، قبل أن يتم تبنيها وتطويرها في إيران عبر هندسة عكسية انتهت إلى إنتاج “شاهد 136” بصيغتها المعروفة.
اكتسبت هذه المسيّرة الإيرانية أهميتها من كونها منخفضة التكلفة مقارنة بفعاليتها، حيث تُقدّر كلفة إنتاجها بحوالي عشرين ألف دولار فقط، مقابل قدرة على الوصول إلى مدى قد يتجاوز ألفي كيلومتر، وحمل رأس حربي قادر على إحداث أضرار كبيرة. كما أن استخدامها في هجمات كثيفة العدد جعلها وسيلة فعالة في إغراق أنظمة الدفاع الجوي، خصوصًا عندما تُستخدم ضمن موجات متزامنة مع صواريخ أخرى، ما يربك منظومات الاعتراض المكلفة ويستنزف مخزونها الصاروخي بسرعة.
في هذا السياق، يأتي برنامج “جبار” المصري كجزء من توجه أوسع نحو بناء منظومة متكاملة للطائرات بدون طيار، أعلنت عنه شركة “تورنيكس” المصرية، ويشمل مجموعة من المسيّرات الهجومية والاستطلاعية والذخائر المتسكعة وأنظمة التوجيه الذكي، ضمن رؤية تتماشى مع التحولات العالمية في الحروب الحديثة. ويبدو أن هذا البرنامج لا يقتصر على نموذج واحد، بل يضم عائلة كاملة من الأنظمة التي تهدف إلى تغطية مختلف أنماط العمليات الجوية غير المأهولة.
من بين هذه النماذج، تظهر “جبار 150” باعتبارها النسخة الأخف، وهي مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه مزودة برأس حربي يتراوح وزنه بين 40 و50 كيلوجرامًا، ويصل مداها إلى أكثر من ألف كيلومتر، مع سرعة تقارب 150 كيلومترًا في الساعة وقدرة تحليق تصل إلى حوالي عشر ساعات. وتعتمد هذه المنظومة على مكونات متاحة تجاريًا وتقنيات توجيه بسيطة نسبيًا، ما يسمح بإنتاجها بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة، وهو نفس المفهوم الذي اعتمدته التجربة الإيرانية في “شاهد 136”.
أما “جبار 200” فهي نسخة أكثر تطورًا، تمتلك زمن تحليق أطول يصل إلى نحو 14 ساعة، وقدرة على حمل رؤوس حربية أثقل تصل إلى 200 كيلوجرام، مع مدى تشغيلي أكبر، ما يجعلها مناسبة للعمليات الأعمق وضرب أهداف ذات قيمة أعلى، خصوصًا في بيئات تتطلب قدرة أكبر على الاختراق والتأثير.
في المقابل، تمثل “جبار 250” نقلة نوعية في هذا البرنامج، حيث تدخل ضمن فئة المسيّرات بعيدة المدى، بقدرة وصول قد تصل إلى 1500 كيلومتر، وسرعة أعلى تتجاوز 500 كيلومتر في الساعة، مع تصميم أقرب إلى الطابع الشبحي لتقليل فرص الرصد. هذا النوع يفتح المجال أمام مفهوم الضربات العميقة، وهو ما يعكس انتقالًا في التفكير العسكري نحو امتلاك قدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى دون الحاجة إلى طائرات مأهولة.
وبالتوازي مع هذه المنظومة، يشمل البرنامج المصري أيضًا ذخائر متسكعة مثل “فولتكس 5” (VOLTEX-5) و”فولتكس 10” (VOLTEX-10)، والتي تعمل وفق مبدأ التحليق فوق منطقة الهدف لفترة زمنية قبل تنفيذ الهجوم، مع قدرات تتبع ذاتي ومناورة متقدمة، إضافة إلى نماذج تعتمد على تقنيات الألياف الضوئية لمقاومة التشويش الإلكتروني، وهو ما يعكس تأثيرًا واضحًا لتجارب الحرب في أوكرانيا على هذا النوع من التسليح.
كما يضم البرنامج طائرات استطلاع بدون طيار، ومروحيات لوجستية غير مأهولة، وطائرات هدفية تُستخدم لاختبار الدفاعات الجوية، إلى جانب أنظمة لتحويل القنابل التقليدية إلى ذخائر دقيقة التوجيه، في خطوة تعكس توجهًا نحو رفع دقة المخزون العسكري التقليدي بدل استبداله بالكامل.
ويشير هذا التوجه العام إلى أن مصر تتحرك نحو بناء منظومة متكاملة للحرب الجوية غير المأهولة، تجمع بين الاستطلاع والهجوم والإمداد والذخائر الذكية، مع اعتماد متزايد على التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، في إطار رؤية تتماشى مع التحولات العالمية نحو الحروب منخفضة التكلفة وعالية الكثافة.
وبينما يظل الجدل قائمًا حول مدى قرب “جبار” من “شاهد” من حيث التصميم والفلسفة، إلا أن المؤكد أن الاتجاه العام يعكس انتقالًا واضحًا نحو تبني نموذج المسيّرات كأداة مركزية في الحروب الحديثة، قائم على الإغراق العددي، والتكلفة المنخفضة، والقدرة على استنزاف الدفاعات الجوية وإرباكها، وهو ما بات يشكل أحد أهم التحولات في العقيدة العسكرية خلال السنوات الأخيرة.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-04-29 11:58:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-04-29 11:58:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
