يحتفل الشعب الروسي يوم 9 مايو من كل عام بالعيد المدني الأكثر قدسية بالنسبة لكل طوائفه وأعراقه وأجناسه، وهو يوم النصر على النازية في الحرب التي اصطلح الروس والأوكران وشعوب آسيا الوسطى، أي شعوب الاتحاد السوفيتي السابق، على وسمها بالحرب الوطنية العظمى، والمقصود بها في العرف الدولي بالطبع الحرب العالمية الثانية.
تحل هذا العام ذكراها الحادية والثمانون، وذلك عندما نجح الجيش الأحمر في القضاء التام على جيوش هتلر والسيطرة على برلين بعد حرب من أكثر حروب التاريخ البشري المسجل دموية.
ومع اقتراب احتفال روسيا بهذه الذكرى، يتزامن حدثان يبدوان في الظاهر منفصلين، لكنهما في الواقع يكشفان لنا عن جانب مهم من طريقة الكرملين في إدارة الحرب المستمرة لأكثر من أربع سنوات الآن في أوكرانيا، وإدارة الرمزية التاريخية معها.
وأقصد بالحدثين: الأول هو الاتصال الهام الذي جمع بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب مساء أمس الأربعاء 29 أبريل (نيسان) 2026، واستمر لساعة ونصف، ووصفه مستشار الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف بالحديث التفصيلي والعملي، والذي تضمن من بين ما تضمن اقتراح موسكو واستعدادها لإعلان هدنة خلال 9 مايو.
والثاني هو إعلان وزارة الدفاع الروسية رسمياً يوم أمس الأربعاء 29 أبريل (نيسان) 2026 أيضاً أن عرض النصر في الساحة الحمراء سيجري هذا العام من دون مشاركة أرتال المعدات العسكرية الثقيلة، وكذلك من دون مشاركة طلاب المعاهد العسكرية مثل سوفوروف وناخيموف والكاديت، لكن مع الإبقاء على مشاركة وحدات مشاة من مختلف تشكيلات القوات المسلحة الروسية، وأيضاً على الجزء الجوي من الاستعراض.
الدفاع الروسية بررت هذا القرار في بيانها الرسمي باعتبارات الوضع العملياتي الراهن، وعطفاً على هذا البيان قدم المتحدث الرئاسي دميتري بيسكوف تعليقاً، أو لنسمه توضيحاً وتفسيراً لهذا القرار، بأنه مرتبط بضرورة تقليل المخاطر في ظل استمرار ما وصفه بالتهديد الإرهابي والهجمات الأوكرانية.
لا يمكن اعتبار عرض 9 مايو في موسكو وفي قلب الساحة الحمراء تحت أسوار الكرملين احتفالاً عسكرياً تقليدياً، فقد أصبح هذا العرض طوال الفترة الزمنية الممتدة من عام 1945 وحتى يوم الناس هذا جزءاً أصيلاً من بنية رمزية متجذرة العمق في بنية الدولة السوفيتية، ومن وراءها وريثتها الشرعية الدولة الروسية الحديثة التي أقيمت عام 1991 على أطلال الاتحاد الذي تفكك، ولكن ذكراه لم تنهَر ولا تزال حية باقية في وجدان وعقول الكثيرين من شعوب هذه المنطقة، وليس فقط.
ومنذ استئناف العروض العسكرية المنتظمة بالمعدات الثقيلة بموجب قرار من بوتين نفسه عام 2008، صار هذا العرض مناسبة تتحدث روسيا من خلالها عن استعادة العافية بعد برهة من القهر والتراجع والضعف، فتحول إلى مناسبة لإظهار القوة المستعادة وتأكيد الذاكرة التاريخية المخلدة وربط شرعية الدولة المعاصرة بإرث الانتصار السوفيتي في الحرب الوطنية العظمى.
ومن هنا السؤال: لماذا إلغاء مرور الدبابات والمنظومات الثقيلة التي ما فتئت تتباهى بها نخبة روسيا المعاصرة؟ وهل الأمر مرتبط بتعديلات تقنية فقط، أم وراء ذلك تتخفى رسالة سياسية، وإن كانت غير مباشرة؟
التفسير الرسمي الذي ذكرته أعلاه، والذي جاء على لسان بيسكوف وفي بيان وزارة الدفاع، هو الوضع العملياتي والتهديدات الأمنية، لكن الناس في الداخل والمراقبون في الخارج يتساءلون: فهذه هي المرة الأولى منذ نحو عقدين من الزمن تقريباً في ظل حكم بوتين القوي التي لا تظهر فيها المعدات العسكرية والآليات الثقيلة في العرض المركزي بقلب العاصمة.
بالطبع السبب المعلن مفهوم، ويبدو منطقياً لكل مراقب موضوعي من الداخل خصوصاً، بل وحتى من الخارج، فروسيا تتعرض منذ أشهر لهجمات متزايدة بالطائرات المسيرة التي باتت عنصراً بالغ الخطورة، بل لا أبالغ، وأنا لست خبيراً عسكرياً طبعاً، إن وصفتها، أي المسيرات، بالمتغير الحاسم في الحروب الحديثة، ولنا فيما فعلته وتفعله مسيرات إيران في حربها الجارية مع أمريكا، القوة العسكرية الأكبر في التاريخ، خير مثال.
هجمات المسيرات الأوكرانية لم تعد تقتصر على المناطق الحدودية، بل امتدت لتصل بكثافة إلى العمق الروسي، وإن كانت في المراحل السابقة عادة تتسبب في ضغط نفسي على السكان وتخلف آثاراً ودماراً بسيطاً، فقط أصبحت الآن تضرب منشآت الطاقة والموانئ ومناطق داخل العمق الروسي، مخلفة آثاراً ودماراً أكبر بكثير.
ففي الأيام الأخيرة وحدها كان هجوم توابسيه، وهو الميناء البحري الذي يضم ترمنالات وبنية تحتية نفطية مهمة، حاضراً في تصريحات بوتين في لقاءاته الأمنية الرسمية، وكذلك في تصريحات بيسكوف بوصفه مثالاً على استهداف أوكراني للبنية التحتية المدنية والطاقوية، كما تحدثت موسكو عن تكثيف العمل لمنع الهجمات على الأراضي الروسية.
وفي هكذا سياق، تصبح الساحة الحمراء بلا شك هدفاً رمزياً شديد الحساسية، خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار أن المسيرات الأوكرانية سبق ووصلت إلى قبة الكرملين نفسه، ولذلك فإن تحريك أرتال عسكرية ثقيلة إليها أو منها أو حولها يتطلب تحضيرات طويلة وعمليات تأمين مكثفة ومناطق تجمع مفتوحة ومسارات انتقال يمكن أن ترفع درجة المخاطر داخل العاصمة ذات الكثافة السكانية العالية.
ولذلك، فإن البعد الأمني ليس ذريعة، لكنه بالفعل سبب وجيه، والأهم فعلي وواقعي. ومع ذلك، اختزال هذا القرار فيه وحده يظلم الصورة الكلية.
ما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن موسكو تعيد ترتيب الأوراق في المرحلة الراهنة، أو لنقل تعيد ترتيب إدارة العلاقة بين ميدان الاستعراض وميادين القتال الفعلي. بمعنى أن المعدات الثقيلة التي كان ظهورها سابقاً يشكل جزءاً من الخطاب البصري للقوة قد أصبحت الآن جزءاً من حرب طويلة دخلت عامها الخامس، وتحتاج إلى جاهزية واحتياط وحسابات وإجراءات لوجستية.
وحتى لو افترضنا أن السبب الفعلي ليس نقصاً مباشراً في المعدات، فإن نقلها إلى العرض وتأمينها واستعراضها أمام كاميرات العالم في لحظة حرب مفتوحة، لم يعد في مقدور أي خبير، بل وحتى متنبئ، أن يخبرنا متى تحين نهايتها، وهو ما يحمل كلفة سياسية وأمنية لا يريد الكرملين، فيما يبدو، تحملها الآن.
وبذلك تصبح الرسالة الضمنية، من وجهة نظري الخاصة طبعاً، واضحة، وتنص على أن: السلاح مكانه الطبيعي الآن في الجبهة أو في منظومة وعنابر الجاهزية، لا في الاستعراضات العسكرية، التي وقتها هو زمن السلم بعد تحقيق النصر.
ومع ذلك، أعتقد أن هذا القرار لا يعني أن موسكو أو الكرملين يريدان عرضاً باهتاً، بل على العكس، يحاول بوتين تغيير شكل الرسالة، لكنه لا يسعى بحال إلى إلغائها، وهو من كان مؤلفها وأكثر من يفهم معناها وأهميتها.
ووزارة الدفاع نفسها أعلنت أن العرض سيبرز عمل فروع القوات المسلحة العاملة في منطقة “العملية العسكرية الخاصة”، وكذلك عمل القوات المناوبة في مراكز قيادة الصواريخ الاستراتيجية والقوات الجوية الفضائية والسفن، مع جزء للقوات الجوية تشارك فيه مجموعات الاستعراض، وفي الختام طائرات “سو-25” ترسم ألوان العلم الروسي في السماء.
ومعنى هذا الكلام أن الدولة لا تتخلى عن رمزية القوة، لكنها تنقلها من الدبابات التي تمر فوق حجارة الساحة الحمراء إلى صورة القوة العاملة الآن على الجبهات ومراكز القيادة وفي السماء.
وهنا أعود للحدث الأول من الحدثين اللذين انطلقت منهما في كتابة هذا المقال، وهو عرض بوتين بتبني هدنة بمناسبة 9 مايو، فما تناولته في الفقرة السابقة يرتبط مباشرة، في وجهة نظري، بمقترح الهدنة المذكورة. حين يقول بوتين لترامب إنه مستعد لهدنة خلال عيد النصر، وهذا الكلام اقتبسه حرفياً من تصريحات أوشاكوف (والعهدة على الراوي)، فهو بالطبع لا يقدم فقط مبادرة إنسانية.
بوتين، بهذا المقترح الذكي، يضع كييف مجدداً أمام اختبار رمزي، بعد تبنيه هدنة عيد الفصح، فيوم النصر هو أهم يوم في الذاكرة السياسية ليس فقط الروسية، بل وكذلك في ذاكرة غالبية الشعب الأوكراني وشعوب الدول المجاورة لروسيا ولأوكرانيا، والتي ضحت بدم غزير من أجل تحقيق هذا النصر.
إذا قبلت أوكرانيا المقترح، تحصل موسكو على احتفال أكثر أماناً، ومشهد دولي يقول إن روسيا قادرة على فرض التهدئة وإيقاعها في مناسبات متتالية. أما إذا رفض زيلينسكي ذلك، فتستطيع موسكو القول إن كييف لا تحترم حتى اللحظة التاريخية التي تعرف روسيا المعاصرة نفسها من خلالها، وأن سلطات أوكرانيا الحالية تفضل التصعيد والهجمات على المدنيين.
وبهذا الشكل تصبح الهدنة والعرض العسكري مسارين مرتبطين، وكلاهما جزء من إدارة سياسة واحدة ليوم 9 مايو، وأقصد بها سياسة تقليل المخاطر وتحميل الطرف الآخر، أي كييف وزيلينسكي، عبء الرفض، وحماية الرمز دون الظهور بمظهر الانكماش.
زيلينسكي لم يرفض المبادرة، لكنه قال إنه أوعز بالتواصل مع فريق ترامب لمعرفة التفاصيل. هذا الكلام مهم، لأنه يعني أن كييف تدرك الفخ السياسي في الرفض المباشر.
فرفض الهدنة يمنح موسكو مادة دعائية، والقبول بها قد يمنح موسكو هدوءاً رمزياً في يوم النصر. لذلك اختار زيلينسكي المنطقة الرمادية بطلب المزيد من التفاصيل. هذا الأسلوب نفسه ظهر في ملفات أخرى، منها ما قاله زيلينسكي عن أن الحلفاء طلبوا عدم ضرب منشآت النفط الروسية بسبب أزمة الشرق الأوسط، وأن كييف رفضت ذلك.
وإذا ترجمنا هذا الكلام إلى لغة السياسة المفهومة، فسنجد معناه هو أن كييف هي الأخرى تريد الاحتفاظ بحق الضغط على العمق الروسي، لكنها لا تريد أن تبدو وكأنها تعاند واشنطن.
وبالعودة إلى قرار عدم استخدام المعدات الثقيلة في العرض، وكيفية تعامل الصحف الروسية الكبرى معه، فقد وجدتها في معظمها تميل إلى التعامل مع القرار بقدر من الواقعية، فبعضها يقبل الصيغة الرسمية المختصرة، بأن لا معدات بسبب الوضع العملياتي، والبعض الآخر اختار التركيز على تفسير بيسكوف للقرار بأنه مرتبط بتقليل المخاطر في ظل التهديدات الإرهابية.
أما الصحافة الغربية، فانتهزت الفرصة لتقول إن غياب المعدات الثقيلة يكشف حجم التهديد الذي تمثله المسيرات الأوكرانية على الداخل الروسي، بل وذهبت أبعد من ذلك لتفسير القرار بحرص موسكو على عدم تعريض صورتها لصدمة رمزية إذا وقع حادث خلال العرض.
وفي رأيي تقع الحقيقة في المنتصف بين القراءتين، أي قراءة الصحف الروسية وغريمتها الغربية، بمعنى أن هذا القرار هو قرار أمني بالفعل، لكنه سياسي في أثره.
قرار الدفاع الروسية له أيضاً بعد داخلي لا يمكن تجاهله، وهو عدم مشاركة طلاب مدارس سوفوروف وناخيموف والكاديت، فهؤلاء الطلاب العسكريون يمثلون تقليدياً صورة الجيل القادم في المؤسسة العسكرية الروسية.
بالطبع يبدو تبرير استبعادهم هذا العام بسبب الوضع العملياتي، كما قالت الدفاع، لضرورة تقليل عدد الفئات الأقل ضرورة من زاوية أمنية، تبريراً منطقياً، لكنه يقول أيضاً إن الدولة لا تريد أن تربط الأطفال والطلاب مباشرة بمشهد يمكن أن يكون عالي المخاطر.
وهنا أعتقد أن الكرملين يريد عرضاً أكثر احترافية وأقل ازدحاماً، فضلاً عن كونه أكثر قابلية للتنظيم والإدارة، وفي الوقت نفسه لا يمكن اعتبار ذلك بحال تراجعاً عن التعبئة الرمزية، وإنما المسألة هي مسألة ضبط لها.
وفي ذات السياق، يفتح ربط هذه القرارات باتصال بوتين مع ترامب مساء أمس الأربعاء 29 أبريل (نيسان) الجاري باباً أوسع لتفسيرها أو تفسير ما تخفيه، بمعنى أنه إذا صحت الرواية الروسية عن أن ترامب رحب بفكرة الهدنة ورأى أن “صفقة التسوية” باتت قريبة، فإن بوتين يريد استغلال 9 مايو لضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد.
فهو يضع زيلينسكي في مأزق واختبار محرج: هل ستقبل هدنة لا تصنعها بنفسك، بل يفرضها عليك خصمك؟
كما أنه من جديد يختبر جدية تصريحات ترامب الذي صدع رؤوس الجميع بعدد المرات التي أعلن فيها اقتراب الصفقة، فهل سيستطيع الضغط على زيلينسكي أو على الأقل دفعه إلى عدم إفشال المبادرة؟
أما الهدف الثالث الذي يحققه بوتين، فهو يثبت قدرة الدولة على أن تحافظ على طقس النصر رغم الحرب والهجمات، وفي هذا المعنى لا يناقض العرض العسكري الاحتفالي بصيغته المختصرة هذه المرة مبادرة الهدنة، بل يكملها.
لا يعني تقليص العرض العسكري هذا العام ضعفاً روسياً، كما حاولت تصويره بعض القراءات الغربية السريعة، ولا يعني أيضاً حصراً “حكمة أمنية” كما تحاول الرواية الرسمية الروسية إقناعنا وإقناع الروس.
هو، في اعتقادي، مزيج من الاثنين، وإن الصيغة تبدو معقدة وغير مفهومة. ما أرمي إليه هو أن روسيا اليوم ليست في وضع يسمح لها بتقديم عرض قوة كلاسيكي كما في سنوات ما قبل الحرب، لكنها أيضاً ليست في وضع تخلي عن الرموز.
لذلك اختار بوتين صيغة وسطى بين الأمرين: عرض يستمر ويحضره هو بنفسه ويقوده، والطيران يحلق والعلم الروسي يُرسم في سماء العاصمة، لكن الدبابات لا تمخر الساحة الحمراء هذه المرة. إنها دولة تريد أن تقول إنها مسيطرة، لكنها لا تريد أن تعطي خصمها فرصة لاختبار هذه السيطرة في أكثر الأيام رمزية لديها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-03 18:57:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-03 18:57:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
